تفسير
٥٩ قولًاعن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمَة بن الفضل- ﴿قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾، أي: فيكم ومنكم -ولم يُبْدِها لهم- من المعصية، والفساد، وسفك الدماء١٢
عن الضحاك -من طريق أبي رَوْق- في قوله: ﴿ونقدس لك﴾، قال: التقديس: التطهير١
قال الحسن البصري: يقولون: سبحان الله وبحمده، وهو صلاة الخلق، وتسبيحهم، وعليها يُرزقون١
عن أبي صالح [باذام] -من طريق إسماعيل- في قوله: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾، قال: نُعَظِّمك، ونُمَجِّدك١
عن قتادة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾، قال: التسبيح: التسبيح. والتقديس: الصلاة١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: التقديس: الصلاة١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ يقول: نحن نَذْكُرُك بأمرك. كقوله سبحانه: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:١٣]، يعني: يَذْكُرُه بأمره، ﴿ونقدس لك﴾: ونُصَلِّي لك، ونُعَظِّم أمرك١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمَة بن الفَضْل- ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾: لا نعصي، ولا نأتي شيئًا تكرهه١
قال سفيان الثوري: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾: نُمَجِّدك، ونُعَظِّمك١٢
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدِّيّ، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّي، عن أبي مالك وأبي صالح- ﴿قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، يعني: من شأن إبليس١
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾، يقول: إنِّي قد اطَّلَعْتُ من قلب إبليس على ما لم تَطَّلِعُوا عليه من كِبْرِه واغْتِرارِه١
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عمَّن حَدَّثه-: كان إبليسُ أميرًا على ملائكة سماء الدنيا، فاستكبر، وهَمَّ بالمعصية، وطغى، فعلم الله ذلك منه، فذلك قوله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾، وأنّ في نفس إبليس بَغْيًا١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-، نحو ذلك١
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾، قال: عَلِم من إبليس المعصية، وخَلَقَه لها١
عن مجاهد -من طريق ابنه عبد الوهاب- قال: عَلِم من إبليس المعصية، وخَلَقه لها، وعَلِمَ من آدم الطاعة، وخَلَقه لها١
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾، قال: كان في علم الله أنّه سيكون من تلك الخليفة أنبياء ورسل، وقوم صالحون، وساكنو الجنة١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إنّ في علمي أنَّكم سكان السماء، ويكون آدم وذريته سكان الأرض، ويكون منهم من يُسَبِّح بحمدي ويعبدني١
عن قتادة -من طريق مَعْمَر- ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾، قال: كان الله أعْلَمَهُم إذا كان في الأرض خَلْقٌ أفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، فذلك قوله: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾. يعنون: الناس١
عن عبد الرحمن بن سابط -من طريق عطاء بن السائب- قوله: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾، قال: يعنون الناس١
قال إسماعيل السّدي: لما قال الله لهم ذلك قالوا: وما يكون من ذلك الخليفة؟ قال: تكون له ذرية، يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا عند ذلك: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾١
عن يحيى بن أبي كثير -من طريق ابنه عبد الله- قال: إنّ الملائكة الذين قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ كانوا عشرة آلاف، فخرجت نارٌ من عند الله، فأَحْرَقَتْهُم١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ الآية، قال: إنّ الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجِنَّ يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة. قال: فكفر قوم من الجِنّ، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض، فتقاتلهم، فكانت الدماء، وكان الفساد في الأرض، فمِن ثَمَّ قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ الآية١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ يقول: أتجعل في الأرض ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ يعني: من يعمل فيها بالمعاصي، ﴿ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ بغير حقٍّ، كفِعْلِ الجِنِّ١
عن ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- قال: إنّما تَكَلَّمُوا بما أعْلَمَهم أنّه كائنٌ مِن خَلْقِ آدم، فقالوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمَة بن الفضل- قال:... ثم أخبرهم بعلمه فيهم، فقال: يفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء، ويعملون بالمعاصي. فقالوا جميعًا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾١
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب-: لَمّا خلق الله النارَ ذُعِرَتْ منها الملائكةُ ذُعْرًا شديدًا، وقالوا: ربَّنا، لِمَ خلقتَ هذه النار، ولأيِّ شيء خلقتَها؟ قال: لِمَن عصاني مِن خلقي. قال: ولَمْ يكن لله خلق يومئذ إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، إنما خلق آدم بعد ذلك. وقرأ قول الله: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾ [الإنسان:١]. قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ليت ذلك الحين١. ثم قال: قالت الملائكة: يا رب، أوَيأتي علينا دهرٌ نعصيك فيه! لا يرون له خلقًا غيرهم، قال: لا، إنِّي أُريد أن أخلق في الأرض خلقًا، وأجعل فيها خليفة، يسفكون الدماء، ويفسدون في الأرض. فقالت الملائكة: أتجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء، وقد اخْتَرْتَنا؟ فاجعلنا نحن فيها، فنحن نُسَبِّح بحمدك ونُقَدِّس لك، ونعمل فيها بطاعتك. وأَعْظَمَتِ الملائكةُ أن يجعل الله في الأرض من يعصيه، فقال: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾، ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾. فقال: فلان، وفلان. قال: فلما رَأَوْا ما أعطاه الله من العلم عليهم، أقرُّوا لآدم بالفضل عليهم، وأبى الخبيثُ إبليسُ أن يُقِرَّ له، قال: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين* قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها﴾ [الأعراف:١٢-١٣]٢٣٤
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدِّيّ، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾، قال: يقولون: نصلي لك١٢
وعن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-، مثله١
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: التقديس: التطهير١٢
عن عبد الله بن عباس: كل ما في القرآن من التسبيح فالمراد منه الصلاة١
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ونقدس لك﴾، قال: نُعَظِّمك، ونُكَبِّرك١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة- ﴿جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، يقول: ساكِنًا وعامِرًا يسكنها ويعمرها، ليس خَلْقًا منكم١٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: قال الله للملائكة: إنِّي أُريدُ أن أخلق في الأرض خَلْقًا، وأجعل فيها خليفة. وليس لله يومئذ خَلْقٌ إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خَلْق١
عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أوَّلَ من لَبّى الملائكةُ، قال الله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. قال: فَرادُّوه، فأعرض عنهم، فطافوا بالعرش ست سنين يقولون: لبيك لبيك اعتذارًا إليك، لبيك لبيك نستغفرك ونتوب إليك»١
عن عبد الله بن عمر، أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنّ آدم لَمّا أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أيْ رَبّ، ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾. قال: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾. قالوا: ربنا، نحن أطوعُ لك من بني آدم. قال الله للملائكة: هَلُمُّوا مَلَكَيْن من الملائكة حتى نُهْبِطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان؟ فقالوا: ربنا، هاروت وماروت...١»٢
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح-: لَمّا فرغ الله من خلق ما أحبَّ؛ اسْتَوى على العرش، فجعل إبليسَ على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن. وإنما سُّمُوا الجِنَّ لأنهم خزانُ الجنة، وكان إبليس مع مُلْكِه خازِنًا، فوقع في صدره كِبْر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد١ لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكِبْر في نفسه؛ اطَّلَع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. قالوا: ربَّنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية، يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربنا، ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: كان إبليس من حَيٍّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن، خُلِقوا من نار السموم من بين الملائكة. قال: وكان اسمه الحارث. قال: وكان خازنًا من خُزّان الجنة. قال: وخُلِقَت الملائكة كلهم من نورٍ غير هذا الحي. قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارِج من نار -وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا أُلهِبَت-. قال: وخُلِق الإنسان من طين، فأول من سكن الأرضَ الجنُّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليسَ في جُندٍ من الملائكة -وهم هذا الحي الذين يقال لهم: الجن-، فقتلهم إبليس ومَن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغْتَرَّ في نفسه، وقال: قد صنعت شيئًا لم يصنعْه أحد. قال: فاطَّلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطَّلع عليه الملائكة الذين كانوا معه، فقال الله للملائكة الذين معه: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾، كما أفسدت الجن، وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك١
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: لقد أخرج الله آدمَ من الجنة قبل أن يدخلها؛ قال الله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. وقد كان فيها قبل أن يُخْلَق بألفي عام الجِنُّ؛ بنو الجان، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فلَمّا أفسدوا في الأرض بعث عليهم جنودًا من الملائكة، فضربوهم، حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال الله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾، كما فعل أولئك الجان. فقال الله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾١
وعن عبد الله بن عمرو -من طريق مجاهد-، مثله١
عن عبد الله بن عباس -من طريق السدي، عَمَّن حدثه- في قوله: ﴿وإذ قال ربك للملائكة﴾ الآية، قال: إنّ الله قال للملائكة: إنِّي خالقٌ بشرًا، وإنهم يتحاسدون، فيقتل بعضهم بعضًا، ويفسدون في الأرض. فلذلك قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾١
عن عبد الله بن عباس، قال: إيّاكم والرَّأْيَ؛ فإن الله تعالى رد الرَّأْيَ على الملائكة، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. قالت الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾. قال: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾١
عن قتادة -من طريق سعيد-: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ وقد علِمَت الملائكة من عِلْمِ الله أنّه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض، ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾. فكان في علم الله -جَلَّ ثناؤُه- أنّه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء، ورسل، وقوم صالحون، وساكنو الجنة، قال قتادة: وذُكِر لنا أنّ ابن عباس كان يقول: إنّ الله لَمّا أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله خالقٌ خَلْقًا أكرم عليه مِنّا، ولا أعلم مِنّا. فابْتُلُوا بخلق آدم، وكل خَلْقٍ مُبْتَلًى، كما ابتُلِيَت السموات والأرض بالطاعة، فقال الله: ﴿ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١]١٢
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- قال: إنّ الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، فكَفَر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء، وكان الفساد في الأرض، فمن ثَمَّ قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾١
عن مجاهد -من طريق ابنه عبد الوهاب– قال: كان إبليس على سُلْطان سماء الدنيا وسُلْطان الأرض، وكان [مكتوبًا] في الرفيع الأعلى عند الله أنه سيجعل في الأرض خليفة، وأنه سيكون دمًا و[أحداثًا]، فوجد ذلك إبليس، فقرأه أو أبصره دون الملائكة، فلمّا ذكر أمرَ آدم للملائكة أخبر إبليسُ الملائكةَ أنّ هذا الخليفة الذي يكون ستسجد له الملائكة، وأسَرَّ إبليس في نفسه أن لن يسجد له، وأخبر الملائكةَ أن الله سيخلق خلقًا، وأنه يسفك الدماء، وأنه سيأمر الملائكة يسجدون لذلك الخليفة، قال: فلما قال الله عز وجل: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ حَفِظُوا ما كان قال لهم إبليس قبل ذلك، فقالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾١
عن الحسن البصري -من طريق جرير بن حازم، ومبارك، وأبي بكر-، وقتادة -من طريق أبي بكر- قالا: قال الله لملائكته: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. قال لهم: إني فاعِل. فعَرَضوا برأيهم، فعلَّمهم عِلْمًا، وطوى عنهم عِلمًا عَلِمه لا يعلمونه. فقالوا بالعلم الذي عَلَّمهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ وقد كانت الملائكة عَلِمَت من عِلْمِ الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء، ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾١
عن أبي جعفر محمد بن علي -من طريق معروف المَكِّيّ عمَّن سمع أبا جعفر- قال: السِّجِلُّ مَلَكٌ، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له كل يوم ثلاث لَمَحات ينظرهن في أُمِّ الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له، فأبصر فيها خَلْق آدم وما فيه من الأمور، فأسرَّ ذلك إلى هاروت وماروت وكانا من أعوانه، فلما قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. قالا ذلك استطالة على الملائكة١٢
عن أبي مالك غَزْوان الغِفارِيّ -من طريق السُّدِّيّ- قال: ما كان في القرآن ﴿إذ﴾ فقد كان[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٧٥.]]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ﴾، يعني: وقد[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٩٦.]]
عن قتادة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فاستشار الملائكةَ في خلق آدم[[أخرجه ابن جرير ١/٤٩١. وعلّقه ابن أبي حاتم ١/٧٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]
عن السدي -من طريق أسباط- في قوله تعالى: ﴿جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، قال: فاستشار الملائكة في خلق آدم[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٧٦.]][[c=١٣٣]]
عن الحسن البصري -من طريق جرير بن حازم، ومبارك، وأبي بكر الهُذَلِي- في قوله: ﴿إني جاعل﴾، قال: فاعل[[أخرجه ابن جرير ١/٤٧٥، وابن أبي حاتم ١/٧٦ من طريق مبارك بن فضالة، كما أخرجه ابن جرير ١/٤٩٢ مُطَوَّلًا عن الحسن وقتادة، وقد تقدم.]]
عن قتادة -من طريق أبي بكر الهُذَلِيّ- قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، قال لهم: إني فاعل[[أخرجه ابن جرير ١/٤٧٥.]][[c=١٣٤]]
عن أبي رَوْق عطية بن الحارث الهمداني -من طريق بِشْرِ بن عُمارة- قال: كل شيء في القرآن «جعل» فهو: خلق[[أخرجه ابن جرير ١/٤٧٥. وعزاه السيوطي إليه من قول الضحاك. قال الشيخ شاكر في تحقيقه لتفسير ابن جرير ١/٤٤٨ معللًا ذلك: «وأبو روق يكثر رواية التفسير عن الضحاك، فلعل ذِكْر الضحاك سقط من الناسخين في بعض نسخ الطبري». لكن السيوطي في الإتقان (ط: مجمع الملك فهد) ١/٩٩٩ عزا هذا الأثر إلى ابن جرير من قول أبي روق.]][[c=١٣٥]]
عن ابن سابط، أنّ النبي ﷺ قال: «دُحِيَت الأرض من مكة، وكانت الملائكة تطوف بالبيت، فهي أول من طاف به، وهي الأرض التي قال الله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. وكان النبيُّ إذا هلك قومُه، ونجا هو والصالحون؛ أتاها هو ومن معه، فيعبدون الله بها حَتّى يموتوا فيها، وإنّ قبر نوح، وهود، وشعيب، وصالح بين زمزم وبين الركن والمقام»[[أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧٤/٩٠ مختصرًا، وابن جرير ١/٤٧٦ واللفظ له، وابن أبي حاتم ١/٧٦ (٣١٧) مختصرًا. قال ابن كثير في تفسيره ١/٢١٧: «وهذا مرسل، وفي سنده ضعف».]][[c=١٣٦]]
عن عبد الله بن عباس -من طريق سالم بن أبي حفصة، عن رجل- قال: إنّ الله أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه. ثم قرأ: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾[[أخرجه سفيان الثوري ص٤٣، وابن أبي حاتم ١/٧٦، وابن عساكر ٧/٤٥٢ كلاهما من طريقه. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، ووكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]][[c=١٣٧]]
عن خالد الحذاء، قال: سألتُ الحسن، فقلتُ: يا أبا سعيد، آدمُ للسماء خُلِق أم الأرض؟ قال: أما تقرأ القرآن: ﴿إني جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾؟ لا، بل للأرض خُلِق[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٧٦ (٣١٨).]]
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: أوَّل من سكن الأرضَ الجنُّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليسَ في جند من الملائكة، فقتلهم إبليسُ ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور، وأطراف الجبال، ثم خلق آدم، فأسكنه إياها، فلذلك قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾[[أخرجه ابن جرير ١/٤٧٧.]]
عن الحسن البصري، في الآية، أي: خلفاء يخلف بعضهم بعضًا[[علّقه ابن جرير ١/٤٧٩.]][[c=١٣٨]]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وذلك أنّ الله عز وجل خلق الملائكة والجن قبل خلق الشياطين والإنس -وهُوَ آدم عليه السلام، فجعلهم سُكّانَ الأرض، وجعل الملائكة سكان السماوات، فوقع في الجن الفتنُ والحسدُ؛ فاقتتلوا، فبعث الله جُندًا مِن أهل سماء الدنيا -يُقال لهم: الجن، إبليس عدو الله منهم، خُلِقوا جميعًا من نار، وهم خُزّان الجنة، رأسهم إبليس-، فهبطوا إلى الأرض، فلم يُكَلَّفُوا من العبادة فِي الأرض ما كُلِّفُوا في السماء، فأحبوا القيام في الأرض، فأوحى الله عز وجل إليهم: ﴿إني جاعل فِي الأرض خليفة﴾ سواكم، ورافعكم إليَّ. فكرهوا ذلك؛ لأنهم كانوا أهونَ الملائكةِ أعمالًا[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٩٦-٩٧.]]