عن عطاء بن أبي رباح، في قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، قال: كفرٌ دون كفر، وظلمٌ دون ظلم، وفسقٌ دون فسق١
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿ومَن لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾: ذُكر لنا: أنّ هؤلاء الآيات أنزلت في قتيل اليهود الذي كان منهم١
٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾، يقول: ومن لم يحكم بما أنزلتُ، فتركه عمدًا، وجارَ وهو يعلم، فهو من الكافرين١
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومَن لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ في التوراة بالرجم، ونعت محمد ﷺ، ويشهد به؛ ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾١
٥
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بكير- قوله: ﴿فأولئك هم الكافرون﴾، فقال: أهل قريظة، منهم أبو لبابة بن سعفة بن عمر، ومن أهل النضير، منهم كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف١
٦
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، قال: مَن حكم بكتابه الذي كتب بيده، وترك كتاب الله، وزعم أنّ كتابه هذا من عند الله؛ فقد كفر١٢
٧
عن عمر بن الخطاب -من طريق يسير- قال: ما رأيتُ مثلَ مَن قَضى بين اثنين بعد هؤلاء الآيات الثلاث١
٨
عن حذيفة بن اليمان -من طريق أبي البختري- أنّ هذه الآيات ذُكِرت عنده: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، و﴿الظالمون﴾، و﴿الفاسقون﴾. فقال رجل: إنّ هذا في بني إسرائيل. قال حذيفة: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم كلُّ حُلْوةٍ، ولهم كلُّ مُرَّةٍ، كلّا، واللهِ، لَتَسْلُكُن طريقَهم قِدَّ١ الشِّراك٢٣
٩
عن عبد الله بن عباس، قال: نِعْمَ القوم أنتم! إن كان ما كان مِن حُلوٍ فهو لكم، وما كان من مُرٍّ فهو لأهل الكتاب. كأنّه يرى أنّ ذلك في المسلمين: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾١
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق عبيد الله بن عبد الله- قال: إنّما نزَّل الله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، و﴿الظالمون﴾، و﴿الفاسقون﴾ في اليهود خاصَّةً١
١١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ومن لم يحكم﴾، يقول: مَن جحَد الحكم بما أنزل الله فقد كَفر، ومَن أقرَّ به ولم يحكُم به فهو ظالمٌ فاسقٌ١
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس- في قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، قال: إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفرًا يَنقُلُ عن الملَّة؛ كفرٌ دون كفر١
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس- في قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، قال: هي به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر١
١٤
عن حكيم بن جبير، قال: سألتُ سعيد بن جبير عن هذه الآيات في المائدة: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، فقلتُ: زعَم قوم أنها نزلَتْ على بني إسرائيل، ولم تَنزِلْ علينا. قال: اقْرَأ ما قبلَها وما بعدَها. فقرأتُ عليه، فقال: لا، بل نزَلتْ علينا، ثم لَقيتُ مِقْسَمًا مَوْلى ابن عباس، فسألتُه عن هؤلاء الآيات التي في المائدة، قلتُ: زعَم قوم أنها نزلَتْ على بني إسرائيل، ولم تَنزِلْ علينا. قال: إنه قد نَزَلَ على بني إسرائيل ونَزَل علينا، وما نزَلَ علينا وعلَيهم فهو لنا ولهم، ثم دخلتُ على عليِّ بن الحسين، فسألتُه عن هذه الآيات التي في المائدة، وحدَّثتُه أني سألتُ عنها سعيد بن جُبير ومِقْسَمًا. قال: فما قال لك مِقْسَمٌ؟ فأخبرتُه بما قال، قال: صَدَق، ولكنه كُفرٌ ليس ككُفْرِ الشرك، وفِسْقٌ ليس كفسق الشرك، وظلم ليس كظلم الشرك. فلَقيتُ سعيد بن جُبير فأخبرتُه بما قال، فقال سعيد بن جبير لابنه: كيف رأيتَه؟ لقد وجدتُ له فضلًا عليك وعليَّ وعلى مِقْسَم١
١٥
عن إبراهيم النخعي -من طريق منصور- في قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾ الآيات، قال: نَزلَت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورَضِيَ لهذه الأمة بها١
١٦
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق أبي حيان- في قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، و﴿الظالمون﴾، و﴿الفاسقون﴾، قال: نزَلَتْ هؤلاء الآيات في أهل الكتاب١
١٧
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الثوري، عن رجل- قال: نزَلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب١
١٨
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، و﴿الظالمون﴾، و﴿الفاسقون﴾ لأهل الكتاب كلهم لما تركوا من كتاب الله١
١٩
عن عامر الشعبي -من طريق زكريا بن أبي زائدة- قال: الثلاث آيات التي في المائدة: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾ أولها في هذه الأمة، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى١٢
٢٠
عن طاووس بن كيسان -من طريق سعيد المكي- ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، قال: ليس بكفر ينقل عن المِلَّة١
٢١
عن أبي مجلز لاحق بن حميد -من طريق عمران بن حدير- أنّه أتاه الناس، فقالوا: يا أبا مجلز، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾؟ قال: نعم. قالوا: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾؟ قال: نعم. قالوا: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾؟ قال: نعم. قالوا: فهؤلاء يحكمون بما أنزل الله؟ قال: نعم، هو دينُهم الذي به يحكمون، والذي به يتكلمون، وإليه يَدعون، فإذا تَركوا منه شيئًا علِموا أنه جَوْرٌ منهم، إنما هذه لليهود والنصارى والمشركين الذين لا يَحْكُمون بما أنزَل الله١
٢٢
عن أبي صالح باذام -من طريق أبي حيان- قال: الثلاث الآيات التي في المائدة: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ ليس في أهل الإسلام منها شيء، هي في الكُفّار١
٢٣
عن الحسن البصري -من طريق عوف- في قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، قال: نَزلَت في اليهود، وهي علينا واجبة١
٢٤
عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾: «في الكافرين كلها»١
آثار متعلقة بالآية، ونزولها
٤ أقوال
١
عن مسروق بن الأجدع الهمداني -من طريق القاسم بن عبد الرحمن- أنّه كان يستحلف أهل الكتاب بالله عز وجل١
٢
عن إبراهيم النخعي -من طريق المغيرة- في أهل الذمة إذا استُحْلِفُوا: يُغَلَّظُ عليهم بدينهم، فإذا بلغت اليمين استُحلفوا بالله١
٣
عن مغيرة، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أن لا تستحلفوا بغير الله أحدًا١
٤
عن هشيم، قال: حدثنا عبد الملك١، قال: يُستحلفون بالله، وإنّ التوراة والإنجيل لمن كتب الله عز وجل٢
تفسير
٣٣ قولًا
١
عن زيد بن أسلم -من طريق ابنه عبد الرحمن- قال: الأئمة: الولاة. والهداة: الفقهاء. والربانيون: الولاة. والأحبار: الفقهاء١
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿و﴾ يحكم بها ﴿الرَّبّانِيُّونَ﴾، وهم المتعبدون من أهل التوراة من ولد هارون؛ يحكمون بالتوراة، ﴿والأَحْبارُ﴾ يعني: القُرّاء والعلماء منهم١
٣
عن مقاتل بن حيان -من طريق بكير بن معروف- في قوله: ﴿والرَّبّانِيُّونَ والأَحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾، قال: ويحكمُ بها الربانيُّون والأحبار أيضًا بالتوراة١
٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال:الربّانيون: الولاة. والأحبار: العلماء١٢
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ عز وجل من الرجم، وبعث محمد ﷺ في كتابهم١
٦
عن مقاتل بن حيان -من طريق بكير بن معروف- في قوله: ﴿بما استحفظوا من كتاب الله﴾، يقول: بما علِموا من كتاب الله؛ من الرجم، والإيمان بمحمد ﷺ١
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿وكانوا عليه شهداء﴾، يعني: الربّانيين والأحبار، هم الشهداء لمحمد ﷺ بما قال أنّه حقٌّ جاء من عند الله، فهو نبي الله محمد ﷺ، أتَتْه اليهود فقضى بينهم بالحق١
٨
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿فلا تخشوا الناس﴾؛ فتكتُموا ما أنزلتُ١
٩
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال [لـ]يهود المدينة؛ كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، وأصحابهم: ﴿وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ﴾ يقول: لا تخشوا يهود خيبر أن تخبروهم بالرجم، ونعت محمد ﷺ١
١٠
عن عبد الملك ابن جُرَيْج: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾ لمحمد ﷺ، وأُمَّتِه١
١١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بكير بن معروف- في قوله: ﴿فلا تخشوا الناس﴾ في أمر محمد ﷺ، والرجم. يقول: أظْهِروا أمرَ محمدٍ، والرجم، واخشونِ في كتمانِه١
١٢
عن هارون بن يزيد، قال: سُئِل الحسن البصري عن قوله: ﴿ثمنا قليلا﴾. قال: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها١
١٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا﴾ لا تأخذوا طمعًا قليلًا على أن تَكْتُموا ما أنزَلتُ١
١٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: عَرَضًا يسيرًا مما كانوا يصيبون من سَفِلَة اليهود؛ من الطعام، والثِّمار١
١٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا﴾، قال: لا تَأكلُوا السُّحتَ على كتابي. وفي لفظ آخر: لا تأخذوا به رشوة١
١٦
عن قتادة، قال: ذُكر لنا: أنّ نبي الله ﷺ قال لَمّا أُنزلت هذه الآية: «نحن نحكُمُ على اليهود وعلى مَن سِواهم من أهل الأديان»١
١٧
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- في قوله: ﴿يحكم بها النبيون الذين أسلموا﴾، قال: النبي ﷺ، ومَن قبله من الأنبياء، يَحْكُمون بما فيها من الحق١
١٨
عن الحسن البصري -من طريق عوف- في قوله: ﴿يحكم بها النبيون الذين أسلموا﴾ يعني: النبي ﷺ، ﴿للذين هادوا﴾ يعني: اليهود١
١٩
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون﴾، يعني: النبي ﷺ١
٢٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدىً ونُورٌ﴾ وضياء من الظلمة، ﴿يَحْكُمُ بِها النبيونَ﴾ من لَدُن موسى عليه السلام إلى عيسى ابن مريم ﷺ، ألف نبي، ﴿الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ يعني: أنهم مسلمون، أو أسلموا وجوههم لله، ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ يعني: اليهود، يحكمون بما لهم وما عليهم١
٢١
عن مقاتل [بن حيان] -من طريق بُكَيْر بن معروف- في قوله: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور﴾ يعني: هدًى من الضلالة، ونور من العَمى، ﴿يحكم بها النبيون﴾ يحكُمون بما في التوراة من لَدُن موسى إلى عيسى، ﴿للذين هادوا﴾ لهم، وعليهم١
٢٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قال: الربّانيُّون: الفقهاء العلماء١
٢٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿والربانيون﴾ قال: هم المؤمنون. ﴿والأحبار﴾ قال: هم القُرّاء١
٢٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: الربّانيون: العلماء الفقهاء، وهم فوق الأحبار١
٢٥
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق سلمة- في قوله: ﴿والربانيون والأحبار﴾، قال: قُرّاؤُهم، وفقهاؤُهم١
٢٦
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- ﴿والربانيون والأحبار﴾ كلهم يحكم بما فيها من الحق١
٢٧
عن الحسن البصري -من طريق أشعث- قال: ﴿الربانيون والأحبار﴾: الفقهاء، والعلماء١
٢٨
عن الحسن البصري -من طريق عبّاد بن منصور- قال: الربّانيُّون: أهل عبادة الله، وأهل تقوى الله١
٢٩
عن أبي جعفر الباقر -من طريق جابر الجعفي- وذَكَر أصحاب محمد ﷺ، فقال: رحمهم الله جميعًا، فهم الرَّبّانِيُّون والأحبار، كما أن نبيهم ﷺ خاتم النبيين١
٣٠
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار﴾، قال: أمّا الربّانيُّون ففقهاء اليهود، وأما الأحبار فعلماؤهم١
٣١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق خُلَيدِ بن دَعْلَجٍ- قال: الربّانيون: العُبّادُ. والأحبار: العلماء١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: ﴿والربانيون والأحبار﴾ هما ابنا صُورِيا، اتَّبعا النبي ﷺ ولم يُسلِما، وكان أعطياه عهدًا أن لا يسألهما عن شيء من التوراة إلا أخبرا به١٢
آثار متعلقة بالآية
قولانِ
١
عن نافع، قال: كُنّا مع ابن عمر في سَفَر، فقيل: إنّ السَّبُعَ في الطريق قد حبَس الناس، فاستخفَّ ابن عمر راحلتَه، فلما بلغ إليه نَزَل فعَرَك أُذنَه، وقَعَّدَه، وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنما يُسلَّطُ على ابن آدم مَن خافه ابنُ آدم، ولو أنّ ابن آدم لم يَخفْ إلا الله لم يُسلِّطْ عليه غيرَه، وإنما وُكِل ابن آدم بمَن رجا ابنُ آدم، ولو أنّ ابنَ آدم لم يرجُ إلا اللهَ لم يكِلْه إلى سواه»١
٢
عن حُمَيْد: أنّ إياس بن معاوية لما استُقضي أتاه الحسن، فبكى إياس، فقال له الحسن: ما يبكيك؟ قال: يا أبا سعيد، بلغني أنّ القضاة ثلاثة: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. فقال الحسن: إنّ فيما قصَّ الله -جل وعز- من داود وسليمان ما يردُّ قول هؤلاء، يقول الله عز وجل: ﴿وداوُودَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ فِي الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ * فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٨-٧٩]، فأثنى الله على سليمان، ولم يذم داود. ثم قال الحسن: إنّ الله تبارك وتعالى أخذ على العلماء ثلاثًا: لا يشترون به ثمنًا، ولا يتَّبعون فيه الهوى، ولا يخشون فيه أحدًا، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾١
نزول الآية
٤ أقوال
١
عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: كنا عند عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فذَكَر رجلٌ عنده: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾. فقال عبيد الله: أما واللهِ إنّ كثيرًا من الناس يتأولون هؤلاء الآيات على ما لم يَنزِلْن عليه، وما أُنزِلْن إلا في حَيَّيْن من يهود. ثم قال: هي قريظة والنضير، وذلك أنّ إحدى الطائفتين كانت قد غَزَتِ الأخرى وقهرتها قبل قدوم النبي ﷺ المدينة، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فَدِيَتُه خمسون وسْقًا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فَدِيَتُه مئة وسْق. فأعطوهم فَرَقًا وضَيْمًا، فقدم النبي ﷺ وهم على ذلك، فذلَّت الطائفتان بمقدم النبي ﷺ، والنبي ﷺ لم يظهر عليهما، فبينما هما على ذلك أصابت الذليلة من العزيزة قتيلًا، فقالت العزيزة: أعطونا مائة وسْق. فقالت الذليلة: وهل كان هذا قطُّ في حَيَّيْنِ دينُهما واحد وبلدُهما واحد؛ دِيَةُ بعضهم ضعفُ دِيَة بعض؟! إنما أعطيناكم هذا فَرَقًا منكم وضَيْمًا، فاجعلوا بيننا وبينكم محمدًا ﷺ. فتراضيا على أن يجعلوا النبي ﷺ بينهم، ثم إن العزيزة تذاكرت بينها، فخشيت أن لا يعطيها النبي ﷺ من أصحابها ضعف ما تُعْطى أصحابها منها، فدَسُّوا إلى النبي ﷺ إخوانهم من المنافقين، فقالوا لهم: أخبروا لنا رأيَ محمد ﷺ، فإن أعطانا ما نريد حَكَّمناه، وإن لم يعطنا حَذِرناه ولم نُحَكِّمه. فذهب المنافق إلى النبي ﷺ، فأعلم الله -تعالى ذِكْرُه- النبي ﷺ ما أرادوا من ذلك الأمر كله. قال عبيد الله: فأنزل الله -تعالى ذِكْرُه- فيهم: ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ هؤلاء الآيات كلهن، حتى بلغ: ﴿وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه﴾ إلى ﴿الفاسقون﴾، قرأ عبيد الله ذلك آيةً آيةً، وفسرها على ما أنزل، حتى فرغ من تفسير ذلك لهم في الآيات، ثم قال: إنما عنى بذلك: يهود، وفيهم أنزلت هذه الصفة١
٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: كان رجلان من اليهود أخوان يُقالُ لهما: ابنا صُورِيا، قد اتَّبَعا النبي ﷺ ولم يُسْلِما، وأعْطَياه عهدًا ألّا يَسْأَلَهما عن شيء في التوراة إلا أخْبَراه به، وكان أحدهما رِبِّيًّا، والآخرُ حَبْرًا، وإنما اتَّبَعا النبي ﷺ يتَعلَّمان منه، فدعاهما فسألَهما، فأخبراه الأمرَ كيف كان حين زنى الشريف وزنى المسكين، وكيف غيَّروه؛ فأنزل الله: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا﴾ يعني: النبي ﷺ، ﴿والربانيون والأحبار﴾ هما ابنا صُورِيا١
٣
عن البراء بن عازب، قال: مُرَّ على النبي ﷺ بيهوديٍّ مُحَمَّمًا مجلودًا، فدعاهم ﷺ، فقال: «هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟». قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: «أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟». قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أُخْبِرك، نجده الرجم، ولكنه كَثُر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع. فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ، إنِّي أولُ مَن أحيا أمرك إذ أماتوه». فأمر به فرُجم؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ إلى قوله: ﴿إن أوتيتم هذا فخذوه﴾ [المائدة:٤١]. يقول: ائتوا محمدًا ﷺ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل الله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ في الكفار كلها١
٤
قال محمد ابن شهاب الزهري:... فبلَغَنا: أنّ هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا﴾. فكان النبي ﷺ منهم١