نزول الآية
٥ أقوالعن محمد بن ثابت بن قيس بن شَمّاس، عن ثابت بن قيس بن شَمّاس، قال: لَمّا نَزَلتْ على النبيِّ ﷺ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا فَوْقَ تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ قعدتُ في بيتي، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فقال: «تعيش حميدًا، وتُقتل شهيدًا». فقُتل يوم اليمامة١
عن عطاء الخُراسانيّ، قال: قدمتُ المدينة، فلقيتُ رجلًا من الأنصار، فقلتُ: حدِّثني حديث ثابت بن قيس بن شَماّس. قال: قم معي. فانطلقتُ معه حتى دخلنا على امرأة، فقال الرجل: هذه ابنةُ ثابت بن قيس بن شَمّاس، فاسألها عمّا بدا لك. فقلتُ: حَدِّثيني. فقالت: سمعتُ أبي يقول: لَمّا أنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا فَوْقَ تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآيةَ؛ دخل بيته، وأغلق عليه بابه، وطفق يبكي، فافتقده رسول الله ﷺ، فقال: «ما شأن ثابت؟». فقالوا: يا رسول الله، ما ندري ما شأنه، غير أنه قد أغلق عليه باب بيته، فهو يبكي فيه. فأرسل رسول الله ﷺ إليه، فسأله: «ما شأنك؟». قال: يا رسول الله، أنزل الله عليك هذه الآية، وأنا شديد الصوت، فأخاف أن أكون قد حبِط عملي. فقال: «لستَ منهم، بل تعيش بخير، وتموت بخير». قالت: ثم أنزل الله على نبيّه ﷺ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨]، فأغلق عليه بابه، وطفق يبكي فيه، فافتَقَده رسول الله ﷺ، وقال: «ثابت ما شأنه؟». قالوا: يا رسول الله، واللهِ، ما ندري ما شأنه، غير أنه قد أغلق عليه باب بيته، وطفق يبكي. فأرسل إليه رسول الله ﷺ، فقال: «ما شأنك؟». قال: يا رسول الله، أنزل الله عليك: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾، واللهِ، إني لَأُحِبّ الجمال، وأُحِبّ أن أسُود قومي. قال: «لستَ منهم، بل تعيش حميدًا، وتُقتل شهيدًا، ويُدخلك الله الجنّة بسلام». قالت: فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مُسيْلمة الكذّاب، فلما لقي أصحابَ رسول الله ﷺ قد انكشفوا، فقال ثابت لسالم مولى أبي حُذيفة: ما هكذا كُنّا نقاتل مع رسول الله ﷺ. ثم حفر كل منهما لنفسه حُفرة، وحمل عليهم القوم، فثبتا حتى قُتلا، وكانت على ثابت يومئذ دِرْعٌ له نفيسة، فمرّ به رجل من المسلمين، فأخذها، فبَينا رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت بن قيس في منامه، فقال له: إني أوصيك بوصيّة؛ إياك أن تقول: هذا حُلْمٌ؛ فتُضيّعه، إني لما قُتلتُ أمس مرّ بي رجل من المسلمين، فأخذ درعي، ومَنزله في أقصى العسكر، وعند خِبائه فَرسٌ يَسْتَنُّ١ في طِوَلِهِ٢، وقد كَفَأ على الدِّرْع بُرْمة، وجعل فوق البُرْمة رَحلًا، فأْتِ خالد بن الوليد، فمُرْه أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمتَ على خليفة رسول الله فأخْبِره أنّ عليَّ من الدَّيْن كذا وكذا، ولي مِن الدَّيْن كذا وكذا، وفلان مِن رقيقي عتيق وفلان، فإيّاك أن تقول هذا حُلْمٌ؛ فتضيّعه. فأتى الرجلُ خالدَ بن الوليد، فأخبَره، فبعث إلى الدِّرْع، فنظر إلى خِباءٍ في أقصى العسكر، فإذا عنده فَرسٌ يَسْتَنّ في طِوَله، فنظر في الخِباء فإذا ليس فيه أحد، فدخلوا، فدفعوا الرَّحل، فإذا تحته بُرْمة، ثم رفعوا البُرْمة، فإذا الدِّرْع تحتها، فأتَوا به خالد بن الوليد، فلما قدموا المدينة حدّث الرجلُ أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيّته بعد موته، ولم نعلم أحدًا مِن المسلمين جُوِّز وصيتُه بعد موته غير ثابت بن قيس بن شَمّاس٣
قال مقاتل بن سليمان: لَمّا نَزَلتْ هذه الآية: [أي: قوله تعالى: ﴿لا فَوْقَ تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية] أقام ثابت بن قيس في منزله مهمومًا حزينًا مخافة أن يكون حبِط عمله، وكان بدريًّا، فانطلق جاره سعد بن عبادة الأنصاري إلى النبي ﷺ، فَأَخْبَرَه بقول ثابت بن قيس بأنه قد حَبِطَ عَمَلُه وهو في الآخرة من الخاسرين وهو في النار. فقال النبي ﷺ لسعد: «اذهب، فأخبِره أنك لم تُعنَ بهذه الآية، ولست مِن أهل النار، بل أنت من أهل الجنّة، وغيرك من أهل النار -يعني: عبد الله بن أُبي المنافق-، فاخرج إلينا». فرجع سعد إلى ثابت، فأخبَره بقول النبي ﷺ، ففرح، وخرج إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ حين رآه: «مرحبًا برجل يزعم أنه من أهل النار، بل غيرك من أهل النار -يعني: عبد الله بن أُبي، وكان جاره-، وأنت من أهل الجنة». فكان ثابت بعد ذلك إذا كان عند النبي ﷺ خفض صوته، فلا يسمع مَن يليه؛ فنَزَلتْ فيه بعد الآية الأولى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ﴾١
عن أبي هريرة، قال: لَمّا أنزل الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾ قال رسول الله ﷺ: «منهم ثابت بن قيس بن شَمّاس»١
عن محمد بن ثابت بن قيس بن شَمّاس، قال: لَمّا نَزَلتْ هذه الآية: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ قعد ثابتٌ في الطريق يبكي، فمرّ به عاصم بن عديّ بن العجلان، فقال: ما يبكيك، يا ثابت؟ قال: هذه الآية، أتخوّف أن تكون نَزَلتْ فِيّ، وأنا صَيِّتٌ رفيعُ الصوت. فمضى عاصم بن عديّ إلى رسول الله ﷺ، فأخبره خبره، فقال: «اذهب، فادعُه لي». فجاء، فقال: «ما يبكيك، يا ثابت؟». فقال: أنا صيِّت، وأتخوّف أن تكون هذه الآية نَزَلتْ فِيَّ. فقال له رسول الله ﷺ: «أما ترضى أنْ تعيش حميدًا، وتُقتل شهيدًا، وتدخل الجنّة؟». قال: رضيتُ ببشرى الله ورسوله، ولا أرفع صوتي أبدًا على صوت رسول الله ﷺ. قال: فأنزل الله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية١