سياق القصة
١٠ أقوالعن أنسٍ، أنّ رسول الله ﷺ قال لِحَسّان: «هل قلتَ في أبي بكرٍ شيئًا؟». قال: نعم. قال: «قُلْ وأنا أسمعُ». فقال: وثاني اثنين في الغار المنيفِ وقد طاف العدوُّ به إذ صاعَدَ الجبلا وكان حِبَّ رسولِ الله قد علِموا مِن البرية لم يَعْدِلْ به رجلا فضحك رسولُ الله ﷺ حتى بدَت نواجِذُه، ثم قال: «صدقتَ، يا حسانُ، هو كما قلتَ»١
عن أنس بن مالك، قال: أقبل النَّبِيُّ ﷺ إلى المدينة وهو يُردِفُ أبا بكر، وهو شيخٌ يُعرَفُ، والنبيُّ ﷺ لا يُعرَفُ، فكانوا يقولون: يا أبا بكرٍ، مَن هذا الغلامُ بين يديك؟ فيقول: هادٍ يهديني السبيلَ. قال: فلمّا دَنَوْنا مِن المدينة نزلنا الحَرَّة، وبعث إلى الأنصار، فجاءوا، قال: فشهِدتُه يوم دخل المدينة، فما رأيتُ يومًا كان أحسن ولا أضوأَ من يومِ دخل علينا فيه، وشهدتُه يومَ مات فما رأيتُ يومًا كان أقبحَ ولا أظلمَ من يومِ مات فيه النبيُّ ﷺ١
عن البراء بن عازب، قال: اشترى أبو بكر مِن عازِبٍ رَحْلًا بثلاثةَ عشر درهمًا، فقال لعازب: مُرِ البراءَ فلْيحمِلْه إلى منزلي. فقال: لا، حتى تُحَدِّثَنا كيف صنَعتَ حيثُ خرج رسولُ الله ﷺ وأنتَ معه. فقال أبو بكر رضي الله عنه: خرَجنا، فأدْلَجْنا، فأحثَثْنا يومَنا وليلتَنا، حتى أظهَرْنا وقام قائِمُ الظهيرة، فضَرَبْتُ ببصري هل أرى ظِلًّا فآويَ إليه، فإذا أنا بصخرةٍ، فأَهْوَيْتُ إليها، فإذا بَقِيَّةُ ظِلِّها، فسوَّيتُه لرسول الله ﷺ، وفرَشتُ له فَرْوةً، وقلت: اضطَجِعْ، يا رسول الله. فاضطَجَع، ثم خرجتُ أنظُرُ هل أرى أحدًا مِن الطَّلَبِ١، فإذا أنا براعي غنم، فقلتُ: لِمَن أنتَ، يا غلامُ؟ فقال: لرجلٍ من قريش. فسمّاه، فعرَفتُه، فقلتُ: هل في غنمِك مِن لبنٍ؟ قال: نعم. قلتُ: وهل أنت حالِبٌ لي؟ قال: نعم. قال: فأمَرتُه، فاعتَقَل شاةً منها، ثم أمَرتُه، فنفَض ضَرْعَها مِن الغبار، ثم أمَرتُه، فنفَض كَفَّيه من الغبار، ومعي إداوةٌ٢ على فمِها خِرْقةٌ، فحلَب لي كُثْبَةً من اللبن، فصَبَبْتُ على القَدَحِ حتى بَرَد أسفلُه، ثم أتَيتُ رسولَ الله ﷺ، فوافَقْتُه قد استيقظ، فقلتُ: اشرَبْ، يا رسولَ الله. فشَرِب حتى رَضِيتُ، ثم قلتُ: هل أنى٣ للرحيل؟ قال: فارتحَلْنا، والقومُ يطلُبونا، فلم يُدرِكنا منهم إلا سُراقةُ على فرسٍ له، فقلتُ: يا رسولَ الله، هذا الطلَبُ قد لحقنا. فقال: «لا تحزن؛ إن الله معنا». حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه قدرُ رُمحٍ أو رُمحين أو ثلاثة، فقلت: يا رسول الله، هذا الطلَبُ قد لحقنا. وبكيت، قال: «لِمَ تبكي؟». قلتُ: أما -واللهِ- ما أبكي على نفسي، ولكني أبكي عليك. فدعا رسولُ الله ﷺ، وقال: «اللَّهُمَّ، اكفِناه بما شئتَ». فساخَتْ فرسُه إلى بطنِها في أرضٍ صَلْدٍ، ووثَب عنها، وقال: يا محمدُ، إنّ هذا عملُك، فادعُ اللهَ أن يُنَجِّيَني مما أنا فيه، فواللهِ، لَأُعَمِّيَنَّ على مَن ورائي مِن الطلَبِ، وهذه كِنانتي فخذْ منها سهمًا، فإنّك ستمرُّ بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا، فخُذْ منها حاجتك. فقال رسول الله ﷺ: «لا حاجة لي فيها». ودعا له رسولُ الله ﷺ، فأُطلِقَ ورجع إلى أصحابه، ومضى رسولُ الله ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة، فتلقّاه الناسُ، فخرجوا على الطرق وعلى الأجاجِير٤، واشتدَّ الخدمُ والصبيانُ في الطرق: اللهُ أكبرُ، جاء رسولُ الله ﷺ، جاء محمدٌ. وتنازع القومُ أيُّهم يَنزِلُ عليه، فقال رسول الله ﷺ: «أنزِلُ الليلةَ على بني النجار أخوالِ عبد المطلب؛ لِأُكرِمَهم بذلك». فلما أصبَح غدا حيثُ أُمِر٥
عن سُراقةَ بن مالك، قال: خرجتُ أطلبُ النبيَّ ﷺ وأبا بكر، حتى إذا دنَوْتُ منهم عَثرَت بي فرسي، فقمتُ فركِبتُ، حتى إذا سمِعتُ قراءةَ رسولِ الله ﷺ وهو لا يلتفتُ، وأبو بكر يُكثِرُ التَّلَفُّتَ، ساخَتْ يدا فرسي في الأرض حتى بلَغَتا الركبتين، فخَررْتُ عنها، ثم زجرتُها، فنهَضَتْ، فلم تكد تُخرِجُ يديها، فلمّا استَوَتْ قائمةً إذا لأثرِ يديها عُثانٌ١ ساطِعٌ في السماءِ مثلُ الدخان، فنادَيتُهما بالأمان، فوقفا لي، ووقع في نفسي حين لَقِيت ما لَقِيت مِن الحبس عنهما أنّه سيَظهَرُ رسولُ الله ﷺ٢
عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا خرج رسولُ الله ﷺ من الليل، فلحِقَ بغار ثور، قال: وتَبِعه أبو بكر، فلمّا سمع رسولُ الله ﷺ حِسَّه خلفه خاف أن يكون الطَّلَبَ، فلمّا رأى ذلك أبو بكر تنحنح، فلمّا سمع ذلك رسولُ الله ﷺ عرفه، فقام له حتى تَبِعه، فأتيا الغار، فأصبحت قريشٌ في طلبه، فبعثوا إلى رجلٍ من قافَة بني مُدْلِجٍ، فتَبِع الأثرَ حتى انتهى إلى الغار وعلى بابه شجرةٌ، فبال في أصلها القائِفُ، ثم قال: ما جازَ صاحبُكم الذي تطلبون هذا المكان. قال: فعند ذلك حزِن أبو بكر، فقال له رسول الله ﷺ: «لا تحزن؛ إنّ الله معنا». قال: فمكث هو وأبو بكر في الغار ثلاثةَ أيام، يختلِفُ إليهم بالطعام عامِرُ بن فُهَيرة، وعَلِيٌّ يُجَهِّزُهم، فاشتروا ثلاثةَ أباعرَ مِن إبل البحرين، واستأجر لهم دليلًا، فلمّا كان في بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم عليٌّ بالإبل والدليل، فركب رسولُ الله ﷺ راحلةً، وركب أبو بكرٍ أخرى، وركب الدليلُ أخرى، فتوجَّهوا نحوَ المدينة وقد بعَثَت قريشٌ في طلبه١
عن ابن عباس، وعليّ، وعائشة بنت أبي بكر، وعائشة بنت قدامة، وسُراقة بن جُعْشُم، دخل حديثُ بعضهم في بعض، قالوا: خرج رسولٌ الله ﷺ والقومُ جلوسٌ على بابه، فأخذ حَفْنَةً مِن البطحاء، فجعل يذُرُّها على رءوسهم، ويتلو: ﴿يس، والقرآن الحكيم﴾ الآيات. ومضى، فقال لهم قائلٌ: ما تنتظِرون؟ قالوا: محمدًا. قال: قد -واللهِ- مرَّ بكم. قالوا: واللهِ، ما أبصَرْناه. وقاموا يَنفُضون الترابَ عن رءوسهم، وخرج رسولُ الله ﷺ وأبو بكر إلى غار ثور، فدخلاه، وضرَبَتِ العنكبوتُ على بابه بعِشاشٍ بعضُها على بعض، وطلَبَته قريشٌ أشدَّ الطلبِ حتى انتهت إلى باب الغار، فقال بعضهم: إنّ عليه لَعنكبوتًا قبلَ ميلاد محمدٍ. فانصرفوا١
عن ضبَّة بن مِحْصَنٍ العَنَزِيِّ، قال: قلتُ لعمر بن الخطاب: أنت خيرٌ مِن أبي بكر؟ فبكى، وقال: واللهِ، لَلَيْلةٌ مِن أبي بكر ويومٌ خيرٌ مِن عُمُرِ عُمَرَ، هل لك أن أُحَدِّثَك بليلتِه ويومِه؟ قال: قلتُ: نعم، يا أميرَ المؤمنين. قال: أمّا ليلتُه فلمّا خرج رسولُ الله ﷺ هاربًا مِن أهل مكةَ خرج ليلًا، فتبِعه أبو بكر، فجعل يمشي مَرَّةً أمامَه، ومرَّةً خلفَه، ومرَّةً عن يمينِه، ومرَّةً عن يساره. فقال له رسول الله ﷺ: «ما هذا، يا أبا بكر؟ ما أعرفُ هذا مِن فعلِك!». قال: يا رسولَ الله، أذكرُ الرَّصَدَ فأكونُ أمامك، وأذكرُ الطَّلَبَ فأكونُ خلفَك، ومرَّةً عن يمينك، ومرةً عن يسارك، لا آمَنُ عليك. فمشى رسولُ الله ﷺ ليلته على أطرافِ أصابعه حتى حَفِيت رجلاه، فلمّا رآه أبو بكر أنها قد حَفِيت حمَله على كاهِلِه، وجعل يشتدُّ به حتى أتى به فمَ الغار، فأنزله، ثم قال: والَّذي بعثك بالحقِّ، لا تدْخُلْه حتى أدْخُلَه، فإن كان فيه شيءٌ نزل بي قبلك. فدخل، فلم يرَ شيئًا، فحمله فأدخَله، وكان في الغار خَرْقٌ فيه حيّاتٌ وأفاعي، فخَشِي أبو بكرٍ أن يَخْرُجَ مِنهُنَّ شيءٌ يُؤْذِي رسولَ الله ﷺ، فألقَمه قدمَه، فجعلن يَضْرِبْنَه ويَلْسَعْنَه؛ الحياتُ و الأفاعي، وجعلت دموعُه تَنْحَدِرُ، ورسولُ الله ﷺ يقول له: «يا أبا بكر، لا تحزن؛ إنّ الله معنا». فأنزل الله سكينته -أي: طمأنينته- لأبي بكر. فهذه ليلتُه. وأَمّا يومُه فلمّا تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ، وارتَدَّتِ العربُ، فقال بعضُهم: نُصَلِّي ولا نُزَكِّي. وقال بعضُهم: لا نُصَلِّي ولا نُزَكِّي. فأتيتُه ولا آلُوه نُصْحًا، فقلتُ: يا خليفة رسول الله، تَألَّفِ الناسَ، وارْفُقْ بهم. فقال: جبّارٌ في الجاهلية خوّارٌ في الإسلام؟! بماذا أتألَّفُهم؛ أبشِعرٍ مفتعَلٍ، أو بشِعرٍ مفتَرى؟! قُبِض رسولُ الله ﷺ، وارتفع الوحي، فواللهِ، لو منعوني عِقالًا مما كانوا يُعْطُون رسولَ الله ﷺ لقاتَلتُهم عليه. قال: فقاتلنا معه، فكان -واللهِ- رشيدَ الأمر. فهذا يومُه١
عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: لم أعْقِلْ أبوَيَّ قَطُّ إلا وهما يَدينان الدينَ، ولم يمرَّ علينا يومٌ إلا يأتينا فيه رسولُ الله ﷺ طرفَي النهار؛ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، ولَمّا ابْتُلِي المسلمون خرج أبو بكر مُهاجِرًا قِبَلَ أرضِ الحبشة، حتى إذا بلَغ بَرْكَ الغِمادِ لَقِيَه ابن الدَّغِنَةِ، وهو سَيِّدُ القارَةِ١، فقال ابن الدَّغِنَةِ: أين تريدُ، يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأُريدُ أن أسيحَ في الأرضِ أعبُدُ ربِّي. قال ابن الدَّغِنَةِ: فإنّ مثلَك -يا أبا بكرٍ- لا يَخْرُجُ ولا يُخْرَجُ؛ إنّك تَكْسِبُ٢ المعدومَ، وتَصِلُ الرحمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضيفَ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ، فأنا لك جارٌ، فارْجِعْ فاعبُدْ ربّك ببلدك. فارْتَحَل ابن الدَّغِنَةِ، فرجع مع أبي بكر، فطاف ابن الدَّغِنَةِ في كفار قريش، فقال: لا يَخْرُجُ مثلُه ولا يُخْرَجُ، أتُخْرِجون رجلًا يَكسِبُ المعدومَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَحْمِلُ الكَلَّ، ويَقْرِي الضيفَ، ويُعينُ على نَوائبِ الحقِّ؟! فأنْفَذَت قريشٌ جوارَ ابن الدَّغِنَةِ، وأمَّنوا أبا بكرٍ، وقالوا لابن الدَّغِنَةِ: مُرْ أبا بكرٍ فلْيَعْبُدْ ربَّه في داره، ولْيُصَلِّ فيها ما شاء، ولْيَقْرَأ ما شاء، ولا يُؤْذِينا، ولا يَسْتَعلِن بالصلاة والقراءة في غير داره. ففعل، ثم بدا لأبي بكر فابْتَنى مسجدًا بفناء داره، فكان يُصَلِّي فيه ويَقْرَأُ، فَيَتَقَصَّفُ٣ عليه نساءُ المشركين وأبناؤهم يَعْجَبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكّاءً لا يَمْلِكُ دمعَه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشرافَ قريش، فأرسلوا إلى ابن الدَّغِنَةِ، فقدِم عليهم، فقالوا: إنما أجَرنا أبا بكر على أن يَعْبُدَ ربَّه في داره، وإنّه جاوز ذلك، فابْتَنى مسجدًا بفناء داره، وأعْلَن الصلاةَ والقراءةَ، وإنّا خشِينا أن يَفْتِنَ نساءَنا وأبناءَنا، فإن أحبَّ أن يَقْتَصِرَ على أن يعبُدَ ربَّه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يُعْلِنَ ذلك فسَلْهُ أن يَرُدَّ إليك ذِمَّتَك، فإنّا قد كرِهنا أن نُخْفِرَك، ولسنا مُقِرِّين لأبي بكر الاسْتِعلانَ. فأتى ابنُ الدَّغِنَة أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، قد علمِتَ الذي عَقَدْتُ لك عليه، فإمّا أن تقتصِر على ذلك، وإما أن تَرُدَّ إلَيَّ ذِمَّتي، فإنِّي لا أُحِبُّ أن تَسْمَعَ العربُ أنِّي أُخْفِرتُ في عقدِ رجلٍ عقَدتُ له. فقال أبو بكر: فإنِّي أرُدُّ إليك جِوارَك، وأرْضى بجوار الله ورسوله. ورسولُ الله ﷺ يومئذٍ بمكة، قال رسول لله ﷺ للمسلمين: «قد أُريتُ دارَ هِجْرَتِكم، أُرِيتُ سبَخةً ذاتَ نخلٍ بين لابَتَين، وهما حَرَّتان». فهاجر مَن هاجر قِبَلَ المدينة حين ذَكَر ذلك رسولُ الله ﷺ، ورجع إلى المدينة بعضُ مَن كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين، وتجهَّز أبو بكر مُهاجِرًا، فقال له رسول الله ﷺ: «على رِسْلِك؛ فإنِّي أرْجُو أن يُؤذَنَ لي». فقال أبو بكر: وترجو ذلك، بأبي أنت؟! قال: «نعم». فحَبَس أبو بكر نفسَه على رسول الله ﷺ لصحبته، وعلَف راحلتين كانتا عنده ورقَ السَّمُرِ أربعةَ أشهر، فبينما نحن جلوسٌ في بيتنا في نَحْرِ الظهيرة قال قائِلٌ لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ مُقْبِلًا في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فِداه أبي وأمي، إن جاء به في هذه الساعة إلّا أمرٌ. فجاء رسولُ الله ﷺ، فاستأذن، فأُذِن له، فدخل، فقال رسول الله ﷺ حين دخل لأبي بكر: «أخرِجْ مَن عندَك». فقال أبو بكر: إنّما هم أهلُك، بأبي أنتَ يا رسولَ الله. فقال رسول الله ﷺ: «فإنّه قد أُذِن لي بالخروج». فقال أبو بكر: فالصَّحابةَ بأبي أنت يا رسولَ الله. فقال رسول الله ﷺ: «نعم». فقال أبو بكر: فخُذْ -بأبي أنت يا رسولَ الله- إحدى راحِلَتَيَّ هاتين. فقال رسول اللهﷺ: «بالثمَن». قالت عائشة: فجهَّزْناهما أحَثَّ الجهاز، فصنعنا لهما سُفْرةً في جرابٍ، فقطَعَتْ أسماءُ بنت أبي بكر من نِطاقِها، فأوكَتْ به الجرابَ؛ فلذلك كانت تسمّى: ذاتَ النِّطاق، ولحق رسولُ الله ﷺ وأبو بكر بغارٍ في جبلٍ يُقال له: ثَوْرٌ. فمكثا فيه ثلاثَ ليالٍ، يبيتُ عندهما عبدُ الله بن أبي بكر وهو غلامٌ شابٌّ لَقِنٌ٤ ثَقِفٌ٥، فيخرُجُ من عندهما سَحَرًا، فيصبحُ مع قريشٍ بمكة كبائتٍ، فلا يَسمَعُ أمرًا يُكادانِ به إلا وعاه، حتى يأتيَهما بخبر ذلك حين يختلطُ الظلامُ، ويرعى عليهما عامرُ بن فُهَيرةَ -مولًى لأبي بكر- مَنِيحةً مِن غنمٍ، فيُريحُها عليهما حين يذهبُ بغَلَسٍ ساعةً من الليل، فيبيتان في رِسلِهما حتى يَنعِقَ بها عامرُ بن فهيرة بغلَسٍ، يفعلُ ذلك كلَّ ليلةٍ من تلك الليالي الثلاث، واستأجَر رسولُ الله ﷺ رجلًا من بني الدِّيل ثم مِن بني عبد بن عديٍّ هاديًا خِرِّيتًا -والِخرِّيتُ: الماهرُ بالهداية-، قد غَمَس يمين حِلْفٍ في آل العاصي بن وائل، وهو على دين كفار قريش، فأمِناه، فدفعا إليه راحِلَتَيْهما، وواعَداه غارَ ثورٍ بعدَ ثلاثِ ليالٍ، فأتاهما براحلتيهما صبيحةَ ثلاثِ ليالٍ، فارتحَلا، فانطلق معهما عامرُ بن فُهيرةَ مولى أبي بكر، والدليلُ الدِّيليُّ، فأخذ بهم طريقَ أذاخِرَ، وهو طريقُ الساحل٦
قال الزهري: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المُدلِجيُّ -وهو ابن أخي سُراقةَ بن جُعْشُمٍ-، أنّ أباه أخبره، أنّه سمِع سُراقةَ يقول: جاءتنا رسلُ كُفّار قريش، يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ دِيَة كلِّ واحدٍ منهما لِمَن قتلهما أو أسرهما، فبينا أنا جالسٌ في مجلسٍ مِن مجالس قومي بني مُدلجٍ أقْبَل رجلٌ منهم حتى قام علينا، فقال: يا سُراقةُ، إنِّي رأيتُ آنفًا أسْوِدَةً١ بالساحل، لا أُراها إلا محمدًا وأصحابه. قال سُراقة: فعرفتُ أنّهم هم. فقلتُ: إنّهم ليسوا بهم، ولكن رأيتُ فلانًا وفلانًا انطلقوا آنِفًا. ثم لبِثتُ في المجلس حتى قمتُ فدخلتُ بيتي، وأمَرتُ جاريتي أن تُخرِجَ لي فرسي، وهي من وراءِ أكَمَةٍ، فتحبِسَها عَلَيَّ، وأخذتُ رُمْحي، فخرجتُ به من ظَهْر البيت، فخطَطْتُ برمحي الأرض، وخفَضْتُ عاليةَ الرمح حتى أتَيتُ فرسي، فركِبتُها، فدفَعتُها وتُقَرِّبُ بي٢، حتى رأيتُ أسوِدَتَهما، فلما دنَوتُ منهم حيثُ يُسمِعُهم الصوتُ عثَرَت بي فرسي، فَخرَرْتُ عنها، فقمتُ، فأهْوَيتُ بيدي إلى كِنانتي، فاستخرَجتُ منها الأزلامَ، فاستقسَمتُ بها: أضُرُّهم أم لا؟ فخرَج الذي أكرهُ؛ أَّلا أضُرَّهم، فركِبتُ فرسي، وعصَيتُ الأزلامَ، فدفَعتُها تُقَرِّبُ بي، حتى إذا سمِعتُ قراءةَ رسول الله ﷺ -وهو لا يلتفِتُ، وأبو بكر يُكثِرُ الالتفات- ساخَتْ يدا فرسي في الأرض حتى بَلَغَت الرُّكْبَتَين، فخرَرْتُ عنها، فزجَرتُها، فنَهَضَتْ، فلم تكد تخرُجُ يداها، فلمّا استَوَتْ قائمةً إذا لأثرِ يديْها عُثانٌ ساطِعٌ في السماء من الدُّخان، فاستَقْسَمتُ بالأزلام، فخرج الذي أكرهُ؛ ألّا أضُرَّهم، فنادَيتُهم بالأمان، فوقفا، وركِبتُ فرسي حتى جئتُهم، ووقع في نفسي حين لقيتُ ما لقيتُ مِن الحبس عنهم أنّه سيَظهَرُ أمرُ رسول الله ﷺ، فقلت له: إنّ قومك قد جعلوا فيك الدِّيَة. وأخبرتهم مِن أخبار سفرهم، وما يُريدُ الناسُ بهم، وعرضتُ عليهم الزّادَ والمتاعَ، فلم يَرْزَءُوني شيئًا، ولم يسألوني إلا أن: أخْفِ عنّا. فسألتُه أن يكتُبَ لي كتابًا مُوادَعةً آمَنُ به، فأمر عامرَ بن فُهَيرة فكتب لي في رُقعةٍ من أديم، ثم مضى٣. قال الزهري: وأخبرني عروة بن الزبير: أنّه٤ لَقِيَ الزبيرَ ورَكْبًا من المسلمين، كانوا تجارًا بالشام قافلين إلى مكة، فعرَّضوا النَّبِيَّ ﷺ وأبا بكرٍ بثيابٍ بياضٍ٥، وسمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله ﷺ، فكانوا يَغْدُون كُلَّ غداةٍ إلى الحَرَّة، فينتظرونه حتى يؤذيَهم حَرُّ الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظاره، فلما أوَوْا إلى بيوتهم أوفى رجلٌ من يهودَ أُطُمًا٦ من آطامهم لأمرٍ ينظر إليه، فبَصُرَ برسول الله ﷺ وأصحابه مُبَيَّضينَ، يزول بهم السرابُ، فلم يتناهى اليهوديُّ أن نادى بأعلى صوته: يا معشرَ العرب، هذا جَدُّكُم٧ الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقَّوا رسولَ الله ﷺ حتى أتَوه بظَهرِ الحرَّة، فعدل بهم ذاتَ اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف بقُباء، وذلك يوم الاثنين من شهرِ ربيعٍ الأول، فقام رسولُ الله ﷺ وأبو بكر يُذَكِّرُ الناسَ، وجلس رسولُ الله ﷺ صامتًا، وطَفِق مَن جاء مِن الأنصار مِمَّن لم يكن رأى رسولَ الله ﷺ يحسَبُه أبا بكرٍ، حتى أصابت رسولَ الله ﷺ الشمسُ، فأقبل أبو بكر حتى ظلَّل عليه برادئه، فعرف الناسُ رسولَ الله ﷺ عند ذلك، فلَبِث رسولُ الله ﷺ في بني عمرو بن عوفٍ بضعَ عشْرةَ ليلةً، وابتَنى المسجدَ الذي أُسِّسَ على التقوى، وصلّى فيه، ثم ركب رسولُ الله ﷺراحلته، فسار ومشى الناسُ، حتى بَرَكتْ به عند مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وهو يُصلِّي فيه يومئذٍ رجالٌ مِن المسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمر لسهلٍ وسُهَيلٍ -غلامين يتمين أخوين في حَجْرِ أبي أُمامة أسعدَ بن زُرارة من بني النجار- فقال رسول الله ﷺ حين بَرَكَتْ به راحلتُه: «هذا المنزِلُ، إن شاء الله». ثم دعا رسولُ الله ﷺ الغلامين، فساوَمَهما بالمِرْبَدِ يتَّخِذُه مسجدًا، فقالا: لا، بل نهَبُه لك، يا رسول الله. فأبى النَّبِيُّ ﷺ أن يقبَلَه منهما حتى ابتاعه منهما، وبناه مسجدًا، وطفِق رسولُ الله ﷺ ينقل معهم اللَّبن في بنائه، وهو يقول: هذا الحِمالُ لا حِمالُ خيبر هذا أبرُّ ربَّنا وأطهَـرْ اللهمَّ إن الأجرَ أجرُ الآخره فارحم الأنصارَ والمهاجِره ويتمثَّلُ رسول الله ﷺ بشعرِ رجلٍ من المسلمين لم يُسَمَّ لي. قال ابن شهاب: ولم يبلُغْني في الأحاديث أنّ النَّبِيَّ ﷺ تمثَّل ببيتٍ من شعرٍ تامًّا غيرَ هؤلاء الأبيات، ولكنْ يَرجُزُهم لبناء المسجد، فلمّا قاتل رسولُ الله ﷺ كفار قريش حالَتِ الحربُ بين مهاجري أرض الحبشة وبين القدوم على رسول الله ﷺ، حتى لَقُوه بالمدينة زَمَنَ الخندق، فكانت أسماءُ بنت عُمَيسٍ تُحَدِّثُ: أنّ عمرَ بن الخطاب كان يُعيِّرُهم بالمُكْث في أرض الحبشة، فذكرت ذلك أسماء لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «لستُم كذلك». وكانت أولَ آية أنزلت في القتال: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ حتى بلغ: ﴿لقوي عزيز﴾ [الحج:٣٩-٤٠]٨
عن أنس بن مالك، قال: لَمّا كان ليلةُ الغار قال أبو بكر: يا رسول الله، دعني فلَأدخُل قبلَك، فإن كانت حَيَّةٌ أو شيءٌ كانت بي قبلَك. قال: «ادْخُلْ». فدخل أبو بكرٍ، فجعل يلمِسُ بيديه، فكُلَّما رأى جُحرًا قال بثوبه فشقَّه، ثم ألقَمه الجُحْرَ، حتى فعل ذلك بثوبه أجمعَ، وبقِي جُحرٌ، فوضَع عليه عَقِبَه، وقال: ادْخُلْ، رسولَ الله. فلمّا أصبح قال له النبيُّ ﷺ: «فأين ثوبُك، يا أبا بكرٍ؟». فأخبرَه بالذي صنَع، فرفع النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْه، وقال: «اللَّهُمَّ، اجْعَلْ أبا بكرٍ معي في درجتي يومَ القيامة». فأوحى اللهُ إليه: أنّ الله قد استجاب لك١