عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿ليثبتوك﴾: لِيُوثِقُوك١
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق منصور- ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾، قال: يُوبِقُوك١ ذلك٢
٣
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق ابن جريج- في قوله: ﴿ليثبتوك﴾، قال: لِيَسجِنوك١
٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ الآية، يقول: لِيَشُدُّوك وثاقًا، وأرادوا بذلك نبيَّ الله ﷺ وهو يومئذ بمكة١
٥
عن عبد الله بن كثير -من طريق ابن جريج- قوله: ﴿ليثبتوك﴾، قال: يسجنوك١
٦
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿ليثبتوك﴾، قال: الإثْبات: هو الحبس والوَثاق١
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قريش؛ ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يعني: ليحبسوك في بيت، يعني: أبا البَخْتَرِيِّ ابن هشام، ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ يعني: أبا جهل، ﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكة، يعني به: هشام بن عمرو١
٨
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب-: قالوا: اسجنوه١٢
٩
عن عروة بن الزبير -من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر- قال: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، أي: فمكرت بهم بِكَيْدِي المتين حتى خَلَّصْتُك منهم١
١٠
قال الضحاك بن مزاحم: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ويصنعون ويصنع الله١
١١
قال الحسن البصري: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ويقولون ويقول الله١
١٢
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قوله: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، أي: فمكرتُ لهم بكَيْدِي المتين حتى خَلَّصْتُك منهم١
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَمْكُرُونَ﴾ بالنبي ﷺ الشَّرَّ، ﴿ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ بهم حين أخرجهم من مكة فقتلهم ببدر، فذلك قوله: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أفضل مكرًا منهم. وأنزل الله: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا﴾ [الزخرف:٧٩]، يقول: أم أجمعوا على أمر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ يقول: لَنُخْرِجَنَّهم إلى بدر؛ فنقتلهم، أو نُعَجِّل أرواحهم إلى النار١
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قوله: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ الآية، هو النبي ﷺ، مكروا به وهو بمكة١
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿ليثبتوك﴾، يعني: ليُوثِقوك١
١٦
عن مِقْسَمِ بنِ بُجْرَةَ -من طريق مَعْمَر- قال: قالوا: أوْثِقُوه بالوَثاق١
١٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾، قال: كفار قريش، أرادوا ذلك بمحمد ﷺ قبل أن يَخْرُج من مكة١
آثار متعلقة بالآية
قول واحد
١
عن عليِّ بن الحسين، قال: إن أوَّلَ من شَرى نفسَه ابتغاء رضوان الله عليٌّ، وقال في ذلك: وقَيتُ بنفسي خيرَ مَن وطِئ الحصى ومَن طاف بالبيتِ العتيقِ وبالحِجْرِ رسولَ الإله خاف أن يَمْكُروا بهِ فنَجّاهُ ذو الطَّوْلِ الإله من المكرِ وبات رسولُ الله في الغار آمِنًا مُوَقًّى وفي حفظِ الإله وفي سِترِ وبِتُّ أراعيهمْ وما يَتْهِمُونَني وقد وُطِّنَتْ نفسي على القتلِ والأسرِ١
نزول الآية، وقصتها
١٧ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عمرو بن ميمون-، قال: شَرى عَلِيٌّ نفسَه، ولَبِس ثوبَ النبي ﷺ، ثم نام مكانه، وكان المشركون يَرْمُون١ رسول الله ﷺ، وكانت قريش تريد أن تقتل النبي ﷺ، فجعلوا يَرْمُون عليًّا، ويُرَوْنه النبي ﷺ، وجعل عَلِيٌّ يَتَضَوَّرُ٢، فإذا هو عليٌّ، فقالوا: إنّك لَلَئِيمٌ، إنّك لَتَتَضَوَّرُ، وكان صاحبك لا يَتَضَوَّر، ولقد استنكرناه منك٣
٢
عن عبدالله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: دخلت فاطمة على رسول الله ﷺ وهي تبكي، فقال: «ما يُبكِيكِ، يا بُنَيَّةُ؟». قالت: يا أبتِ، و ما لي لا أبكي، وهؤلاء الملأ مِن قريش في الحجر يتعاقدون باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا مَن قد عرف نصيبه من دمك! فقال: «يا بُنَيَّة، ائتني بوضوء». فتوضأ رسول الله ﷺ، ثم خرج إلى المسجد، فلما رأوه قالوا: إنما هو ذا. فطأطؤوا رؤوسهم، وسقطت أذقانهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم. فتناول رسول الله ﷺ قبضة من تراب، فحصبهم بها، وقال: «شاهَت الوجوه». فما أصاب رجلًا منهم حصاةٌ مِن حصياته إلا قُتِل يوم بدر كافرًا١
٣
عن المُطَّلِبِ بن أبي وداعَةَ -من طريق عُبَيْد بن عُمَيْر- قال: إنّ أبا طالب قال للنبي ﷺ: ما يَأْتَمِرُ بك قومُك؟ قال: «يُريدون أن يَسجُنوني، أو يَقْتلوني، أو يُخْرجوني». قال: مَن حَدَّثك بهذا؟ قال: «رَبِّي». قال: نِعْمَ الربُّ ربُّك، فاستوصِ به خيرًا. قال: «أنا أستوصِي به! بل هو يستوصِي بي». فنزلت: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ الآية١
٤
عن عُبَيْد بن عُمَيْر -من طريق عطاء- قال: لَمّا ائْتَمَروا بالنبي ﷺ ليُثبِتوه، أو يَقْتُلوه، أو يُخْرِجوه، قال له عمُّه أبو طالب: هل تَدري ما ائْتَمروا بك؟ قال: «يريدون أن يسجُنوني، أو يَقْتلوني، أو يُخْرجوني». قال: مَن حدَّثك بهذا؟ قال: «ربِّي». قال: نِعْم الربُّ ربُّك، استوصِ به خيرًا. قال: «أنا أستوصِي به! بل هو يستوصِي بي»١٢
٥
عن مِقْسَمِ بنِ بُجْرَةَ -من طريق معمر- في قوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾، قالا: تشاوَروا فيه ليلة وهم بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأَوْثِقوه بالوَثاق. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخْرِجوه. فلما أصْبَحوا رَأَوْا عَلِيًّا، فرَدَّ الله مَكْرهم١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾، قال: هي مكِّية١٢
٨
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عبد الرزاق، عن أبيه-، قال: لَمّا خرج النبي ﷺ وأبو بكر إلى الغار، أمَرَ عَلَيّ بن أبي طالب، فنام في مَضْجَعِهِ، فبات المشركون يحرسونه، فإذا رأوه نائمًا حسبوا أنه النبي ﷺ فتركوه، فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنّه النبي ﷺ فإذا هم بعلي، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. قال: فرَكِبوا الصَّعْب والذَّلُول في طلبه١
٩
عن معاوية بن قُرَّةَ: أنّ قريشًا اجتمَعتْ في بيتٍ، وقالوا: لا يَدْخُلْ معكم اليوم إلا مَن هو منكم. فجاء إبليس، فقالوا له: مَن أنت؟ قال: شيخٌ مِن أهل نجد، وأنا ابن أختكم. فقالوا: ابن أخت القوم منهم. فقال بعضهم: أوْثِقوه. فقال: أيَرْضى بنو هاشم بذلك؟ فقال بعضهم: أخْرِجوه. فقال: يُؤْوِيه غيرُكم. فقال أبو جهل: لِيَجْتَمِعْ مِن كلِّ بني أبٍ رجلٌ فيَقتُلوه. فقال إبليس: هذا الأمرُ الذي قال الفتى. فأنزل الله هذه الآية: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾ إلى آخر الآية١
١٠
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- قال: دَخَلوا دار النَّدْوَة يَأْتَمِرون بالنبي ﷺ، فقالوا: لا يدخُلْ معكم أحدٌ ليس منكم. فدخل معهم الشيطان في صورة شيخٍ مِن أهل نجد، فتشاوروا، فقال رجل منهم: أرى أن تُرْكِبوه بعيرًا، ثم تُخرِجوه. فقال الشيطان: بِئْسَما رأى هذا، هو قد كاد أن يُفْسِدَ فيما بينكم وهو بين أظهُرِكم، فكيف إذا أخْرَجتُموه فأَفْسَد الناس، ثم حَمَلهم عليكم يُقاتِلونكم؟! قالوا: نِعْمَ ما رأى هذا الشيخ. فقال قائل آخر: فإنِّي أرى أن تجعلوه في بيتٍ، وتُطَيِّنوا عليه بابَه، وتَدَعوه فيه حتى يموت. فقال الشيطان: بِئْسَما رأى هذا، فتَرى قومَه يَتْرُكونه فيه؟! لا بُدَّ أن يغضبوا له فيُخرِجوه. فقال أبو جهل: فإني أرى أن تُخرِجوا من كلِّ قبيلة رجلًا، ثم يأخذوا أسيافَهم، فيَضرِبونه ضربةً واحدة، فلا يُدرى مَن قتَله، فتَدُونَه١. فقال الشيطان: نِعْمَ ما رأى هذا. فأطلع الله نبيَّه ﷺ على ذلك؛ فخرج هو وأبو بكر إلى غارٍ في جبل يقال له: ثَوْر. وقام عَلِيٌّ عَلى فراش النبي ﷺ، وباتوا يَحْرُسونه يحسَبون أنه النبي ﷺ، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فإذا هم بعليٍّ، فقالوا: أين صاحبك؟ فقال: لا أدري. فاقْتَصُّوا أثَرَه حتى بلَغُوا الغار، ثم رجَعوا، ومكث فيه هو وأبو بكر ثلاث ليالٍ٢
١١
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط -: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، قال: اجتمعت مَشْيَخَةُ قريش يتشاورون في النبي ﷺ بعد ما أسْلَمَت الأنصار، وفَرِقُوا١ أن يَتَعالى أمرُه إذا وجَد مَلْجَأً لَجَأَ إليه. فجاء إبليس في صورة رجل من أهل نجد، فدخل معهم في دار النَّدْوَة، فلَمّا أنكروه قالوا: من أنت؟! فوالله ما كلّ قومنا أعْلَمْناهم مَجْلِسَنا هذا. قال: أنا رجل من أهل نجد، أسمع من حديثكم، وأُشِير عليكم. فاستحيوا، فخَلّوا عنه. فقال بعضهم: خذوا محمدًا إذا اصطبح على فراشه، فاجعلوه في بيت نتربص به رَيْبَ المَنُون -والرَّيْب: هو الموت، والمَنُون: هو الدهر-. قال إبليس: بِئْسَما قلتَ، تجعلونه في بيت فيأتي أصحابه فيخرجونه؛ فيكون بينكم قتال، قالوا: صدق الشيخ. قال: أخْرِجوه من قريتكم. قال إبليس: بِئْسَما قلتَ، تخرجونه من قريتكم وقد أفْسَد سفهاءكم، فيأتي قريةً أخرى فيفسد سفهاءهم، فيأتيكم بالخيل والرجال. قالوا: صدق الشيخ. قال أبو جهل -وكان أوْلاهم بطاعة إبليس-: بل نَعْمِدُ إلى كل بَطْن من بُطُون قريش، فنُخْرِج منهم رَجُلًا، فنعطيهم السلاح، فيَشِدُّون على محمد جميعًا، فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشًا، فليس لهم إلا الدِّيَة. قال إبليس: صدق هذا الفتى، هو أجْوَدُكم رأيًا. فقاموا على ذلك، وأخبر اللهُ رسولَه ﷺ، فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار، ونام عليُّ بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله: ﴿ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾. والإثْبات: هو الحبس والوَثاق، وهو قوله: ﴿وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا﴾ [الإسراء:٧٦]، يقول: يهلكهم. فلَمّا هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة لَقِيَه عمر، فقال له: ما فَعَل القوم؟ وهو يرى أنهم قد أُهْلِكوا حين خَرَج النبي ﷺ من بين أظْهُرهم، وكذلك كان يُصْنَع بالأمم، فقال النبي ﷺ: «أُخِّرُوا بالقتال»٢
١٢
قال محمد بن السائب الكلبي: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ الآية، بَلَغَنا: أنّ عِصابة من قريش اجتمعوا في دار النَّدْوَة يمكرون بنبي الله، فدخل معهم إبليس، عليه ثياب، له أظفار، في صورة شيخ كبير، فجلس معهم، فقالوا: ما أدْخَلَك في جماعتنا بغير إذننا؟ فقال لهم: أنا رجل من أهل نجد، قدمت مكة، فأحببت أن أسمع من حديثكم، وأقتبس منكم خيرًا، ورأيت وجوهكم حسنة وريحكم طيبة؛ فإن أحببتم جلست معكم، وإذا كرهتم مجلسي خرجت. فقال بعضهم لبعض: هذا رجل من أهل نجد ليس من أهل تهامة، فلا بأس عليكم منه تتكلموا بالمكر بنبي الله، فقال البَخْتَرِيُّ بنُ هشام -أحد بني أسَد بن عبد العُزّى-: أمّا أنا فأرى لكم من الرَّأْي أن تأخذوا محمدًا، فتجعلوه في بيت، ثم تَسُدُّوا عليه بابَه، وتجعلوا فيه كُوَّة يُدْخَل إليه منها طعامه وشرابه، ثم تَذَرُوه فيه حتى يموت، فقال القوم: نِعْمَ الرَّأْيُ رَأَيْتَ. فقال إبليس: بِئْسَ الرَّأْيُ رَأَيْتُم، تعمدون إلى رجل له فيكم صَغْوٌ، وقد سَمِع به من حولكم، فتحبسونه، وتطعمونه وتسقونه، فيوشك الصَّغْوُ الذي له فيكم أن يقاتلوكم عليه، فتفسد فيه جماعتكم، وتسفك فيه دماؤكم. فقالوا: صدق والله. ثم تكلم أبو الأسود -وهو هاشم بن عمير بن ربيعة أحد بني عامر بن لؤي- فقال: أمّا أنا، فأرى أن تحملوا محمدًا على بعير، ثم تُخْرِجوه من أرضكم، فيذهب حيث شاء، ويليه غيركم. فقالوا: نِعْمَ الرَّأْيُ رَأَيْت. فقال إبليس: بِئْسَ الرَّأْيُ رأيتم، تعمدون إلى رجل أفسد جماعتكم، واتَّبَعَتْه منكم طائفة، فتخرجونه إلى غيركم، فيأتيهم فيفسدهم كما أفسدكم، يوشك والله أن يميل بهم عليكم. قالوا: صدق والله. ثم تكلم أبو جهل، فقال: أمّا أنا فأرى من الرَّأْيِ أن تأخذوا من كل بطنٍ من قريش رجلًا، ثم تُعْطُوا كلَّ رجل منهم سيفًا، فيأتونه فيضربونه جميعًا، فلا يدري قومُه مَن يَأْخُذُون به، وتُودِي قريش دِيَتَه. فقال إبليس: صدق والله هذا الشاب؛ إن الأمر لكَما قال. فاتَّفَقُوا على ذلك، فنزل جبريل على النبي ﷺ فأخبره، وأمره بالخروج، فخرج من ليلته إلى المدينة، فدخل الغار. قال الله: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾١
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وذلك أن نفرًا من قريش؛ منهم أبو جهل بن هشام، وعُتْبَة بن ربيعة، وهشام بن عمرو، وأبو البَخْتَرِيِّ بن هشام، وأُمَيَّة بن خلف، وعُقْبَة بن أبى مُعَيْط، وعُيَيْنَة بن حِصْن الفزاري، والوليد بن المغيرة، والنَّضْر بن الحارث، وأُبَيّ بن خلف، اجتمعوا في دار الندوة بمكة [يومًا] -وهو يوم السبت-؛ ليمكروا بالنبي ﷺ، فأتاهم إبليس في صورة رجل شيخ كبير، فجلس معهم. فقالوا: ما أدْخَلَك في جماعتنا بغير إذننا؟ قال: إنَّما أنا رجل من أهل نجد، ولست من أهل تهامة، قدمت مكة، فرأيتكم حسنة وجوهكم، طيّبة ريحكم، نَقِيَّة ثيابكم، فأحببت أن أسمع من حديثكم، وأستر عليكم، فإن كرهتم مجلسي خرجت من عندكم. فقالوا: هذا رجل من أهل نجد، وليس من أهل تهامة؛ فلا بأس عليكم منه، فتَعَمَّلوا بالمكر بمحمد. فقال أبو البَخْتَرِيِّ بن هشام من بني أسد بن عبد العُزّى: أما أنا فرأيي أن تأخذوا محمدًا فتجعلوه في بيت، وتَسُدُّوا بابَه، وتَدَعُوا له كُوَّة يُدْخَل منها طعامه وشرابه حتى يموت. قال إبليس: بِئْسَ والله الرأَّيُ رأيتم، تعمدون إلى رجل له فيكم صَغْوٌ قد سمع به من حولكم فتحبسونه، فتطعمونه وتسقونه، فيوشك الصَّغْوُ الذي له فيكم أن يقاتلكم عليه، فيفسد جماعتكم، ويسفك دماءكم. فقالوا: صدق والله الشيخ. فقال هشام بن عمرو من بني عامر بن لُؤَيّ: أمّا أنا فرأيي أن تحملوا محمدًا على بعير، فيُخْرَج من أرضكم، فيَذْهَب حيث شاء، ٣ويليه غيرُكم. قال إبليس: بِئْسَ والله الرأيُ رأيتم، تعمدون إلى رجل قد شَتَّت وأفسد جماعتكم، واتَّبعه منكم طائفة، فتُخرجوه إلى غيركم، فيفسدهم كما أفسدكم، فيوشك والله أن يُقْبِل بهم عليكم، ويتولى الصَّغْوُ الذي له فيكم. قالوا: صدق والله الشيخ. فقال أبو جهل بن هشام المخزومي: أما أنا فرأيي أن تعمدوا إلى كل بطن من قريش، فتأخذوا من كل بَطْن رجلًا، ثم تُعْطُوا كلَّ رجل منهم سيفًا، فيضربونه جميعًا بأسيافهم، فلا يدري قومُه من يأخذون به، وتُؤَدِّي قريشٌ دِيَتَه. قال إبليس: صدق والله الشاب، إن الأمر لَكَما قال. فتَفَرَّقوا على قول أبي جهل، فنزل جبريل عليه السلام، فأخبره بما ائتمر به القوم، وأمره بالخروج، فخرج النبي ﷺ من ليلته إلى الغار، وأنزل الله عز وجل: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾١
١٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾ إلى آخر الآية، قال: اجْتَمَعوا، فتَشاوَرُوا في رسول الله ﷺ، فقالوا: اقتلوا هذا الرجل. فقال بعضهم: لا يقتله رجل إلا قُتِل به. قالوا: خذوه فاسجنوه، واجعلوا عليه حديدًا. قالوا: فلا يدعكم أهلُ بيته. قالوا: أخْرِجُوه. قالوا: إذًا يَسْتَغْوِي الناسَ عليكم. قال: وإبليس معهم في صورة رجلٍ من أهل نجد، واجتمع رأيُهم أنّه إذا جاء يطوف البيت ويستلم أن يجتمعوا عليه فَيَغُمُّوهُ١ ويقتلوه، فإنه لا يدري أهلُه مَن قتله، فيرضون بالعَقْل، فنقتله ونستريح ونَعْقِله. فلَمّا أن جاء يطوف بالبيت اجتمعوا عليه، فَغَمَّوهُ، فأتى أبو بكر، فقيل له ذاك، فأتى فلم يجد مدخلًا، فلَمّا أن لم يجد مدخلًا قال: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ [غافر:٢٨]؟ قال: ثم فَرَّجَها اللهُ عنه، فلَمّا أن كان الليل أتاه جبريل عليه السلام، فقال: مَن أصحابُك؟ فقال: فلان، وفلان، وفلان. فقال: لا، نحن أعلم بهم منك يا محمد، هو ناموس ليل. قال: وأُخِذَ أولئك من مضاجعهم وهم نيام، فأُتِي بهم النبي ﷺ، فقَدِم أحدُهم إلى جبريل، فكَحَلَه، ثم أرسله، فقال: ما صورته، يا جبريل؟ قال: كُفِيتَه، يا نبي الله. ثم قدم آخر، فنَقَر فوق رأسه بِعَصًا نقرةً، ثم أرسله، فقال: ما صورته، يا جبريل؟ فقال: كُفِيتَه يا نبي الله. ثم أُتِيَ بآخر، فنقر في ركبته، فقال: ما صورته، يا جبريل؟ قال: كُفِيتَه. ثم أُتِي بآخر، فسقاه مَذْقَةً٢، فقال: ما صورته، يا جبريل؟ قال: كُفِيتَه، يا نبي الله. وأُتِيَ بالخامس، فلما غَدا من بيته مَرَّ بنِبالٍ، فتَعَلَّق مِشْقَصٌ٣ برِدائِه فالتَوى، فقطع الأَكْحَلَ٤ مِن رجله، وأَمّا الذي كُحِّلَت عيناه فأصبح وقد عَمِي، وأما الذي سُقِي مَذْقَةً فأصبح وقد اسْتَسْقى بطنُه، وأما الذي نُقِرَ فوق رأسه فأخذته النَّقْرَة –والنَّقْرَة: قُرْحَة عظيمة-، أخذته في رأسه، وأما الذي طُعِن في رُكْبَتِه فأَصْبَح وقد أُقْعِد. فذلك قول الله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾٥
١٥
عن أنس بن مالك، قال: سُئل النَّبِيّ ﷺ عن الأيام؛ سُئِل عن يوم السبت، فقال: «هو يومُ مَكْر وخَدِيعة». قالوا: وكيف ذاك، يا رسول الله؟ قال: «فيه مَكَرتْ قريشٌ في دار الندوة، إذ قال الله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾»١
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق مِقْسَم- في قوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾، قال: تشاوَرَتْ قريش ليلةً بمكة، فقال بعضهم: إذا أصْبَح فأَثْبِتوه بالوَثاق. يريدون النبي ﷺ، وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخْرِجوه. فأَطْلَع اللهُ نبيَّه ﷺ على ذلك، فبات عليٌّ على فراش النبي ﷺ، وخرج النبي ﷺ حتى لَحِق بالغار، وبات المشركون يَحْرُسون عليًّا يحسبونه النبي ﷺ، فلمّا أصبحوا ثاروا إليه، فلما رَأَوْا عليًّا ردَّ الله مَكْرهم، فقالوا: أين صاحبُك هذا؟ قال: لا أدري. فاقْتَصُّوا أثَره، فلما بلَغوا الجبل اختلَط عليهم، فصَعِدوا في الجبل، فمرُّوا بالغار، فرأَوا على بابه نَسْج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نَسْجُ العنكبوت على بابه. فمكث فيه ثلاث ليال١
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد-: أنّ نفرًا من قريش ومن أشراف كلِّ قبيلة اجتمَعوا لِيَدْخلوا دار الندوة، واعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رَأَوْه قالوا: مَن أنت؟ قال: شيخٌ من أهل نَجْد، سمعتُ بما اجتمَعْتم له؛ فأرَدْتُ أن أحضُرَكم، ولن يَعْدَمَكم مِنِّي رَأْي ونصح. قالوا: أجل، فادخل. فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، فواللهِ، لَيُوشِكَنَّ أن يُواتِيَكم١ في أمركم بأمره. فقال قائل: احبِسوه في وثاق، ثم تَرَبَّصوا به المنون حتى يهلك كما هلك مَن كان قبله مِن الشعراء؛ زُهَيرٌ ونابِغَة، فإنما هو كأحدهم. فقال عدوُّ الله الشيخُ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأْي، والله لَيَخْرُجَنَّ رأْيُه مِن مَحْبِسِه لأصحابه، فلَيُوشِكَنَّ أن يَثِبوا عليه حتى يأخذوه مِن أيديكم، ثم يمنعوه منكم، فما آمَنُ عليكم أن يُخْرِجوكم مِن بلادكم، فانظروا في غير هذا الرَّأْي. فقال قائل منهم: فأخْرِجوه مِن بين أظهركم فاستريحوا منه، فإنه إذا خرج لم يضُرَّكم ما صَنَع وأين وقَع، وإذا غاب عنكم أذاهُ استرحتم منه، وكان أمره في غيركم. فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأْي، ألَمْ تَرَوْا حلاوة قوله، وطَلاقة لسانه، وأَخْذَه للقلوب بما يُستَمَعُ مِن حديثه، والله لئن فعلتم ثم اسْتَعْرَض العربَ لَتَجْتَمِعَنَّ إليه، ثم لَيَسِيرَنَّ إليكم حتى يُخْرِجَكم مِن بلادكم ويَقْتُلَ أشرافكم. قالوا: صدَق والله، فانظروا رَأْيًا غير هذا. فقال أبو جهل: والله، لَأُشِيرَنَّ عليكم برأيٍ أبْصَرْتُموه بعد، ما أرى غيرَه. قالوا: وما هذا؟ قال: نأخذ مِن كلِّ قبيلة غلامًا وسِيطًا٢ شابًّا نَهْدًا٣، ثم يُعْطى كلُّ غلام منهم سيفًا صارِمًا، ثم يضربونه، يعني: ضربةَ رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرَّق دمُه في القبائل كلِّها، فلا أظنُّ هذا الحيَّ من بني هاشم يَقْدِرون على حرب قريش كلِّهم، وإنّهم إذا رَأَوْا ذلك قَبِلوا العَقْلَ٤، واسترحنا وقطَعْنا عنّا أذاه. فقال الشيخ النَّجديُّ: هذا والله هو الرأي، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيرَه. فتفرَّقوا على ذلك وهم مُجْمِعُون له، فأتى جبريلُ رسولَ الله ﷺ، فأمَره ألّا يَبِيتَ في مَضْجعِه الذي كان يَبِيتُ فيه، وأخبره بمكر القوم، فلم يَبِتْ رسول الله ﷺ في بيته تلك الليلة، وأَذِن الله له عند ذلك في الخروج، وأمَرهم بالهجرة، وافترَض عليهم القتال، فأنزَل الله: ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ [الحج:٣٩]. فكانت هاتان الآيتان أولَ ما نزل في الحرب، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة يذكُرُ نعمتَه عليه: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ الآية٥