سورة الإنفطار | الآية ٤

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﭝﭞﭟ

بلاغة القرآن
لفاصلة القرآنية: (د.فاضل السامرائي) المعنى هو الأساس وهو السيّد وسنضرب أمثلة ليتضح الكلام: ربنا سبحانه وتعالى قال في سورة التكوير (وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ (14)) في سورة الانفطار قال (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)) ما سبب التغيير مع أن الكلام في الآخرة؟ قال (وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) أي قُرِّبت وأُحضِرت، أزلف بمعنى قرّب (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) الشعراء) أي قرّبناهم. إذن الجنة أُحضِرت فكل نفس تعلم ماذا أحضرت لدخول الجنة؟ ما العمل الذي أحضرته والجنة أمامها؟ العمل الصالح فعلمت نفس ما أحضرت من عمل، الجنة أُحضرت فأنت ماذا أحضرت لهذه الجنة؟ وكل واحد يقول أنا ماذا أحضرت لدخول الجنة. تلك (إذا القبور بعثرت) الكلام قبل الحساب وفي الآية الأولى بعد الحساب أحضرت الجنة أما هنا (إذا القبور بعثرت) ففي أول المشهد قبل الحساب إذن كل إنسان سيحاسب نفسه ما قدمت وأخرت ماذا فعلت؟ ماذا قدّمت وماذا أخرّت من الأفعال؟ فالموقف غير موقف لما كان في إحضار الجنة صار هناك إحضار العمل .
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
*ما الفرق بين استخدام الأجداث و القبور في القرآن الكريم ؟(د.فاضل السامرائي) الاستعمال في القرآن استعمال دقيق وغريب. الجَدَث الذي هو القبر هو مفرد أجداث، الجدث هو قريب من لفظ (الجَدَثة) هو صوت الحافر والخُفّ، حافر الفرس والخف صوت قدم البعير وغيره على الأرض وصوت مضغ اللحم أيضاً. ليست بينهما إلا التاء (جدث وجدثة) الجدثة صوت الحافر أو الخف أو مضغ اللحم. ربنا سبحانه وتعالى لم يستعمل الأجداث إلا عندما يخرجون من القبر سراعاً (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (7) مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) القمر) (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) المعارج) (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) يس) ينسلون يعني يسرعون، نسل يعني أسرع. لم يستعمل لفظ الأجداث إلا في خروجهم مسرعين وهذا يشبه صوت الخُف وصوت الحافر عند العدو عند الركض، لما يخرجون مثل صوت الفرس لما تركض أو صوت الخف. لم يستعمل لفظ الأجداث إلا في هذه الحالة. وهنالك أمر آخر الجَدَثة هو مضغ اللحم يخرجون وقد مضغتهم الأرض حقيقة. يخرجون مسرعين وقد مضغتهم الأرض لم يبق منهم شيء. لم يستعمل القبر في هذا مطلقاً وإنما يستعملها في حال السكون والهمود في كل القرآن (كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13) الممتحنة) (وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ (22) فاطر) (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) الانفطار) كما تقول بعثرت الصناديق، بعثرت الحاجات، لم يذكر الخروج منها، (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) العاديات) صندوق تبعثر والحاجات خرجت، أما الأجداث فهي الخروج من الأجداث سراعاً. فاستعمل القبور في حالة الهمود والسكون والأجداث في حالة الإخراج والعدو والسرعة. مناسبة عجيبة بين حركة ودلالة الكلمة والمسرح اللغوي الذي تعبر عنه ، اختيار عجيب
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
﴿وَإِذَا ٱلۡقُبُورُ بُعۡثِرَتۡ﴾ * * * قال ههنا: ﴿وَإِذَا ٱلۡقُبُورُ بُعۡثِرَتۡ﴾. وقال في سورة بعدها، وهي سورة (العاديات): ﴿۞أَفَلَا يَعۡلَمُ إِذَا بُعۡثِرَ مَا فِي ٱلۡقُبُورِ٩﴾ [العاديات: 9]. فذكر في هذه السورة بعثرة القبور، وذكر فيما بعدها بعثرة ما فيها، وهو من تناسب وقوع الأحداث وتسلسلها، فالقبور تبعثر أولًا، ثم يبعثر ما فيها فيما بعد، ووضع التعبيران وضعًا فنيًا متناسقًا، فذكر بعثرة القبور في السورة المتقدمة، ووضع بعثرة ما فيها في سورة بعدها، وذلك نظير قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتۡ﴾ و ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتۡ﴾ كما أسلفنا. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 229: 230).
فاضل السامرائي