سورة البقرة | الآية ٤٨

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ

وقفات مع سور وآيات
ذكرت مادة التقوى في القرآن الكريم (258 مرة) وذلك بصيغ مختلفة [المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم]
محاسن التاويل
وقفات مع سور وآيات
سورة البقرة (48)
محمد الربيعة
وقفات مع سور وآيات
سرد لنعم الله عز وجل على بني إسرائيل سورة البقرة (48 - 61)
محمد الربيعة
بلاغة القرآن
مسألة: قوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل. وقال بعد ذلك: (ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ). ما فائدة التقديم والتأخير والتعبير بقبول الشفاعة، تارة، والنفع أخرى؟ . جوابه: أن الضمير في منها راجع في الأولى إلى (النفس) الأولى، وفى الثانية راجع إلى (النفس) الثانية. كأنه بين في الآية الأولى أن النفس الشافعة الجازية عن غيرها لا تتقبل منها شفاعة، ولا يؤخذ منها عدل. ولأن الشافع يقدم الشفاعة على بذل العدل عنها. ويبين في الآية الثانية أن النفس المطلوبة بجرمها لا يقبل منها عدل عن نفسها، ولا تنفعها شفاعة شافع فيها، وقد بذل العدل للحاجة إلى الشفاعة عند رده. فلذلك كله قال في الأولى: لا يقبل منها شفاعة، وفى الثانية: ولا تنفعها شفاعة لأن الشفاعة إنما تقبل من الشافع، وإنما تنفع المشفوع له.
كتاب كشف المعاني / لابن جماعة
بلاغة القرآن
آية (٤٨) : (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) * هذه الآية وردت مرتين وصدر الآيتين متفق ولكن الآية الأولى تختم (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ) والثانية (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ) والمسألة تحتاج إلى فهم ، ففي الآية الأولى الشفاعة مقدمة وقال: لا يقبل. والعدل متأخر ، وفي الآية الثانية العدل مقدم والشفاعة مؤخرة وقال لا تنفع . قوله تعالى: (لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً) كم نفساً هنا؟ إنهما اثنتان ، النفس الأولى هي الجازية ، والنفس الثانية هي المجزي عنها ، وقوله تعالى (لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) هنا الضمير يعود إلى النفس الأولى الجازية التي تتقدم للشفاعة عند الله وتحاول أن تتحمل عن النفس المجزي عنها ، فالمعنى أنه سيأتي إنسان صالح يوم القيامة ليشفع عند الله تعالى لإنسان أسرف على نفسه ، فلا تقبل شفاعته ، فإذا فشلت الشفاعة (وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) ولا يسمح له بأي مساومة أخرى ، وهذا ترتيب طبيعي للأحداث فقد طلب هؤلاء الشفاعة أولا ولم تقبل ، فدخلوا في حد آخر وهو العدل فلم يؤخذ . في الآية الثانية يتحدث الله تبارك وتعالى عن النفس المجزي عنها قبل أن تستشفع بغيرها وتطلب منه أن يشفع لها ، لابد أن تكون قد ضاقت حيلها وعزت عليها الأسباب فيضطر أن يذهب لغيره وفي هذا اعتراف بعجزه ، فيقول يا رب ماذا أفعل حتى أكفر عن ذنوبي فلا يقبل منه ، فيذهب إلى من تقبل منهم الشفاعة فلا تقبل شفاعتهم (لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ) أي أن الضمير هنا عائد على النفس المجزي عنها. فهي تقدم العدل أولاً والعدل هو المقابل كأن يقول المسرف على نفسه يا رب فعلت كذا وأسرفت على نفسي فأعدني إلى الدنيا أعمل صالحاً فلا يقبل منها ، فتبحث عن شفعاء فلا تجد ولا تنفعها شفاعة. فعندما تقرأ قول الله سبحانه وتعالى: ( اتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ) مكررة في الآيتين لا تظن أن هذا تكرار. لأن إحداهما ختامها: ( لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ). والثانية: ( لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ ). فالضمير مختلف في الحالتين. مرة يرجع إلى النفس الجازية فقدم الشفاعة وأخر العدل ، ولكن في النفس المجزي عنها يتقدم العدل وبعد ذلك الشفاعة. * في الأولى قدّم الشفاعة وأخّر العدل لأن قبل هذه الآية قال (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) هم يأمرون الناس بالبر فظن هؤلاء أن هؤلاء يشفعون لهم ، لما يأمر بالبر وينسى نفسه فهؤلاء لا يقبل منهم شفاعة (وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) لأنه قال (وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً) باعوا الدين ، لما قبضوا الثمن ربنا لا يأخذ منها عدل، هم أخذوا لكن ربنا لا يأخذ منهم ، هذه نظير تلك. * العدل معناه ما يعادل الجُرم الذي هو الفدية وإيصال هذا المال لمستحقه في حال قيام الإنسان بجريمة أو ما شابه له أسلوبان: الأول أن يرسل وفد صالح وشفاعة حتى يقبلوا ما يقدمه لهم أولاً ثم يذهب بالفدية أو المقابل . والثاني أن يذهب ابتداء فيقدم ما عنده فإذا رفضوا يأتي بوسطاء يشفعون له . الآيتان كل واحدة منهما نظرت إلى صورة فنُفي الصورتان عن القبول فيما يتعلق بالأمم التي آمنت قبل اليهود بشكل خاص حتى يؤمنوا بالله تعالى ورسوله محمد وبكتابه ، نجمع بين الآيتين على بعد ما بينهما هذه نظرت في صورة وهذه نظرت في صورة فانتفت كلتا الصورتين فالقرآن الكريم يأّس بني إسرائيل من الحالتين لا يقبل منكم عدل إبتداء وبعده شفاعة ولا شفاعة ابتداء ثم يأتي العدل بعد ذلك لا ينفعكم إلا أن تتبعوا محمداً . * إن أحوال الأقوام في طلب الفِكاك عن الجُناة تختلف فمرة تراهم يٌقدّمون الفِداء فإذا لم يُقبل منهم يُقدِّمون الشفعاء وتارة يُقدِّمون أولاً الشفعاء فإذا لم تقبل شفاعتهم عرضوا الفداء فعرضت الآيتان أحوال نفوس الناس في فِكاك الجُناة. * استعمل المذكر (يقبل) مع الشفاعة بينما جاء الفعل (تنفعها) مؤنثاً مع كلمة الشفاعة نفسها: الفعل (يقبل) لم يُذكّر مع الشفاعة إلا في الآية ١٢٣ من سورة البقرة وهنا المقصود أنها جاءت لمن سيشفع بمعنى أنه لن يُقبل ممن سيشفع أو من ذي الشفاعة ، أما في الآية الثانية فالمقصود الشفاعة نفسها لن تنفع وليس الكلام عن الشفيع. وقد وردت كلمة الشفاعة مع الفعل المؤنث في القرآن الكريم في آيات أخرى منها (لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً (٢٣)يس) . وفي لغة العرب يجوز تذكير وتأنيث الفعل فإذا كان المعنى مؤنّث يستعمل الفعل مؤنثاً وإذا كان المعنى مذكّراً يُستعمل الفعل مذكّراً.
مختصر لمسات بيانية
بلاغة القرآن
(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) قوله تعالى: { وَاتَّقُواْ يَوْماً } يذكرهم بهذا اليوم. وهو يوم القيامة الذي لا ينفع الإنسان فيه إلا عمله. ويطلب الحق سبحانه وتعالى منهم أن يجعلوا بينهم وبين صفات الجلال لله تعالى في ذلك اليوم وقاية. إن هناك آية أخرى تقول:{ وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ }[البقرة: 123] وهذه الآية وردت مرتين. وصدر الآيتين متفق. ولكن الآية الأولى تقول: { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ } والآية الثانية: { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } هل هذا تكرار؟ نقول لا. والمسألة تحتاج إلى فهم. فالآيتان متفقتان في مطلعهما: في قوله تعالى: { وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً }. ففي الآية الأولى قدم الشفاعة وقال: لا يقبل. والثانية أخر الشفاعة وقال لا تنفع. الشفاعة في الآية الأولى مقدمة. والعدل متأخر، وفي الآية الثانية العدل مقدم والشفاعة مؤخرة.. وفي الآية الأولى لا يقبل منها شفاعة. وفي الآية الثانية.. لا تنفعها شفاعة. والمقصود بقوله تعالى: { اتَّقُواْ يَوْماً } هو يوم القيامة الذي قال عنه سبحانه وتعالى:{ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }[الانفطار: 19] وقوله تعالى: { لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً } كم نفسا هنا؟ إنهما اثنتان. نفس عن نفس. هناك نفس أولى ونفس ثانية. فما هي النفس الأولى؟ النفس الأولى هي الجازية. والنفس الثانية.. هي المجزي عنها.. ومادام هناك نفسان فقوله تعالى: { لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } هل من النفس الأولى أو الثانية؟ إذا نظرت إلى المعنى فالمعنى أنه سيأتي إنسان صالح في يوم القيامة ويقول يا رب أنا سأجزي عن فلان أو أغني عن فلان أو أقضي حق فلان. النفس الأولى أي النفس الجازية تحاول أن تتحمل عن النفس المجزي عنها. ولكي نقرب المعنى ولله المثل الأعلى نفترض أن حاكما غضب على أحد من الناس وقرر أن ينتقم منه أبشع انتقام. يأتي صديق لهذا الحاكم ويحاول أن يجزي عن المغضوب عليه. فبما لهذا الرجل من منزلة عند الحاكم يحاول أن يشفع للطرف الثالث. وفي هذه الحالة إما أن يقبل شفاعته أو لا يقبلها. فإذا لم يقبل شفاعته فإنه سيقول للحاكم أنا سأسدد ما عليه.. أي سيدفع عنه فدية، ولا يتم ذلك إلا إذا فسدت الشفاعة. فإذا كانت المسألة وفي يوم القيامة ومع الله سبحانه وتعالى.. يأتي إنسان صالح ليشفع عند الله تبارك وتعالى لإنسان أسرف على نفسه. فلابد أن يكون هذا الإنسان المشفع من الصالحين حتى تقبل شفاعته عند الحق جل جلاله. واقرأ قوله سبحانه:{ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه }[البقرة: 255] وقوله تعالى:{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ }[الأنبياء: 28] والإنسان الصالح يحاول أن يشفع لمن أسرف على نفسه فلا تقبل شفاعته ولا يؤخذ منه عدل ولا يسمح لها بأي مساومة أخرى. إذن لا يتكلم عن العدل في الجزاء إلا إذا فشلت الشفاعة. هنا الضمير يعود إلى النفس الجازية. أي التي تتقدم للشفاعة عند الله. فيقول الحق سبحانه وتعالى: ( لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) فلا يقبل منها أي مساومة أخرى. ويقول سبحانه: ( وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ). وهذا ترتيب طبيعي للأحداث. في الآية الثانية يتحدث الله تبارك وتعالى عن النفس المجزي عنها قبل أن تستشفع بغيرها وتطلب منه أن يشفع لها. لابد أن تكون قد ضاقت حيلها وعزت عليها الأسباب. فيضطر أن يذهب لغيره. وفي هذا اعتراف بعجزه. فيقول يا رب ماذا أفعل حتى أكفر عن ذنوبي فلا يقبل منه. فيذهب إلى من تقبل منهم الشفاعة فلا تقبل شفاعتهم. وإذا أردنا أن نضرب لذلك مثلا من القرآن الكريم فاقرأ قول الحق تبارك وتعالى:{ وَلَوْ ترى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ }[السجدة: 12] هؤلاء هم الذين يطلبون العدل من الله. بأن يعيدهم إلى الدنيا ليكفروا عن سيئاتهم. ويعملوا عملا صالحا ينجيهم من العذاب. ذلك أن الحسنات يذهبن السيئات.. فماذا كان رد الحق سبحانه وتعالى عليهم. قال جل جلاله:{ فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـاذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }[السجدة: 14] فهم عرضوا أن يكفروا عن سيئاتهم. بأن طلبوا العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحا. فلم يقبل الله سبحانه وتعالى منهم هذا العرض. اقرأ قوله تبارك وتعالى:{ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }[الأعراف: 53] لقد طلب هؤلاء الشفاعة أولا ولم تقبل. فدخلوا في حد آخر وهو العدل فلم يؤخذ مصداقا لقوله تعالى: ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ {.. وهكذا نرى الاختلاف في الآيتين. فليس هناك تكرار في القرآن الكريم.. ولكن الآية التي نحن بصددها تتعلق بالنفس الجازية. أو التي تريد آن تشفع لمن أسرف على نفسه: ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ). والآية الثانية: ( لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ ). أي أن الضمير هنا عائد على النفس المجزي عنها. فهي تقدم العدل أولا: ( ارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً ) فلا يقبل منها، فتبحث عن شفعاء فلا تجد ولا تنفعها شفاعة. وهذه الآيات التي أوردناها من القرآن الكريم كلها تتعلق بيوم القيامة. فعندما تقرأ قول الله سبحانه وتعالى: ( اتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ) مكررة في الآيتين لا تظن أن هذا تكرار. لأن إحداهما ختامها: ( لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ). والثانية: ( لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ ). فالضمير مختلف في الحالتين. مرة يرجع إلى النفس الجازية فقدم الشفاعة وأخر العدل. ولكن في النفس المجزي عنها يتقدم العدل وبعد ذلك الشفاعة. وقول الحق سبحانه وتعالى: ( لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ ). ( لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ). العدل هو المقابل. كأن يقول المسرف على نفسه يا رب فعلت كذا وأسرفت على نفسي فأعدني إلى الدنيا أعمل صالحا. وكلمة العدل مرة تأتي بكسر العين وهي مقابل الشيء من جنسه. أي أن يعدل القماش قماش مثله ويعدل الذهب ذهب مثله. وعدل بفتح العين مقابل الشيء ولكن من غير جنسه. والعدل معناه الحق والعدل لا يكون إلا بين خصمين. ومعناه الإنصاف ومعناه الحق. والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. وأنك لا تتحيز لجهة على حساب جهة أخرى. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يجلس مع أصحابه يوزع نظره إلى كل الجالسين.. حتى لا يقال أنه مهتم بواحد منهم عن الآخر. *ما دلالة الاختلاف في الشفاعة والعدل بين آيتي سورة البقرة (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)) و (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123))؟ ولماذا تغير الفعل مع عدل (يؤخذ ويُقبل)؟
محمد متولي الشعراوي
بلاغة القرآن
العدل معناه ما يعادل الجُرم الذي هو الفدية. إيصال هذا المال أو المبلغ لمستحقه في حال قيام الإنسان بجريمة أو ما شابه لأهل المرتكب عليه الجريمة أو الشخص نفسه الإيصال له أسلوبان: الأول أن يرسل وفد صلح وشفاعة حتى يقبلوا ما يقدمه لهم فيبدأوا أولاً بإرسال الوفد ثم يذهب بالفدية أو المقابل. والصورة الأخرى أن يذهب ابتداء فيقدم ما عنده فإذا رفض يذهب ويأتي بوسطاء يسفعون له. الآيتان كل واحدة منهما نظرت إلى صورة. فنُفي الصورتان عن القبول فيما يتعلق بالأمم التي آمنت قبل اليهود بشكل خاص حتى يؤمنوا بالله تعالى ورسوله محمد  وبكتابه. الآية الأولى (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)) هذه الصورة الأولى تقدمون الشفاعة غير مقبولة. الشفاعة ى تقبل والفدية لا تؤخذ. الآية (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)) هذه الصورة الثانية. نجمع بين الآيتين على بعد ما بينهما هذه نظرت في صورة وهذه نظرت في صورة فانتفت كلتا الصورتين يعني لا يمكن أن يقبل منكم إلا أن تتبعوا هذا النبي لا تقدموا ابتداء ولا تأتون بالشفاعة هذا كله لا يُقبل والذي يقبل منكم هو الإيمان بما أنزلت مصدقاً لما معك. (لا يقبل منها) استعمل المذكر (يقبل) مع الشفاعة. الشفاعة مؤنثة حتى تكون الشفاعة مطلقة إذا فصلت بين المؤنث والمجازي.التأنيث. مع المؤنث الحقيقي يجوز التذكير والتأنيث يقول ذهب إلى الجامعة فاطوة وذهبت إلى الجامعة فاطمة هكذا إذا كان هناك فصل. لكن ذهبت فاطمة لا يجوز غير هذا، إلا ذهبت فاطمة. أما المؤنث المجازي تقول: طلعت الشمس وطلع الشمس ابتداء فهنا مؤنث مجازي ومع ذلك فصل فذكَّر حتى يكون الكلام عاماً عن الشفاعة أياً كانت ليس لتأنيثها وإنما جعلها عامة يعني لا يقبل منها أي شيء من أشياء الشفاعة. كأنه نوع من التيئيس لأن الإنسان إذا ارتكب جرماً إما أن يذهب بالعدل أي المال المقابل للجرم إلى القبيلة فإذا رُفِض يذهب ويأتي بالشفعاء أو العكس يأتي بالشفعاء أولاً حتى يقبلوا العدل منه. فالقرآن الكريم يأّس بني إسرائيل من الحالتين لا يقبل منكم عدل إبتداء وبعده شفاعة ولا شفاعة ابتداء ثم يأتي العدل بعد ذلك لا ينفعكم إلا أن تتبعوا محمداً . *د.أحمد الكبيسي: الآية الأولى (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿47﴾ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴿48﴾ البقرة) الشفاعة أولاً العدل الفداء يعني الفدية شخص يفتدي نفسه بمال الشفاعة لا بدون مال مجاناً لكنه بوجاهة أحد الناس يشفع لك . إذاًَ أول مرة قال (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) شفاعة أولاً وعدلٌ ثانياً في آية123 غيّر الترتيب قال (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴿123﴾ البقرة) يقبل منها عدل أي فدية ولا تنفعها شفاعة. لماذا في الأولى قدم الشفاعة وأخّر الفدية وفي الثانية أخر الشفاعة وقدم الفدية؟ باختصار شديد الحديث لبني إسرائيل ورب العالمين يخاطبهم في هاتين الآيتين يحذرهم من أن هذه النعم التي أنعم الله بها عليهم أنهم لم يؤدوا شكرها فيحذرهم يقول اتقوا ذلك اليوم القادم وهو يوم القيامة في ذلك اليوم مرة قال (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) الثانية بالعكس. الفرق أن بني إسرائيل ككل الأمم نوعان نوعٌ حريصٌ جداً على المال أكثر من حرصه على حياته هذا موجود في كل الأمم لكن في اليهود أكثر. المعروف أن اليهود يحبون المال حباً أكثر من أنفسهم ألف مرة بحيث أن الإنسان يقدم نفسه فداء لحفظ ماله ولا يقدم ماله فداء لحفظ نفسه وهذا موجود في كل الدنيا لكن في بني إسرائيل ظاهرة. إذاً خاطبهم وقال (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ) قدّم العدل وهو الفداء في الآية التي قدم فيها الفداء يخاطب أولئك اليهود الذين يفدون مالهم بأنفسهم، هذا واحد. في الآية الثانية أيضاً هناك فريق ثاني ولا ينكر كما في كل الأمم هناك من تكون نفسه عزيزة عليه ولهذا يفديها بماله يعطي المال ولا يعرّض نفسه للموت. من أجل هذا رب العالمين في الآيتين خاطب الفريقين والفريقان في بني إسرائيل ظاهران معروفان متميزان قومٌ بلغ بهم البخل إلى حد أنه يفدي ماله بنفسه وقسم بلغ بهم حب الحياة كما رب العالمين سبحانه وتعالى وصفهم في آية أخرى أنهم يحبون الحياة هؤلاء يفدي نفسه بالمال وبالتالي في كل ترتيبٍ من هاتين الآيتين رب العالمين يخاطب شريحة من شرائح بني إسرائيل وهاتان الشريحتان ليستا في عصرٍ واحد يعني جاء عهد شاع في بني إسرائيل حب المال حباً عظيماً وفي عهد شاع فيه حب الحياة وبالتالي هاتان الآيتان تخاطب جميع اليهود على اختلاف أدوارهم في التاريخ عموماً. نلاحظ أيضاً أن كلمة شفاعة جاءت منكّرة الشفاعة في القرآن تأتي عادة معرّفة (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ﴿109﴾ طه) حينئذٍ الشفاعة هناك معروفة شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، لما نكرها قال (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ) الشفاعة المنكّرة يعني أن هناك شفاعات متعددة وأنواع متعددة من الشفاعات وهذه معروفة الشفاعات في الإسلام كثيرة أهمها وأعظمها وأكرمها وأوفاها الشفاعة الكبرى شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم (شفاعتي حق لأهل الكبائر من أمتي) (قم يا محمد فاشفع تشفع) هذه الشفاعة الكبرى ولكن هناك شفاعات إلى جانب هذه الشفاعة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول للشهيد شفاعة إذا مات شخص وهو شهيد يشفع لسبعين من أهل بيته، هناك المُسِنّ المؤمن إذا بلغ المؤمن تسعين عاماً يعني مات بعد التسعين شفعه الله في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار، العالم العامل يشفع في عشرة من أهل بيته، الزهراوان البقرة وآل عمران يشفعان، رمضان يشفع، قيام الليل القرآن الكريم يشفع وهكذا شفاعات كثيرة فرب العالمين لما قال نكرة قال (وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ) أيّ شفاعة كانت من الشفاعات لا تنفع من لا يتقي ذلك اليوم ولا يحسب له حساباً ولا يعمل له وإنما يكون كل همه في الدنيا كما هم بنو إسرائيل عموماً. الخطاب لبني إسرائيل بنو إسرائيل أبصر الناس بالحياة ما من أحد بصير بالحياة كبني إسرائيل وهذا شيء معروف والتطبيق العملي أمام أعيننا جميعاً كما هم الآن في العالم يحكمون العالم كله ما من بقعة ولا دولة في العالم إلا ولليهود عليها دالة. حينئذٍ هؤلاء الله قال (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴿24﴾ يونس) وأهل الدنيا هم اليهود من حيث أن الله أخبرنا بأنهم سوف يعلون علواً كبيراً بحيث يكون سلطانهم على جميع سكان الأرض كما هو الحال اليوم وهذا من علامات القيامة كما هو في الآية.
حسام النعيمي
بلاغة القرآن
*قال تعالى فى سورة لقمان (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) وفي البقرة قال (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً (48) البقرة) فما الفرق بين الوالد والولد والنفس؟ لا ننسى أنه في سورة لقمان ذكر الوالدين والوصية بهما (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) والسورة تحمل اسم لقمان (والد) وهي مأخوذة من موقف وموعظة لقمان لابنه وكيف أوصاه ووصية ربنا بالوالدين وهي داخل وصية لقمان لابنه، إذن هذه أنسب أولاً مع إسم السورة ومع ما ورد في السورة من الإحسان إلى الوالدين والبر بهما ومصاحبتهما في الدنيا معروفاً، في البقرة لم يذكر هذا. فإذن ذكر الوالد والولد في آية لقمان مناسب لما ورد في السورة من الإحسان إلى الوالدين والبر ومع أنه قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) ذكّر أن هذا خاص بالدنيا. في هذه الآية (لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) هذا في الآخرة إذن المصاحبة بالمعروف والإحسان إليهما وما وصى به في السورة لا يمتد إلى الآخرة (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) إذن الإحسان مرتبط بالدنيا فقط، إذن لا يتوقع الأب أن ولده سيجزي عنه في الآخرة، عليه أن لا يتوقع ذلك وأن هذه المصاحبة ستنقطع في الدنيا وهي ليست في أمور الآخرة فإذن هذه مناسبة لقطع أطماع الوالدين المشركين أنه إذا كان ولدهما مؤمناً فلا ينفع عنهما ولا يدفع ولا يجزي عنهما شيئاً في الآخرة فإذن هي مناسبة لما ورد في السورة من ذكر الوالدين والأمر بالمصاحبة لهما ونحوه. *في قوله تعالى فى سورة لقمان(وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) هذه جملة صفة والقياس كما نعلم أنه في جملة الصفة لا يجزي فيه والد عن ولده كما قال (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (281) البقرة) (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) النور) فما الفرق؟ جملة الصفة يكون فيها عائد يعود على الموصوف ضمير قد يكون مذكوراً وقد يكون مقدّراً وهنا مقدر يعني النحاة يقدرون لا يجزي فيه هذا من حيث التقدير، هو جائز الذكر وجائز التقدير لأنه ذكرها في مواطن أخرى (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ) يبقى لماذا اختار عدم الذكر؟ الأمران جائزان وقد ذكرا في مواطن. عادة الحذف يفيد الإطلاق عموماً يعني فلان يسمعك أو فلان يسمع، يسمع أعم، يقول الحق أو يقول، يقول أعم، عدم ذكر المتعلقات يفيد الإطلاق، يعطي المال أو يعطي، يعطي أعمّ. إذن هو الآن أظهر التعبير بمظهر الإطلاق لم يذكر (فيه) معناه أظهره بمظهر الإطلاق. حق السؤال لماذا لم يذكر هنا وفي مواطن ذكر؟ لو جزى والد عن ولده لو دفع في يوم القيامة هل هذا الجزاء يختص بهذا اليوم أو بما بعده؟ بذلك اليوم، لو جزى والد عن ولده (بدون فيه) لو جزى عنه يعني لو قضى عنه ما عليه، هذا الجزاء سيكون الجنة، لو جزى لى يكون في ذلك اليوم انتهى وإنما الخلود وسيدخل الجنة، إذن الجزاء ليس في ذلك الوقت وإنما أثر الجزاء سيمتد، الجزاء سيكون في هذا اليوم ولكن الأثر هو باق ولذلك حيث قال لا يجزي لم يقل (فيه) في كل القرآن مثال: (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (48) البقرة) ما قال (فيه)، (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (123) البقرة) بخلاف الآيات التي فيها (فيه) (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (281) البقرة) توفى في ذلك اليوم وإما يذهب للجنة وإما إلى النار. (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) في ذلك اليوم وبعدها ليس فيه تقلب لأنه يذهب للجنة، ذِكر (فيه) خصصها باليوم فقط لما قال (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ) هذا في يوم القيامة وليس مستمراً يومياً، الذي في الجنة توفي والذي في النار توفي عمله، التوفي في يوم القيامة توفية الحساب في يوم هو يوم القيامة وأثر التوفية إما يذهب إلى الجنة وإما إلى النار، تقلّب القلوب والأبصار في يوم القيامة ثم يذهب الناس إلى الجنة ولا يعود هناك تقلب قلوب ولا أبصار، وأصحاب النار في النار. لو جزى والدٌ عن ولده لكان أثر الجزاء ليس خاصاً في ذلك اليوم وإنما تمتد إلى الخلود إلى الأبد ولذلك لم يذكر (فيه) وأخرجه مخرج الإطلاق. لذلك حيث قال لا تجزي لم يقل (فيه) لنفي المتعلق وما يترتب عليها فيما بعد. *ما اللمسة البيانية في تذكير كلمة شفاعة مرة وتأنيثها مرة أخرى في سورة البقرة؟ قال تعالى في سورة البقرة (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ {48}‏) وقال في نفس السورة (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ {123}).جاءت الآية الأولى بتذكير فعل (يقبل) مع الشفاعة بينما جاء الفعل (تنفعها) مؤنثاً مع كلمة الشفاعة نفسها. الحقيقة أن الفعل (يقبل) لم يُذكّر مع الشفاعة إلا في الآية 123 من سورة البقرة وهنا المقصود أنها جاءت لمن سيشفع بمعنى أنه لن يُقبل ممن سيشفع أو من ذي الشفاعة. أما في الآية الثانية فالمقصود الشفاعة نفسها لن تنفع وليس الكلام عن الشفيع. وقد وردت كلمة الشفاعة مع الفعل المؤنث في القرآن الكريم في آيات أخرى منها في سورة يس (أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ {23}) وسورة النجم (وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى {26}). وفي لغة العرب يجوز تذكير وتأنيث الفعل فإذا كان المعنى مؤنّث يستعمل الفعل مؤنثاً وإذا كان المعنى مذكّراً يُستعمل الفعل مذكّراً، والأمثلة في القرآن كثيرة منها قوله تعالى في سورة الأنعام (قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ {11}) وسورة يونس (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ {73}) المقصود بالعاقبة هنا محل العذاب فجاء الفعل مذكراً، أما في قوله تعالى في سورة الأنعام (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ {135}) سورة القصص (وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ {37}) فجاء الفعل مؤنثاً لأن المقصود هو الجنّة نفسها
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
(وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ) الآية الأولى تتكلم عن صاحب العمل لو شفع هو لغيره، فلن يقبل منه فليس هو أهل للشفاعة حتى يشفع ، وحتى عمله ليس بنافعه أصلاً. أما الآية الثانية فهي تتكلم عن صاحب العمل الذي يبحث عن الشفعاء، بعد أن أيس من عمله أن ينفعه فليس بالعمل الصالح الذي يقدمه، فلا هو بالذي نفعه عمله ، ولا هو بالذي انتفع بشفاعة غيره .(في المطبوع 1/316)
محمد متولي الشعراوي
بلاغة القرآن
( ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ) ، ( ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ) في هاتين الآيتين تيئيس لبني إسرائيل من دخول الجنة فمهما توسط الشفعاء وهم رسلهم ، أو قدموا من العدل وهو الفدية ليفتدوا بها ، لن يدخلوا الجنة ، مالم يتبعوا النبي عليه السلام .
صالح التركي / من لطائف القرآن
بلاغة القرآن
ما الحكمة من تبديل موضع العدل والشفاعة تلك الآيتين ؟
عدنان عبدالقادر
بلاغة القرآن
برنامج لمسات بيانية (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (48)) وفي آية أخرى (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (123)) في الأولى قدّم الشفاعة وأخّر العدل لأن قبل هذه الآية التي قدّم فيها الشفاعة قال (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44) البقرة) هم يأمرون الناس بالبر ظن هؤلاء أن هؤلاء يشفعون عند الله لأنهم قد ينتفعون بما تقول، أحياناً الواعظ يعظ فينتفع السامع وهو ما ينتفع به، فظن هؤلاء أن هؤلاء يشفعون لهم، لما يأمر بالبر وينسى نفسه لا يفعله فظن أن هؤلاء سينتفعون فما يقبل منها شفاعة، هؤلاء لا يقبل منهم شفاعة. (وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) لأنه قال (وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً (41)) باعوا الدين، لما اشتروا معناها قبضوا الثمن وربنا لا يأخذ منهم كما أخذوا، لا يؤخذ منها عدل، هم أخذوا لكن ربنا لا يأخذ منهم، كلمة لا يؤخذ منها عدل بمقابل ما أخذوا هم والشفاعة بمقابل ما ظنوا لأنهم فعلوا ونصحوا وهم لم يفعلوا، فهؤلاء لا تقبل منهم شفاعة. (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ) لا يقبل منها عدل ليس بالضرورة أموال (أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا (95) المائدة) أي شيء لا يُقبل منها، تلك لا يؤخذ لأنه قبض مالاً، هذه نظير تلك. * لماذا غيّر الترتيب في الآية الثانية؟ لأنها ليس فيها هذه الأمور (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (123)) ليس فيها الأمور التي في سياقها تستوجب التقديم والأخذ، الشفاعة لها ضوابط، الشفاعة ليست مطلقة لأي أحد في أيّ زمان إلا لمن ارتضى (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى (28) الأنبياء) الشفاعة المطلقة هي للرسول عليه الصلاة والسلام يشفع لأمته على العموم. والشفاعة المقيدة قد يشفع الرجل لأبيه أو أمه، ورد فيها آثار أنه يشفع. * تقديم وتأخير الشفاعة؟ موقع الأولى قال (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) محتمل أن هذه تنفعه فقدّم الشفاعة أما الثانية فليس فيها هذا.
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
قوله تعالى: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ. .) . فإِن قلتَ: ما الحكمةُ في تقديم الشَّفاعة هنا، وعكسُه فيما يأتي؟ قلتُ: للِإشارة هنا إلى مَنْ ميلُه إلى حبِّ نفسه أشد منه إلى حبِّ المال، وَثَمَّ إلى مَنْ هو بعكس ذلك.
كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
أحكام القرآن
من أحكـام القرآن أحكام الآيتين 47-48
محمد بن صالح ابن عثيمين