سورة يس | الآية ٤٧

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

بلاغة القرآن
إِ(نْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي ما أنتم إلا في ضلال ظاهر غير خاف على أحد، و(مبين) معناه مظهر لنفسه لا يحتاج أن يظهره أحد. فإن الضلال على قسمين: ضلال خفي لا يعلمه إلا ذوو البصيرة والعلم وهذا يحتاج إلى إيضاح وتبيين. وضلال مبين أي مبين عن نفسه لا يحتاج إلى أن يظهره أحد أو يبينه شخص فإنه يبين نفسه بنفسه وهو أظهر من كل إظهار وأبين من كل تبيين، فجعلوا أمرهم بالإنفاق من الضلال المبين الظاهر الذي يظهر نفسه. وقد أخرج الكلام على جهة القصر أي لستم إلا في الضلال ولستم في شيء آخر وهذا يختلف عن القول (أنتم في ضلال مبين) فإن ذلك أي القصر أكد فإنه يفيد أنهم ليسوا في غير الضلال، جاء في (التفسير الكبير) "قد ذكرنا أن قوله (إن أنتم إلا) يفيد ما لا يفيد قوله (أنتم في ضلال) لأنه قد يوجب الحصر وأنه ليسوا في غير الضلال. (البحث الثالث) وصف الضلال بالمبين قد ذكرنا معناه إنه لظهوره يبين نفسه أنه ضلال أي في ضلال لا يخفي على أحد أنه ضلال" (1) ثم نفي بــ(إن) ولم ينف بــ(ما) لأن (إن) أكد في النفي من (ما)" (2) ينظر معاني النحو 4/576 وما بعدها وقال (في ضلال) فاستعمل (في) وهو حرف يفيد الظرفية أي ما أنتم إلا مغمورون في الضلال ساقطون فيه كمن يسقط في اللجة. وقد لاحظ المفسرون أن القرآن يستعمل (على) في الهداية ويستعمل (في) في الضلال ونحوه فيقول (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) البقرة 5. ويقول (إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) هود 28 فاستعمل (على) في هذا المعنى للدلالة على تمكنهم من الهداية، واستعلائهم على الطريق، في حين قال (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) –المؤمنون 54(وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) الأنعام 110 (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) التوبة 45 أي كأنهم ساقطون في ذلك لا يتبينون ما حولهم ولا هم متمكنون من أنفسهم ولذا قال تعالى (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) سبأ 24 فأستعمل (على) مع الهدى و(في) مع الضلال، جاء في (التفسير الكبير) "إن قوله (في ضلال) يفيد كونهم مغمورين فيه غائصين، وقوله في مواضع: على بينة وعلى هدى إشارة إلى كونهم راكبين متن الطريق المستقيم قادرين عليه ". (2) **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص170 إلى ص171 1- التفسير الكبير 26/85 2- التفسير الكبير 26/85
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
برنامج لمسات بيانية (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي إذا طلب منهم الإنفاق مما رزقهم الله امتنعوا واحتجوا بأن الله هو الذي أفقرهم ولو شاء أن يغنيهم لأغناهم فكيف يجيعهم ربهم ونحن نطعمهم؟ إن طلبكم هذا مخالف لمشيئة الله وهو ضلال ظاهر. والظاهر أن المقصور بقوله (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ إطعام المحتاجين بدليل قولهم أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ) إلا إنه أخرجه مخرج العموم في الطلب والخصوص في الجواب، ذلك أن قوله (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) يدخل فيه الإطعام وغيره من أفعال الخير فكان الطلب عاماً. غير إنهم امتنعوا عن أي شيء من الإنفاق حتى إطعام المحتاج وهو ما تدعو إليه المروءة فدل امتناعهم عن هذا امتناعهم عما هو أكبر وأعظم وفي هذا مبالغة في الامتناع عن الإنفاق، جاء في (التفسير الكبير) "ما الفائدة في تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق على من لو يشاء الله رزقه وذلك لأنهم أمروا بالإنفاق في قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا) فكان جوابهم أن يقولوا: أننفق، فلم قالوا: أنطعم؟ نقول فيه بيان غاية مخالفتهم ذلك لأنهم إذا أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره لم يأتوا بالإنفاق ولا بأقل منه وهو الإطعام وقالوا لا نطعم، وهذا كما يقول القائل لغيره أعط زيداً ديناراً يقول (لا أعطيه درهماً) مع أن المطابق هو أن يقول: لا أعطيه ديناراً ولكن المبالغة في هذا الوجه أتم فكذلك ههنا" (1) وجاء في (البحر المحيط): "أمروا بالإنفاق مما رزقكم الله وهو عام في الإطعام وغيره فأجابوا بغاية المخالفة لأن نفي إطعامهم يقتضي نفي الإنفاق العام فكأنهم قالوا لا ننفق ولا أقل الأشياء التي كانوا يسمحون بها ويؤثرون بها على أنفسهم وهو الإطعام الذي به يفتخرون، وهذا على سبيل المبالغة كمن يقول لشخص أعط لزيد ديناراً فيقول: لا أعطيه درهماً، فهذا أبلغ من لا أعطيه ديناراً (2). والملاحظ من الآيتين إنهم أمروا بالاتقاء وذلك قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) وهو أمر عام يتعلق بالعبادة الفردية والحياة الشخصية ويتعلق بالآخرين فإن وجوه الاتقاء متسعة. وأمروا بالإنفاق في وجوه الخير وذلك قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا) وهو أمر يتعلق بالآخرين، ومنه إطعام المحتاجين الذي هو ضرورة من ضرورات الحياة، وهذا يدلنا على أن أوامر الله قسمان: قسم يتعلق بالقيام بحقوق الله وهو يدخل في التقوى، وقسم يتعلق بحقوق العباد ومنه الإنفاق. وقد امتنعوا عنهما جميعاً، جاء في (روح المعاني): "والكلام على ما قيل لذمهم على ترك الشفقة على خلق الله تعالى آثر ذمهم على ترك تعظيمه عز وجل بترك التقوى، وفي ذلك إشارة إلى أنهم أخلوا بجميع التكاليف لأنها كلها ترجع إلى أمرين: التعظيم لله تعالى والشفقة على خلقه سبحانه" (3). والملاحظ من الآية: 1- إنها بدأت بأداة الشرط (إذا) فقال (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا) إشارة إلى أن هذا القول قد قيل لهم فعلاً بل إنه لقد قيل لهم كثيراً لما سبق أن ذكرنا في دلالة (إذا) في قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا). 2- وقد بنى الفعل (قيل) للمجهول في الآيتين فقال (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا) لأكثر من سبب: من ذلك أن القائل معلوم وهم المؤمنون. ومن ناحية آخري إنه لا يتعلق غرض بذكر القائل فإنه لا يتغير الحكم بتغيير القائل فإن المقصود هو المقول وليس القائل. ومن ذلك الإشارة إلى ضرورة النظر في المقول لا في القائل، فالقول الحق ينبغي الأخذ به أيا كان قائله، فهو توجيه إلى الأخذ بالقول الحق دون النظر إلى قائله وهو بمعنى (خذ الحكمة ولا تضرك من أي وعاء خرجت) . ثم إنه لو ذكر القائل لظن أن هذا الموقف من الكفرة بسبب القائل ولو كان القائل شخصاً آخر لتغير الموقف، فإن الناس كثيراً ما يرفضون القول من قائل ويقبلونه من قائل آخر، فلو ذكر القائل لظن أن رفضهم بسبب القائل، فبين أن موقفهم هذا إنما هو من المقول لا من القائل. 3- وقد جاء بمن التبعيضية للدلالة على أنه طلب منهم إنفاق شيء مما أنعم الله به عليهم ليسهل ذلك عليهم. 4- أسند الرزق إلى الله، أي أن الله هو الذي رزقكم وتفضل عليكم، فأنفقوا شيئاً مما أعطاكم وتفضل عليكم "أي أعطاكم سبحانه بطريق التفضل والإنعام من أنواع الأموال، وعبر بذلك تحقيقاً للحق وترغيباً في الإنفاق على منهاج قوله تعالى (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) وتنبيهاً على عظم جنايتهم في ترك الامتثال بالأمر، وكذلك الإتيان بمن التبعيضية" (4). 5- بين القائل والمقول له في الآية بعد البناء للمجهول فقال (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ). فبين قوله (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا ) أن القائل (انفقوا)هم المؤمنون وأن الذين قيل لهم هم الكفار، ولذا ذكر أن الذين كفروا ردوا على المؤمنين قولهم. ومن هذا يتضح أن الآية بنيت على الإيضاح بعد الإبهام. فقد قال (قيل) فبنى الفعل للمجهول ثم بين القائل بقوله (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا ) . وقال (لهم) فذكر الضمير ثم أوضح الضمير بأنه يعود على الذين كفروا (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ثم قال (أنفقوا) وهو عام ثم بين المقصود بالإنفاق ههنا وهو إطعام المحتاجين. 6- لم يبين القائل في الآية الأولى وهي قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وقد بينه في هذه الآية ذلك لأن القائل في الآية الأولى معلوم وهو لا يحتاج إلى إيضاح، فإنه معلوم أنه لا يقول هذا القول إلا مؤمن ولا يصدر عن كافر وذلك لأن الكفار لا يؤمنون بالآخرة ولذا ذكر بعد ذلك قولهم (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). أما الآية الثانية وهي قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) فيحتاج القائل إلى تبيين ذلك لأن هذا القول قد يصدر عن شخص غير مسلم يقوله مروءة ذلك أن الله حكى عن كفار قريش أنهم يؤمنون بأن الله هو الذي يرزق الخلق قال تعالى (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ) – يونس31. فبين أن الذي قال هذا القول ودعا إلى الإنفاق هم المؤمنون. فكان كل تعبير أنسب في مكانه هذا علاوة على أنه ذكرنا أن الآية الأولى بنيت على الإيجاز وهذه بنيت على البيان بعد الإبهام. واستبان من ذلك أن الذي يدعو إلى الخير والمكرمة إنما هو المؤمن، وأن المشفق على خلق الله الطالب لإعانتهم وإغاثتهم إنما هو المؤمن، فالمؤمن منبع كل خير ويمن وبركة. 7- لم يبين وجوه الإنفاق في الآية بل أطلقها فقال ( أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) ذلك ليشمل وجوه الخير كلها وليشمل عموم خلق الله مؤمنهم وكافرهم فهو لم يقل (أنفقوا على المؤمنين) بل أطلق ذلك ليشمل الجميع فتتسع دائرة الخير. 8- لما أسند الرزق إلى الله بقوله (مما رزقكم الله) أسندوا الإطعام إليه فقالوا (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) فكأنهم قالوا: الله الذي رزقنا هو الذي حرمهم. 9- لم يذكر اللام في جواب (لو) فلم يقل (لو يشاء الله لأطعمه) ذلك أن الإطعام سهل ميسور فلا يحتاج إلى توكيد، والملاحظ في القرآن الكريم أن المنزوع اللام من جواب لو أقل توكيداً مما ذكرت فيه اللام. فيؤتى باللام فيما هو أكد، فما كان أصعب في ميزان البشر يؤتى معه باللام وما كان أيسر تنزع منه اللام مع أنه من المعلوم أن ليس شيء أصعب على الله من شيء. قال تعالى (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) فجاء باللام لأن الهداية صعبة، وقال (لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) فلم يذكر اللام لأن الإهلاك مقدور عليه وليس كالهداية، وقال (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ) وهذا صعب عسير فجاء باللام غير أنه قال (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) فلم يذكر اللام لأنه مقدور عليه من كثير من الناس وليبينوا أن ذلك من الأمور اليسيرة على الله فلو شاء ذلك فعل ولكن الله لم يشأ ذلك فكيف نطعمهم نحن؟
فاضل السامرائي