عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق المنذر بن النعمان- يقول: إنّ نوحًا عليه السلام لَمّا ركب في السفينة فلمّا أتى الجودي -وهو جبل بالجزيرة- أرْسَت عليه، فأصاب جُؤْجُؤُها الجبلَ، فأَرْسَتْ، فكشفنا١ غطاءها، فطلعت الشمس، فبعث الغراب والحمامة يأتيانه بالخبر، فأتته الحمامة بمقدار مِن الماء إلى ركبتيها، فدعا لها. قال: فتلك الحمرة في رجليها مِن ذلك. قال: واحْتَبَسَ الغرابُ على جِيفَةٍ يأكل منها، ثُمَّ أخذ نوحٌ مِن قضبانٍ كان في السفينة مِن العِنَب، فأغرس، فنبت وأثمر ونضج من ساعته، فعصر منه، فشرب، ثم نام في الشمس، فتَكَشَّف، وأتيا سامٌ ويافِثٌ بشيءٍ يَسْتُرانِ عليه، وضحك حامٌ، ومَشَيا القَهْقَرى على أدبارهما، فانتبه نوح مِن نومه، فأُوحِي إليه ما كان مِن أمرهما، فدعا لسامٍ ويافث أن يكون النُّبُوَّة والعِزُّ في أولادهما، ودعا أن يكون السواد والعبودة في ولد حام٢
٢
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق إدريس- قال: لَمّا غرَّق الله قومَ نوح أوْحى إلى نوح: إنِّي خلقتُ خلقًا بيدي وأمرتهم بطاعتي فعصوني، واستأثروا غضبي، فعذَّبْتُ مَن لم يعصني مِن خلفي بذنب مَن عصاني، فبي حلفتُ -وأيُّ شيءٍ مثلي؟!-: لا أُعَذِّب بالغرقِ العامَّةَ بعد هذا، وإنِّي جعلتُ قوسي أمانًا لعبادي وبلادي مِن الغرق إلى يوم القيامة. وكانت القوس فيها سهم ووَتَر، فلمّا فرغ الله مِن هذا القول إلى نوحٍ نزع السهم والوتر مِن القوس، وجعلها أمانًا لعباده وبلاده مِن الغرق١
٣
عن عطاء -من طريق طلحة- قال: بلغني: أنّ الجبل تشامخ في السماء، إلا الجودي، فعرَف أنّ أمر الله سيُدرِكُه، فسكن. قال: وبلغني: أنّ الله تعالى اسْتَخْبَأَ أبا قُبَيْسٍ الركنَ الأسودَ١
٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- قال: رَكِب نوحٌ عليه السلام في السفينة في عَشَرَةٍ خَلَوْنَ مِن رجب، نزل عنها في عشر خَلَوْن مِن المُحَرَّم، فصام هو وأهلُه مِن الليل إلى الليل١
٥
قال قتادة بن دعامة: وبلغني: أنّ السفينة لَمّا أرادت أن تقِف تَطاوَلَتْ لها الجبالُ، كلُّ جبلٍ منها يُحِبُّ أن تقف عليه، وتواضع الجوديُّ، فجاءت حتى وقفت عليه، وأبقاها الله عز وجل عِبْرَةً وآيةً حتّى نَظَر إليها أوائلُ هذه الأُمَّة١
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: أبقاها الله بِباقِرْدى١ مِن أرض الجزيرة عبرةً وآيةً حتى رآها أوائلُ هذه الأمة، كم مِن سفينة قد كانت بعدها فهلكت!٢
٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق أبي جعفر الرازي- قال: هبط نوحٌ مِن السفينة يوم العاشر مِن المُحَرَّم، فقال لِمَن معه: مَن كان منكم اليوم صائمًا فلْيُتِمَّ صومَه، ومَن كان مُفطِرًا فلْيَصُم١
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِر لنا: أنّها -يعني: الفلك- اسْتَقَلَّت بهم في عشر خَلَوْنَ مِن رجب، وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، واستقرت على الجوديِّ شهرًا، وأهبط بهم في عشر مِن المحرم يوم عاشوراء١
٩
قال قتادة بن دعامة -من طريق معمر-: وذُكِر لنا: أنّ نوحا عليه السلام بعث الغراب لينظر إلى الماء، فوجد جِيفَة، فوَقَع عليها، فبعث إليه الحمامة، فأتته بورق زيتون، فأُعْطِيَت الطَّوْق الذي في عُنُقِها، وخضابَ رِجْلَيْها١
١٠
عن محمد بن قيس -من طريق أبي معشر- قال: ما كان في زمن نوح شِبْرٌ مِن الأرض إلا إنسان يَدَّعيه١
١١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- قال: كانت السفينة أعلاها للطير، ووسطها للناس، وفي أسفلها السِّباع، وكان طولها في السماء ثلاثين ذِراعًا، دفعت مِن عين وردة يوم الجمعة لعشرِ ليالٍ مَضَيْنَ مِن رجب، وأَرْسَتْ على الجُودِيِّ يوم عاشوراء، ومرَّت بالبيت فطافت به سبعًا وقد رفعه الله مِن الغرق، ثم جاءت اليمن، ثم رجعت١
١٢
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال:... كان استواء الفُلْكِ على الجُودِيِّ -فيما يزعم أهل التوراة- في الشهر السابع لِسَبْعِ عشرة ليلةٍ مَضَتْ منه، في أول يومٍ مِن الشهر العاشر، رُئِي رءوس الجبال، فلمّا مضى بعد ذلك أربعون يومًا فَتَح نوحٌ كَوَّةَ الفُلْكِ التي صنع فيها، ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء، فلم يرجع إليه، فأرسل الحمامة، فرجعت إليه، ولم يجد لرجليها موضِعًا، فبسط يدَه للحمامة فأخذها، ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها لتنظر له، فرجعت حين أمست، وفي فيها ورَقُ زيتونةٍ، فعلِم نوحٌ أنّ الماء قد قَلَّ عن وجه الأرض، ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها فلم ترجِع، فعلم نوحٌ أنّ الأرض قد برزت، فلمّا كملت السنة فيما بَيْنَ أن أرسلَ اللهُ الطوفان إلى أنْ أرسل نوح الحمامةَ ودخل يومٌ واحِدٌ مِن الشهر الأول مِن سنة اثنتين بَرَزَ وجه الأرض، فظهر اليَبَسُ، وكَشَفَ نوح غطاء الفُلْك، ورأى وجه الأرض. وفي الشهر الثاني مِن سنة اثنتين في سبع وعشرين ليلة منه قيل لنوح: ﴿اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾١
١٣
عن عمر بن هاني العبسى، أنّه حدَّثه: أنّ شيوخًا مِن عبس أنّهم حدَّثوه: أنّهم لَمّا كانوا بِصِفِّين أتَوُا الجُودِيَّ ينظرون إلى موضع السفينة فيه١
١٤
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لو رَحِم اللهُ مِن قوم نوحٍ أحدًا لرحم امرأةً لَمّا رأت الماء حملت ولدها، ثم صعدت الجبل، فلمّا بلغها الماءُ صعدت به على منكبيها، فلمّا بلغ الماء منكبيها وضعت ولدها على رأسها، فلمّا بلغ الماء رأسها رفعت ولدها بيديها، فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم هذه المرأة»١
١٥
عن أبي هريرة، قال: مرَّ النبيُّ ﷺ بأُناسٍ مِن اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا الصوم؟». فقالوا: هذا اليوم الذي نجّى الله فيه موسى وبني إسرائيل مِن الغرق، وأغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينةُ على الجُودِيِّ، فصامه نوحٌ وموسى شكرًا لله. فقال ﷺ: «أنا أحقُّ بموسى، وأحقُّ بصوم هذا اليوم». فصامه، وأمر أصحابه بالصوم١
١٦
عن عبد العزيز بن عبد الغفور، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «في أول يوم مِن رجب ركِب نوحٌ السفينة، فصام هو وجميعُ مَن معه، وجرت بهم السفينة ستةَ أشهر، فانتهى ذلك إلى المُحَرَّم، فأَرْسَتِ السفينةُ على الجودي يوم عاشوراء، فصام نوحٌ، وأَمر جميعَ مَن معه مِن الوحش والدواب فصاموا شكرًا لله»١
١٧
عن عمر بن الخطاب، قال: لَمّا اسْتَقَرَّت السفينةُ على الجُودِيِّ لبث ما شاء الله، ثم إنّه أُذِن له فهبط على الجبل، فدعا الغراب، فقال: ائْتِنِي بخبر الأرض. فانحدر الغراب، وفيها الغرقى من قوم نوح، فأبطأ عليه، فلعنه، ودعا الحمامةَ، فوقعت على كفِّ نوح، فقال: اهبطي، فائتيني بخبر الأرض. فانحدر، فلم يلبث إلا قليلًا حتى جاء ينفض ريشه في منقاره، فقال: اهبط، فقد أنبَتَتِ الأرض. قال نوح: بارك الله فيك، وفي بيت يُؤويك، وحبَّبك إلى الناس، لولا أن يغلبك الناسُ على نفسِك لدعوتُ الله أن يجعل رأسَك مِن ذهب١
١٨
عن أبي هريرة، قال: يوم عاشوراء اليوم الذي تاب الله فيه على آدم، واليوم الذي اسْتَوَتْ فيه سفينةُ نوح على الجوديِّ، واليوم الذي فَرَقَ اللهُ فيه البحر لبني إسرائيل، واليوم الذي وُلِد فيه عيسى، صيامه يعدل سنة مبرورة١
١٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلًا معهم أهلوهم، وكانوا في السفينة مائة وخمسين يومًا، وإنّ الله وجَّه السفينة إلى مكة، فدارت بالبيت أربعين يومًا، ثم وجَّهها إلى الجودي، فاستقرَّت عليه، فبعث نوحٌ الغراب ليأتيه بالخبر، فذهب، فوقع على الجِيَف، فأبطأ عليه، فبعث الحمامة، فأتته بورق الزيتون، ولَطَّخَتْ رجليها بالطين، فعرف نوحٌ أنّ الماء نَضَبَ، فهبط إلى أسفل الجودي، فابتنى قريةً، وسمّاها: ثمانين، فأصبحوا ذات يوم وقد تَبَلْبَلَتْ ألسنتُهم على ثمانين لغة، أحدها اللسان العربي، فكان لا يفقه بعضُهم كلامَ بعض، وكان نوح يُعَبِّر عنهم١٢
٢٠
عن عبيد بن عمير -من طريق مجاهد- قال: لَمّا أصاب قومَ نوح الغرقُ قام الماءُ على رأس كل جبل خمسة عشر ذراعًا، فأصاب الغرقُ امرأةً في مَن أصاب، معها صبي لها، فوضعته على صدرها، فلمّا بلغها الماء وضعته على منكبيها، فلمّا بلغها الماء وضعته على يديها، فقال اللهُ: لو رَحِمْتُ أحدًا مِن أهل الأرض لَرَحِمْتُها، ولكن حَقَّ القول مِنِّي١
٢١
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق زياد بن حصين- قال: لَمّا رَسَتِ السفينةُ -سفينةُ نوح عليه السلام إذا هو بإبليس على كَوْثَلِ١ السفينة، فقال له نوح عليه السلام: ويلك، قد غرِق أهلُ الأرض مِن أجلك. قال له إبليس: فما أصنعُ؟ قال: تتوب. قال: فسَل ربَّك: هل لي مِن توبة؟ فدعا نوحٌ ربه، فأوحى إليه أنّ توبته أن يسجد لقبر آدم. قال: قد جُعِلت لك توبةٌ. قال: وما هي؟ قال: تسجد لقبر آدم. قال: تركته حيًّا وأسجد له ميتًا!٢
٢٢
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- قال: يزعم الناسُ: أنّ مَن أغرق اللهُ مِن الولدان مع آبائهم، وليس كذلك، إنّما الولدان بمنزلة الطير وسائرِ مَن أغرق اللهُ بغير ذنب، ولكن حضرت آجالُهم فماتوا لآجالِهم، والمدركِون مِن الرجال والنساء كان الغرقُ عقوبةً لهم١
٢٣
عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن رجال سمّاهم: أنّ الله أعقَم رجالهم قبل الطوفان بأربعين عامًا، وأعقمَ نساءهم، فلم يتوالدوا أربعين عامًا منذ يوم دعا نوح حتى أدرك الصغير فبلغ الحنث، وصارت لله عليهم الحُجَّة، ثم أرسل الله السماء عليهم بالطوفان١
٢٤
عن الحكم [بن عتيبة]، قال: خرج القوس قُزَح بعد الطوفان أمانًا لأهل الأرض أن يغرقوا جميعًا١
تفسير
٣٢ قولًا
١
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- قال: الجودي: جبل بالموصل١
٢
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق المنذر بن النعمان- يقول: إنّ نوحًا عليه السلام لَمّا ركب في السفينة، فلمّا أتى الجوديَّ -وهو جبل بالجزيرة- أرْسَت عليه، فأصاب جُؤْجُؤَها الجبلَ، فأَرْسَتْ١
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق خليد- قال: يعني قوله: ﴿واستوت على الجودي﴾: فاستقرَّتْ على الجوديِّ شهرًا١
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واسْتَوَتْ﴾ السفينةُ ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ شهرًا، وهو جبل قريب مِن الموصل؛ لأنّ الجبال تَطاوَلَتْ وتواضع الجُودِيُّ١
٥
عن سفيان الثوري- من طريق عبد العزيز-: ﴿واستوت على الجودي﴾. قال: جبل بالجزيرة، شمخت الجبال، وتواضع حين أرادت أن ترفأ عليه سفينة نوح.١
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾، يعني: المشركين، يعني بالبعد: الهلاك١٢
٧
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿الظالمين﴾، يعني: المشركين١
٨
عن عكرمة مولى ابن عباس، ﴿يا أرض ابلعي مآءك﴾، قال: هو بالحبشة١
٩
عن وهب بن منبه -من طريق عبد الصمد-: ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك﴾ بالحبشية. قال: ازرَدِيه١
١٠
عن محمد بن علي بن الحسين -من طريق ابنه جعفر- في قوله: ﴿يا أرض ابلعي ماءك﴾، قال: اشربي، بلغة الهند١
١١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿يا أرض ابلعي ماءك﴾، يقول: ابلعي ما كان عليك١
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ بعد ما غرقتهم أجمعين، فابتلعت الأرض ما خرج منها مِن الماء١
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿ويا سماء أقلعي﴾، قال: أمْسِكِي١
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قوله: ﴿ويا سماء أقلعي﴾، يقول: اسْكُنِي١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وغيض الماء﴾: الغيوض: ذهاب الماء١
٢١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وغِيضَ الماءُ﴾، يعني: ونقص الماء، [وظهرت] الجبال١
٢٢
قال عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج- ﴿وغيض الماء﴾: نَشِفَتْهُ١ الأرض٢
٢٣
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: لَمّا أراد الله أن يَكُفَّ ذلك -يعني: الطوفان-أرسل ريحًا على وجه الأرض، فسكن الماء، واسْتَدَّت ينابيعُ الأرض الغمرَ الأكبرَ، وأبواب السماء؛ يقول الله تعالى: ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي﴾ إلى: ﴿بعدا للقوم الظالمين﴾، فجعل الماء ينقص، ويغيض، ويُدْبِر١
٢٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وقُضي الأمر﴾، قال: هلاكُ قوم نوح١
٢٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقُضِيَ الأَمْرُ﴾، يعني: العذاب بالغرق على الكافرين، فغرِقوا١
٢٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿واستوت على الجودي﴾، يقول: على الجبل، واسمه: الجودي١
٢٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: الجُودِيُّ: جبلٌ بالجزيرة، تَشامَخَتِ الجبالُ يومئذٍ مِن الغرق وتَطاوَلَتْ، وتواضع هو لله، فلم يغرق، وأَرْسَتْ عليه سفينةُ نوح١
٢٨
عن أبي سعيد -من طريق نوح بن المختار- قال: خرجتُ أريد أن أشرب ماء المَرِّ، فمررت بالفرات، فإذا الحسن، والحسين، فقالا: يا أبا سعيد، أين تريد؟ قلتُ: أشرب ماء المَرِّ. قالا: لا تشرب ماء المَرِّ؛ فإنّه لَمّا كان زمن الطوفان أمر الله الأرضَ أن تبلع ماءها، وأمر السماء أن تُقْلِع، فاستعصى عليه بعضُ البِقاع، فلعنه، فصار ماؤُه مُرًّا، وترابه سَبِخًا لا يُنبِتُ شيئًا١
٢٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: كان لِلَمَكَ يومَ ولَدَ نوحًا اثنان وثمانون سنة، ولم يكن أحدٌ في ذلك الزمان ينتهي عن مُنكَر، فبعث الله نوحًا إليهم وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوته مائة وعشرين سنة، ثم أمره بصنعة السفينة، فصنعها وركبها وهو ابن ستمائة سنة، وغرِق مَن غرِق، ثم مكث بعد السفينة ثلاثمائة وخمسين سنة، فولد نوح سام وفي ولده بياض وأُدمة، وحام وفي ولده سواد وبياض قليل، ويافث وفيهم الشقرة والحمرة، وكنعان وهو الذي غرق، والعرب تسميه: يام، وأم هؤلاء واحدة، وبجبل نَوْذَ نَجَرَ١ نوحٌ السفينةَ، ومِن ثَمَّ بدأ الطوفان، فركب نوح السفينة معه بنوه هؤلاء، وكنائنه؛ نساء بنيه هؤلاء، وثلاثة وسبعون مِن بني شِيث مِمَّن آمن به، فكانوا ثمانين في السفينة، وحمل معه مِن كل زوجين اثنين، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراعٍ بذراعِ جدِّ أبي نوح، وعرضُها خمسين ذراعًا، وطولها في السماء ثلاثين ذراعًا، وخرج منها من الماء ستُّ أذرع، وكانت مُطبَقَةً، وجعل لها ثلاثة أبواب بعضَها أسفلَ من بعض، فأرسل الله المطر أربعين ليلة وأربعين يومًا، فأقبلت الوحش حين أصابها المطر والدواب والطير كلها إلى نوح، وسُخِّرت له، فحمل فيها كما أمره الله مِن كل زوجين اثنين، وحمل معه جسدَ آدم، فجُعِل حاجزًا بين النساء والرجال، فركبوا فيها لعشر مضين مِن رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صام مَن صام يوم عاشوراء، وخرج الماء مثل ذلك نصفين؛ نصف من السماء ونصف من الأرض، فذلك قول الله: ﴿ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر﴾ يقول: مُنصَبّ، ﴿وفجرنا الأرض عيونًا﴾ يقول: شَقَقْنا الأرض، ﴿فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾ [القمر:١١-١٢]، وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمسة عشر ذراعًا، فسارت بهم السفينة، فطافَت بهم الأرضَ كلها في ستة أشهر لا تَسْتَقِرُّ على شيء، حتى أتت الحرم فلم تدخُله، ودارت بالحرم أسبوعًا، ورُفِع البيت الذي بناه آدم؛ رُفِعَ من الغرق -وهو البيت المعمور- والحجر الأسود على أبي قُبَيس، فلما دارت بالحرم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى الجُودِيِّ، وهو جبل بالحِصنين٢ من أرض الموصل، فاستقرت بعد ستة أشهر لتمام السنة، فقيل بعد الستة أشهر: ﴿بعدًا للقوم الظالمين﴾. فلمّا استوت على الجودي قيل: ﴿يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي﴾ يقول: احبسي ماءكِ، ﴿وغيض الماء﴾ نَشِفَتْه الأرضُ، فصار ما نزل من السماء هذه البحور التي ترون في الأرض، فآخرُ ماءٍ بقي في الأرض مِن الطوفان ماء بحِسْمى٣، بقي في الأرض أربعين سنة بعد الطوفان، ثم ذهب، فهبط نوح إلى قريةٍ، فبنى كلُّ رجل منهم بيتًا، فسُمِّيت: سوق الثمانين، فغرق بنو قابيل كلهم، وما بين نوح إلى آدم مِن الآباء كانوا على الإسلام، ودعا نوح على الأسد أن يُلقى عليه الحُمّى، وللحمامة بالأنس، وللغراب بشقاء المعيشة، وتزوج نوح امرأةً من بني قابيل، فولدت له غلامًا فسمّاه: يوناطنَ، فلما ضاقت بهم سوق الثمانين تحولوا إلى بابل فبنوها، وهي بين الفرات والصَّراةِ٤، فمكثوا بها حتى بلغوا مائة ألف وهم على الإسلام. ولَمّا خرج نوح من السفينة دُفِن آدم عليه السلام ببيت المقدس٥
٣٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قال: أعطى الله نوحًا عليه السلام في السفينة خرزتين؛ إحداهما بياضُها كبياض النهار، والأخرى سوادُها كسواد الليل، فإذا أمسَوا غلب سواد هذه بياض هذه، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه، على قدر الساعات الاثنى عشر، فأول مَن قدَّر الساعات الاثني عشر لا يزيد بعضُها على بعض نوح عليه السلام في السفينة؛ ليعرف بها مواقيت الصلاة، فسارت السفينة مِن مكة حتى أخَذَت إلى اليمن، فبلغت الحبشة، ثم عدلت حتى رجعت إلى جدة، ثم أخَذَت على الروم، ثم جاوزت الروم، فأقبلت راجعة على جبال الأرض المقدسة، وأوحى الله إلى نوح عليه السلام أنها تستوي على رأس جبل، فعلِمت الجبال لذلك، فتَطَلَّعَت لذلك، وأخرجت أُصُولَها من الأرض، وجعل جُودِيٌّ يتواضع لله عز وجل، فجاءت السفينة حتى جاوزت الجبال كلها، فلما انتهت إلى الجودي استوت ورَسَت، فشَكَتِ الجبالُ إلى الله، فقالت: يا ربِّ، إنّا تَطَلَّعنا وأخرجنا أُصُولَنا مِن الأرض لسفينة نوح، وخَنَس جوديٌّ، فاستوت سفينة نوح عليه! فقال الله: إنِّي كذلك، مَن تواضع لي رفعتُه، ومَن ترفَّع لي وضَعْتُه. ويقال: إنّ الجوديَّ مِن جبال الجنة. فلمّا أن كان يوم عاشوراء اسْتَوَتِ السفينةُ عليه، وقال الله: ﴿يا أرض ابلعي مآءك﴾ بلغة الحبشة، ﴿ويا سماء أقلِعِي﴾ أي: أمسكي، بلغة الحبشة، فابتلعتِ الأرضُ ماءها، وارتفع ماءُ السماء حتى بلغ عنان السماء رجاء أن يعود إلى مكانه، فأوحى الله إليه: أن ارجع؛ فإنّك رِجْسٌ وغضب. فرجع الماء، فمَلُحَ وخَمَّ١ وتَرَدَّد، فأصاب الناسَ منه الأذى، فأرسل الله الريح، فجمعه في مواضع البحار، فصار زُعاقًا مالحًا لا يُنتَفَع به، وتَطَلَّع نوح فنظر، فإذا الشمس قد طلعت، وبدا له اليد من السماء، وكانت ذلك آية ما بينه وبين ربه عز وجل؛ أمان من الغرق، -واليد: القوس الذي يُسمُّونه: قوس قزح، ونُهي أن يقال: قوس قزح؛ لأنّ قزح شيطان، وهو قوس الله، وزعموا: أنّه كان عليه وترٌ وسهمٌ قبل ذلك في السماء، فلما جعله الله تعالى أمانًا لأهل الأرض مِن الغرق نزع الله الوتر والسهم-، فقال نوح عليه السلام عند ذلك: ربِّ، إنّك وعدتني أن تُنجي معي أهلي، وغرَّقت ابني، و﴿إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين﴾. قال: ﴿يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ يقول: إنّه ليس مِن أهل دينك؛ إنّ عملَه كان غير صالح. قال: ﴿اهبط بسلام منا﴾. فبعث نوحٌ عليه السلام مَن يأتيه بخبر الأرض، فجاء الطير الأهليُّ، فقال: أنا. فأخذها، وختم جناحها، فقال: أنت مختومة بخاتمي، لا تطيرين أبدًا، ينتفع بك ذريتي. فبعَث الغراب، فأصاب جيفةً، فوقع عليها، فاحتبس، فلعَنه، فمِن ثَمَّ يُقتل في الحرم، وبعَث الحمامة، وهي القُمْرِيُّ، فذهبت فلم تجد في الأرض قَرارًا، فوقعت على شجرة بأرض سبأ، فحمَلت ورقة زيتون، فرجَعت إلى نوحٍ، فعلِم أنّها لم تَستمكِن مِن الأرض، ثم بعثها بعد أيام، فخرَجت حتى وقعت بوادي الحرم، فإذا الماء قد نَضَبَ٢، وأول ما نَضَبَ موضع الكعبة، وكانت طينتُها حمراء، فخَضَّبت رجليها، ثم جاءت إلى نوح، فقالت: البشرى، استَمكِنِ الأرض. فمسَح يدَه على عنُقِها، وطوَّقَها، ووهب لها الحمرة في رجليها، ودعا لها، وأسكنها الحرم، وبارك عليها، فمِن ثَمَّ شُغِف بها الناس. ثُمَّ خرج، فنزل بأرض الموصل، وهي قرية الثمانين؛ لأنه نزل في ثمانين، فوقع فيهم الوباء، فماتوا إلا نوح وسام وحام ويافث ونساؤهم، وطُبِّقت الدنيا منهم، وذلك قوله: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ [الصافات:٧٧]٣
٣١
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- قال: بعث نوحٌ الحمامةَ، فجاءت بورق الزيتون، فأُعطِيَت الطَّوْق الذي في عُنُقِها، وخِضاب رجليها١
٣٢
عن إبراهيم التيمي، قال: لَمّا أُمِرت الأرض أن تَغِيض الماء غاضت الأرضُ ما خلا أرض الكوفة، فلُعِنت، فسائر الأرض تَكْرِثُ على ثَوْرَين، وأرض الكوفة على أربع١