سورة الإنسان | الآية ٣

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ

وقفات مع سور وآيات
-إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" لا طريق ثالث
روائع القرآن
وقفات مع سور وآيات
اختيار كلمة (النجدين) في هذه السورة بينما في السور الأخرى جاء التعبير (إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) و (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) وغيرها؛ لمناسبتها جو السورة، فإن سلوك النجد فيه مشقة وصعوبة؛ لما فيه من صعود وارتفاع، فهو مناسب للمكابدة والمشقة التي خلق الإنسان فيها، ومناسب لاقتحام العقبة وما فيه من مشقة وشدة.
فاضل السامرائي
وقفات مع سور وآيات
جمع بين الشاكر والكفور، ولم يقل: إما شكورًا، وإما كفورًا مع اجتماعهما في صيغة المبالغة، فنفى المبالغة في الشكر وأثبتها في الكفر؛ لأن شكر الله تعالى لا يؤدى مهما كثر، فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر المبالغة، فإن أقل الكفر مع كثرة النعم على العبد يكون جحودًا عظيمًا لتلك النعم.
القرطبي
وقفات مع سور وآيات
" إما شاكراً وإما كفوراً " لقلة الشاكرين جاء (شاكر)(اسم فاعل )يفيد القلة ولكثرة الكفور الجحود أصبح (كفور) (صيغة مبالغة)
محاسن التاويل
وقفات مع سور وآيات
سلسلة مأدبة الله سورة الإنسان أية 3
عقيل الشمري
وقفات مع سور وآيات
تأملات قرآنية من تفسير ابن كثير/:
سعد الحجري
وقفات مع سور وآيات
(إما شاكرا وإما كفورا) كان السلف يسأل بعضهم بعضا عن حاله وصحته ؛ لأجل أن يسمع : (الحمد لله)
عقيل الشمري
وقفات مع سور وآيات
مهما بلغ عملك لن تؤدي شكر الله
ماجد الزهراني
بلاغة القرآن
مسألة: قوله تعالى (إما شاكرا وإما كفورا) ولم يقل شكورا لمطابقة كفورا؟ جوابه: أنه جاء باللفظ الأعم لأن كل شكور شاكر وليس كل شاكر شكورا، أو قصد المبالغة في جانب الكفر ذما له لأن كل كافر كفور بالنسبة إلى نعم الله عليه.
كتاب كشف المعاني / لابن جماعة
بلاغة القرآن
(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً {3}) نلاحظ أنه كما قال تعالى في الآية السابقة (إنّا خلقنا) بالتوكيد وضمير التعظيم قال في هذه الآية أيضاً (إنا هديناه) بالتوكيد وضمير التعظيم أي بإسناد الفعل إلى نفسه تعالى لأن الهداية أمر مهم وهي الغاية التي خُلق الإنسان وقد تفوق خلق الإنسان. والخلق لِعِلّة كما قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فإذا كان الخلق مؤكد فلا بد من أن تكون الهداية مؤكدة وكما أسند تعالى الخلق إلى نفسه في آية سورة الإنسان (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) أسند الهداية إلى نفسه أيضاً في قوله (إنا هديناه السبيل) ومن ناحية أخرى فإن المنهج الصحيح لا يستطيعه أحد إلا الله تعالى ولا يُنسب إلا إلى الله تعالى ولو تُرِك الناس إلى عقولهم لأصبحوا شيعاً وأحزاباً كلٌ يختار ما يشاء، إذن الطريق الصحيح للهداية لا يستطيعه إلا الله تعالى لأنه هو الذي خلق وهو أعلم بمصالح العباد. (إنا هديناه السبيل) عدّى الفعل بنفسه وفعل هدى قد يتعدى بنفسه كقوله (اهدنا الصراط المستقيم) وقد يتعدى بـ (إلى) كما في قوله تعالى (يهدي إلى الحق) بمعنى يدلّه ويرشده إليه، وقد يتعدّى باللام كما في قوله (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) و قوله (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) وقد تكلمنا باستفاضة عن فعل هدى في شرح سورة الفاتحة (اضغط هنا للرجوع إلى سورة الفاتحة). وفي هذه الآية قال تعالى (إنا هديناه السبيل) لأن التعدية بالفعل بإلي تقال لمن لم يكن في الطريق فتدله وترشده إليه فإذا وصل إلى الطريق يحتاج لمن يعرّفه به وبماذا في الطريق فحينها يتعدى الفعل باللام أما تعدية الفعل بدون حرف جر فتقال لمن كان في الطريق فتبين له مراحل في الطريق ومن لم يكن في الطريق أو كان بعيداً عنها فترشده إليها وتدله إليها. وقال تعالى مخاطباً رسوله  (ويهديك صراطاً مستقيما) والرسول  سلك الطريق وقال تعالى على لسان الرسل (وقد هدانا سبلنا) وهم أيضاً كانوا في الطريق. وقال تعالى (فاتبعني أهدك صراطاً سويا) في خطاب إبراهيم  لأبيه الذي لم يكن في الطريق وكذلك قال تعالى مخاطباً المنافقين (ولهديناهم صراطاً مستقيما). إذن عدم تعدية الفعل في الآية بحرف جر جمعت المعنيين وبذلك أتمّ تعالى نعمته على الإنسان بأن يدلّه ويرشده إلى الطريق لما كان بعيداً عنها ويبيّن له معالم ومراحل الطريق عندما يصل إليها وقامت الحجة على الجميع إذن فالله تعالى يستحق الشكر على ذلك. (إما شاكراً وإما كفورا): شاكراً صيغة اسم فاعل وكفورا صيغة مبالغة لم يجعلهما على نمط واحد لم يقل إما شاكراً وإما كافراً أو إما شكوراً وإما كفورا. لأن الشكور قليل مصداقاً لقوله تعالى (وقليل من عبادي الشكور) ول قال تعالى شكورا لكان أخرج من بينهم الشاكرين وهم الأكثر فالآية حينها لن تشكل مجموعة الخلق الشاكرين. وكذلك لم يقل كافراً (اسم فاعل) لأن الكافر لم يستعملها القرآن الكريم مقابل الشاكر وإنما بمقابل المؤمن (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) إذن لا تصح المقابلة (شاكرا) و(كافرا) لأن القرآن لم يستعملها هكذا. صيغة كفور يستعملها القرآن لأمرين : للكافر المبالغ في الكفر (إن الإنسان لكفور مبين) (وكذلك نجزي كل كفور) ولجاحد النعمة غير الشاكر (إما شاكراً وإما كفورا) (وكان الشيطان لربه كفورا). وهنا يأتي سؤال: كي تكون كفرواً بمعنى غير شاكر في قوله تعالى (وكان الشيطان لربه كفورا)؟ يدل على ذلك اللام في (لربه) لأن الكفر المقابل للإيمان يُعدّى بالباء لا باللام كما في قوله تعالى (إن الذين يكفرون بالله ورسوله) (وكانوا بشركائهم كافرين) فلا نقول يكفر لله وإنما يكفر بالله. وكذلك الكفر المقابل للشكر لا يُعدّى باللام فكفران النعمة يتعدى بنفسه (فاشكروا لي ولا تكفرون)بمعنى كفر النعمة أو كفر صاحب النعمة (وإن كفرتم) إذن ما هي اللام في (لربه)؟ اللام هنا هي لام التقوية إذا جئنا بصيغة المبالغة أو اسم الفاعل هذا الفعل الذي يتعدى بنفسه يمكن إضافة لام التقوية له كما في قوله تعالى (وهو الحق مصدقاً لما معه) فعل صدّق يتعدى بنفسه واللام للتقوية وكذلك قوله تعالى )فعّال لما يريد) أي فعّال ما يريد. إذا تأخر الفعل أو كان مصدراً أو صيغة مبالغة قد يُؤتى باللام المقوّية كما جاء في قوله تعالى (وكان الشيطان لربه كفورا). أمر آخر أنه تعالى اختار الشكر على الإيمان في آيات أخرى منها قوله تعالى في سورة التغابن (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {2}) أما في آية سورة الإنسان اختار الشكر مع كفران النعمة لأن نعمة الخلق والهداية لا تقتضي الإيمان فقط وإنما تقتضي الشكر لأنه لما أنعم تعالى على الإنسان بالسمع والبصر والعقل والاختيار والهداية كل هذه نعم تقتضي الشكر فهو الإيمان وزيادة في الآية السابقة في سورة التغابن ذكر تعالى نعمة الخلق فقط أما في سورة الإنسان ذكر الخلق والهداية فكما زاد وتفضّل بأن جعل الخلق وزيادة ينبغي أن تكون الزيادة أيضاً فذكر الشكر وزيادة. (إنا خلقنا) لم يكتف بذلك بل قال (سميعاً بصيرا) وجعل له عقلاً واختياراً لذا يقتضي الإيمان وزيادة ثم النعم مثل قوله (هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) فالنعمة تقتضي الشكر وليس مجرد الإيمان ومسألة الشكر والإيمان مناسب لجوّ السورة فقد جاء في سورة الإنسان قوله تعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً {9}) وقوله تعالى (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً {22}) فذكر الشكر مناسب من جهة السياق ومن ناحية جو السورة الكلي . وهناك أمر آخر حسّن اختيار الشكر (إنا هديناه السبيل) والسبيل هي الطريق المسلوكة الميسّرة السهلة وهناك فرق بينها وبين النجد (وهديناه النجدين) فربنا هدانا السبيل الميسرة للهداية وكونها ميسرة يستدعي الشكر ولما قال (وهديناه النجدين) أتبعها بقوله تعالى (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ {17}) التواصي بالصبر لأن سلوك النجدين يحتاج لمجاهدة وصبر أما هداية السبيل الميسرة فتحتاج إلى شكر. إضافة إلى ما سبق من أين ما نظرنا فالسياق يستدعي الشكر. وقد يرد السؤال: لماذا قدّم الشاكر على الكفور؟ قدّم الشكر لأنه قدّم ما يستدعي الشكر (النعم التي ذكرها) ثم أنه في السورة أفاض في ذكر جزاء الشاكرين في سبع عشرة آية من الآية (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً {5}) إلى قوله (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً {22}) في نهاية الآية بينما اختصر في عقاب الكافرين ولم يذكرهم إلا في آية واحدة هي (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً {4}) إذن الإفاضة في ذكر جزاء الجنة وذكر الشاكرين اقتضى تقديم الشاكرين على الكافرين، وهناك أمر آخر أنه تعالى قدّم الرحمة على العذاب في آخر السورة أيضاً (يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً {31}) لذا بدأ بالشاكرين (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً {3}) فأول السورة وآخرها على نفس النسق. ثم إن هذا التقديم (الشاكر على الكفور) هو نظير ما تقدم في القرآن فحيثما اجتمع الشكر والكفر قدم الشكر على الكفر (ليبلوني أأشكر أم أكفر) (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر) (واشكروا لي ولا تكفرون) إلا في آية واحدة فقط في سورة الزمر (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ {7}) والسبب في ذلك أنه تقدم ذكر الكفر والكافرين في سورة الزمر (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ {3}) فناسب سياق السورة تقديم الكفر على الشكر وكذلك في آخر السورة ذكر عقاب الكافرين أولاً (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ {71}) ثم جزاء الشاكرين (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ {73}). وقد قال الرازي إن القرآن كله كالسورة الواحدة بل كالآية الواحدة بل الكلمة الواحدة.
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
قوله تعالي : " يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) " [ سبأ : 13 ] . الشكر : الامتلاء من ذكر المنعم عليه , والشكر ثلاثة أنواع : شكر القلب : وهو تصور النعمة , وشكر اللسان : وهو الثناء على المنعم , وشكر سائر الجوارح : وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه , وبناء على هذا يكون فى هذه الآية وقفتان : أولاهما : أن الله تعالى قال : " اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا " , ولم يقل : " اشكروا " , قال الراغب الأصفهاني : " لينبه على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر بالقلب , واللسان , وسائر الجوارح " , فيكون إعراب " شُكْرًا " فى الآية على هذا القول مفعولا مطلقا . وقيل : إنها مفعول لأجله . ثانيتهما: أنه قال : " وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ " , قال الزركشي : " الحمد لله الذي ما قال : ( الشاكر ) " ؛ لأن الشاكر هو المُثنى بالقليل والكثير , أما ( شكور ) فصيغة مبالغة بمعني : الموفي نعم الله حقها من الشكر , ولذلك وصف الشكورين بالقلة ؛ لأن توفيه نعم الله بالشكر صعبة الحصول , فهي كثيرة , ومهما حاول العبد شكرها فسيظل مقصرا . قال عبد الله بن المقفع : " قد بلغ فضل الله على الناس من السعة , وبلغت نعمته عليهم من السبوع , ما لو أن أخسهم حظا , وأقلهم من نصيبا , وأضعفهم علما , وأعجزهم عملا , وأعياهم لسانا , بلغ من الشكر له , والثناء عليه بما خلص إليه من فضله , ووصل إليه من نعمته , ما بلغ له منه أعظمهم حظا , وأوفرهم نصيبا , وأفضلهم علما , وأقواهم عملا , وأبسطهم لسانا , لكان عما استوجب الله عليه مقصرا , وعن بلوغ غاية الشكر بعيدا , ومن أخذ بحظه من شكر الله , وحمده , ومعرفة نعمه , والثناء عليه , والتحميد له , فقد استوجب بذلك من أدائه إلى الله القربة عنده , والوسيلة إليه , والمزيد فيما شكره عليه من خير الدنيا وحسن ثواب الآخرة " . وقال الراغب الأصفهاني : " ولذلك لم يثن – أي الله – بالشكر من أوليائه إلا على اثنين : قال فى إبراهيم – عليه السلام - : " شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ " النحل : 121 . , وقال فى نوح : " إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا " الإسراء : 3 . فمدح ابراهيم بأنه مثن على نعم الله , ومدح نوحا بأنه مبالغ فى الثناء عليها . ويحسن فى هذا المقام أن أشير إلى فائدة المغايرة بين الصفتين فى قوله تعالى : " إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) " الإنسان : 3 . سأل الصاحب بن عباد القاضي عبد الجبار بن احمد المعتزلي : لم جعل الله المبالغة فى الكفر , ولم يجعلها فى الشكر ؟ " فأجاب القاضي بأن نعم الله علي عباده كثيرة , وكل شكر يأتي في مقابلتها قليل , وكل كفر يأتي فى مقابلتها عظيم , فجاء الشكر بلفظ ( فاعل ) , جاء ( كفور ) بلفظ فعول على وجه المبالغة " . وكتب صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي إلى العلامة جمال الدين السبكي قائلا : عندي جمال الدين مسألةٌ غدا = تبيانها فيما لديك محرّرا إذ أنت من بيتٍ جميع بنيه قد = فازوا بما حازوا وقد سادوا الورى إن جاودوا ألفيتهم صوب الحيا = أو جادلوا أبصرتهم أُسد الشّرى فاطلع بأُفق الفضل شمساً أشرقت = لا ترض أنّك فيه بدرٌ أسفرا وأعد جوابي عن سؤالي إنّه = لك واضحٌ أن رحت فيه مفكّرا فكّرت والقرآن فيه عجائبٌ = بهرت لمن أمسى له متدبّرا في هل أتى لم ذا أتانا شاكراً= حتى إذا قال الكفور تغيّرا فالشكر فاعله أتى في قلّةٍ = والكفر فاعله أتى متكثرا فعلام ما جاءا بلفظٍ واحدٍ = إن التوازن في البديع تقرّرا لكنّها حكمٌ يراها كل ذي = لبٍّ وما كانت حديثاً يفترى فأجبه لا زلت الجواد بفضله = لمن استعان به لإشكالٍ طري فأجابه السبكي قائلا : قبّلت أسطر فاضلٍ بهر الورى ... ممّا لديه عجائبٌ لن تحصرا قد نال في علم البلاغة رتبةً ... عنها غدا عبد الرّحيم مقصّرا وأراد منّي حلّ مشكلة غدا ... تبيانها عندي كصبحٍ أسفرا وجوابه أنّ الكفور ولو أتى ... بقليل كفرٍ كان ذاك تكثّرا بخلاف من شكر الإله فإنّه ... بكثير شكر لا يكون مكثّرا فإذاً مراعاة التوازن ههنا ... محظورةٌ لمن اهتدى وتفكّرا فاصفح فعجزي عن جوابك ظاهرٌ ... كظهور ما بين الثّريّا والثّرى
صالح العايد
موضوعات القرآن
سَل الله الهداية، ﴿ إِنَّا هَدَيْنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ ﴾
القرآن تدبر وعمل