تفسير
١٤ قولًاعن كعب الأحبار -من طريق تبيع-: أنّ نوحًا عليه السلام لَمّا أُمِر أن يصنع الفلك قال: يا ربِّ، لستُ بنَجّار. قال: بلى، فإنّ ذلك بعَيني، فخُذ القادُوم. فجعَلَت يَدُه لا تُخطِئ، فجعَلوا يمُرُّون به ويقولون: هذا الذي يزعُم أنّه نبيٌّ قد صار نَجّارًا! فعَمِلها أربعين سنة١
عن كعب الأحبار: أنّ نوحًا عَمِل السفينة في ثلاثين سنة، ورُوِي: أنها كانت ثلاث طبقات؛ الطبقة السفلى للدواب والوحوش، والطبقة الوسطى فيها الإنس، والطبقة العليا فيها الطير، فلمّا كثرت أرْواثُ الدَّوابِّ أوحى اللهُ إلى نوح: أنِ اغمز ذَنَب الفيل، فغَمَزَه، فوَقَع منه خنزير وخنزيرة، فأَقْبَلا على الرَّوْث، فلمّا وقع الفأرُ بجوف السفينة فجعل يقرضها ويقرض حبالها؛ فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بين عيني الأسد، فضرب، فخرج مِن منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفأر١
عن مجاهد بن جبر -من طريق عبد الوهاب بن مجاهد- قال: مَكَثَ نوحٌ يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، يُسِرُّه إليهم، ثم يجهر به لهم، ثم أعلن -قال مجاهد: الإعلان: الصِّياح-، فجعلوا يأخُذونه فيخنقونه حتى يُغشى عليه فيسقط الأرض مغشيًّا عليه، ثم يُفيق، فيقول: اللَّهُمَّ، اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. فيقول الرجل منهم لأبيه: يا أبتِ، ما لهذا الشيخ يصيح كل يوم لا يَفْتُر؟ فيقول: أخبَرَني أبي عن جَدِّي أنه لم يزل على هذا منذ كان. فلمّا دعا على قومه أمره الله أن يصنع الفلك، فصنع السفينة، فعملها في ثلاث سنين، كلما مرَّ عليه مَلأٌ من قومه سخِروا منه، يَعجَبُون مِن نجارته السفينة، فلمّا فرغ منها جعل له ربُّه آية: إذا رأيت التنور قد فار فاجعل في السفينة مِن كل زوجين اثنين. وكان التَّنُّور -فيما بلغنا- في زاوية مِن مسجد الكوفة، فلمّا فار التنور جعل فيها كما أمره الله، قال: يا رب، كيف بالأسد والفيل؟ قال: سأُلقي عليهم الحُمّى، إنها ثقيلة. فحمل أهله وبنيه وبناته وكنائنه، ودعا ابنَه، فلمّا أبى عليه وفرغ مِن كل شيء يُدخله السفينة طبَّق السفينة الأخرى عليهم، ولولا ذلك لم يبق في السفينة شيءٌ إلا هلك؛ لِشِدَّة وقْعِ الماء حين يأتي من السماء، قال الله: ﴿ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمر﴾ [القمر:١١]. فكان قَدْرُ كُلِّ قطرةٍ مثلَ ما يجري من فَمِ القِرْبة، فلم يبق على ظهر الأرضِ شيءٌ إلّا هلك يومئذ، إلا ما في السفينة، ولم يدخل الحرم منه شيء١٢
عن زيد بن أسلم -من طريق مالك-: أنّ نوحًا عليه السلام مكث يغرس الشجر ويقطعُها ويَيبَسُها، ثم مائة سنة يعملُها١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويصنع الفلك﴾، يعني: يَعْمَل فيها١
عن خالد بن مهران -من طريق أم عبد الله بنت خالد- قال: يقال [للذين] يسخرون مِن الناس في الدُّنْيا: ادخلوا الجنة. فإذا أتوها رُدُّوا، وقيل لهم: سُخِر بكم كما كنتم تسخرون بالناس في الدنيا١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكلما مر عليه﴾ يعني: كُلَّما أتى عليه ﴿مَلَأٌ﴾ يعني: أشراف من قومه ﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾ حين يزعم أنّه يصنع بيتًا يسير على الماء، ولم يكونوا رَأَوْا سفينةً قط، قال لهم نوح: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ لِصُنعنا السفينة ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ إذا نزل بكم الغَرَق ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾١
قال يحيى بن سلّام، في قوله: ﴿قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون﴾: وكان الرجلُ مِن قومه يأخذ بيد ابنه، فيذهب به إلى نوحٍ، فيقول: أيْ بُنَيَّ، لا تُطِع هذا؛ فإنّ أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلُك، فقال: أيْ بُنَيَّ، لا تُطِع هذا١
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «كان نوح عليه السلام مَكَث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، حتى كان آخر زمانه غَرَس شجرةً، فعَظُمَت وذهبت كلَّ مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعملها سفينة، ويمُرُّون، فيسألونه، فيقول: أعْمَلُها سفينةً. فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البَرِّ، وكيف تجري؟ قال: سوف تعلمون. فلمّا فرغ منها، وفار التَّنُّورُ، وكثر الماء في السِّكَكِ؛ خشيت أم الصَّبِيِّ عليه، وكانت تُحِبُّه حُبًّا شديدًا، فخرجت إلى الجبل، حتى بلغت ثُلُثَه، فلمّا بلغها الماءُ خرجت حتى استوت على الجبل، فلمّا بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها حتى ذهب بها الماء، فلو رَحِم اللهُ منهم أحدًا لَرَحِم أمَّ الصبي»١
قال سلمان الفارسي -من طريق الضَّحّاك بن مُزاحِم-: عَمِل نوحٌ عليه السلام السفينةَ أربعمائة سنة، وأنبَت السّاجَ أربعين سنة، حتى كان طوله أربعمائة ذراع، والذِّراع إلى المنكب١
عن سعيد بن مينا، أنّ كعبًا قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبِرني عن أولِّ شجرة نَبَتَتْ على الأرض. قال عبد الله: الساَّج، وهي التي عمِل منها نوح السفينة، فقال كعب: صَدَقْتَ١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضَّحّاك-: أنّ نوحًا لَمّا أُمِر أن يصنع الفلك قال: يا رب، وأين الخشب؟ قال: اغرس الشجر. فغرس السّاجَ عشرين سنة، وكفَّ عن الدعاء، وكفُّوا عن الاستهزاء، فلمّا أدرك الشجر أمره ربُّه فقطعها وجفَّفها، فقال: يا رب، كيف أتَّخِذُ هذا البيتَ؟ قال: اجعله على ثلاثة صور؛ رأسُه كرأس الديك، وجُؤْجُؤُه كجُؤْجُؤِ الطير، وذَنَبُه كذَنَبِ الدِّيك، واجعلها مُطْبَقَةً، واجعل لها أبوابًا في جنبها، وشُدَّها بدُسُر -يعني: مسامير الحديد-. وبعث الله جبريلَ، فعلَّمه صَنْعَة السفينة، فكانوا يَمُرُّون به ويسخرون منه، ويقولون: ألا ترون إلى هذا المجنون، يَتَّخِذُ بيتًا يسير به على الماء، وأين الماء؟! ويضحكون، وذلك قوله: ﴿وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه﴾. فجعل السفينةَ ستمائة ذراع طولها، وستين ذراعًا في الأرض، وعرضها ثلاثمائة ذراع وثلاثة وثلاثون، وأُمِر أن يَطْلِيَها بالقارِ، ولم يكن في الأرض قارٌ، ففجَّر اللهُ له عَيْنَ القارِ حيثُ تَنَحَّتِ السفينةُ تَغْلِي غَلَيانًا حتى طَلاها، فلمّا فرغ منها جعل لها ثلاثة أبوابٍ وأَطْبَقَها، فحمل فيها السباعَ والدَّوابَّ، فألقى الله على الأسدِ الحُمّى، وشغله بنفسه عن الدواب، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني، ثم أطبق عليها، وجعل ولد آدم أربعين رَجُلًا وأربعين امرأة في الباب الأعلى، ثم أطبق عليهم، وجعل الدُّرَّةَ١ معه في الباب الأعلى؛ لضعفها ألّا تَطَأَها الدوابُّ٢
قال عبد الله بن عباس: اتخذ نوح السفينة في سنتين، وكان طول السفينة ثلثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعًا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعًا، وكانت مِن خشب السّاج، وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفلِ الوحوشَ والسباعَ والهوامَّ، وفي البطن الأوسط الدوابَّ والأنعامَ، وركب هو ومَن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه مِن الزّاد١
عن عبد الله بن عباس -من طريق يوسف بن مهران- قال: قال الحواريُّون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلًا شَهِد السَّفِينَةَ، فحدَّثَنا عنها. فانطلق بهم حتى انتهى إلى كَثِيبٍ مِن تُراب، فأخذ كفًّا مِن ذلك التراب، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: اللهُ ورسوله أعلم. قال: هذا كَعبُ١ حامِ بن نوح. فضرب الكَثِيب بعصاه، قال: قُم بإذن الله. فإذا هو قائم يَنفُضُ التُّراب عن رأسه قد شاب، قال له عيسى عليه السلام: هكذا هلكتَ؟ قال: لا، مِتُّ وأنا شابٌّ، ولكنِّي ظننتُ أنّها الساعة؛ فمِن ثَمَّ شِبْتُ. قال: حدِّثنا عن سفينة نوح. قال: كان طولها ألفَ ذراع ومائتي ذراع، وعرضُها ستمائة ذراع، كانت ثلاث طبقات؛ فطبقة فيها الدوابُّ والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلمّا كثر أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح: أنِ اغمز ذنب الفيل. فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الرَّوْث، فلما وقَع الفأر بخرز السفينة يقرضه أوحى الله إلى نوح: أنِ أضرب بين عيني الأسد. فخرج مِن منخره سِنَّورٌ وسِنَّورةٌ٢، فأقبلا على الفأر. فقال له عيسى عليه السلام: كيف علم نوحٌ أنّ البلاد قد غرِقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جِيفَة، فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، ثم بعث الحمامة، فجاءت بورق زيتون بمنقارِها، وطينٍ برجليها، فعلم أنّ البلاد قد غرقت، فطوَّقها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أُنس وأمان، فمِن ثَمَّ تألف البيوت. فقالوا: يا روح الله، ألا ننطلق به إلى أهالينا فيجلس معنا ويُحَدِّثنا؟ قال: كيف يتبعكم مَن لا رِزق له؟ ثم قال له: عُدْ بإذن الله. فعاد ترابًا٣