عن جابر بن عبد الله، أنّ نبي الله ﷺ قال: «لا تزال المغفرة تَحُلُّ بالعبد، ما لم يرفع الحجاب». قيل:يا نبي الله، وما الحجاب؟ قال: «الشركُ به، وما مِن نفسٍ تلقاه لا تشرك به شيئًا إلا حلَّت لها المغفرة مِن الله؛ إن شاء غفر لها، وإن شاء عذَّبها». ثم قال: لا أعلم إلا أنّ نبي الله ﷺ قرأ: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾١
٢
عن أبي هريرة -من طريق أبي نَضْرَة- أنّ رجلًا قرأ هذه السورة، حتى أتى على هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾. قال أبو هريرة: هذه في القرآن كله؛ ما أوْعَدَ اللهُ أهلَ الصلاة في عملٍ عملوه من العذاب فقد أتى عليه هذا كله، وقول رجل [لمملوكه]١: لأفعلنَّ بك كذا وكذا إن شاء الله٢
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال في هذه الآية: إنّ الله حرَّم المغفرة على مَن مات وهو كافر، وأَرْجَأَ أهلَ التوحيد إلى مشئيته، فلم يُؤَيِّسْهم من المغفرة١
٤
عن بكر بن عبد الله المزني -من طريق غالب القَطّان- ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، قال: ثُنْيا١ من ربِّنا على جميع القرآن٢
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ فيموت عليه، يعني: اليهود، ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ الشرك ﴿لمن يشاء﴾ لِمن مات مُوَحِّدًا، فمشيئته -تبارك وتعالى- لأهل التوحيد١
٦
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله. فأمّا الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة﴾ [المائدة:٧]، وقال الله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾. وأمّا الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا فظُلْمُ العبد نفسَه فيما بينه وبين ربه، مِن صومٍ تَرَكه، أو صلاة تركها، فإنّ الله يغفر ذلك، ويتجاوز عنه إن شاء. وأمّا الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا فظُلْمُ العبادِ بعضَهم بعضًا؛ القَصاص لا مَحالَةَ»١
٧
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يموت لا يشرك بالله شيئًا إلّا حلَّت له المغفرة؛ إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، إنّ الله استثنى فقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾»١
آثار متعلقة بالآية
١٢ قولًا
١
عن أبي ذرٍّ، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ، فقال: «ما مِن عبد قال: لا إله إلا الله. ثُمَّ مات على ذلك، إلا دخل الجنة». قلتُ: وإن زنى، وإن سرق؟ قال: «وإن زنى، وإن سرق». قلت: وإن زنى، وإن سرق؟ قال: «وإن زنى، وإن سرق». ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: «على رَغْم أنفِ أبي ذَرٍّ»١
٢
عن أبي ذَرٍّ، عن رسول الله ﷺ، قال: «إنّ الله يقول: يا عبدي، ما عبدتني ورجوتني فإنِّي غافِرٌ لك على ما كان فيك. ويا عبدي، لو لقيتني بقُرابِ الأرض خطايا، ما لم تُشْرِك بي شيئًا، لقيتك بقُرابها مغفرة»١
٣
عن أبي ذرٍّ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَن مات لا يعدِل بالله شيئًا، ثُمَّ كانت عليه من الذنوب مثل الرمال؛ غُفِر له»١
٤
عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله ﷺ: «ذنب لا يُغفَر، وذنب لا يُترَك، وذنب يُغفَر؛ فأمّا الذي لا يغفر فالشرك بالله، وأما الذي يُغفَر فذنبٌ بينه وبين الله عز وجل، وأما الذي لا يُترَك فظلمُ العبادِ بعضِهم بعضًا»١
٥
عن عبد الله بن عباس، عن رسول الله ﷺ، قال: «قال اللهُ عز وجل: مَن عَلِم أنِّي ذُو قُدْرَةٍ على مغفرة الذنوب غفرتُ له، ولا أُبالي، ما لم يُشْرِك بي شيئًا»١
٦
عن سلمة بن نعيم، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن لَقِيَ اللهَ لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق»١
٧
عن عبد الله بن مسعود، قال: أربع آيات في كتاب الله عز وجل أحبُّ إلَيَّ مِن حُمُرِ النَّعَم وسُودِها، في سورة النساء: قوله: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ الآية [٤٠]، وقوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية، وقوله: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾ الآية [٦٤]، وقوله: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه﴾ الآية [١١٠]١
٨
عن علي بن أبي طالب، قال: أحبُّ آيةٍ إلَيَّ في القرآن: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾١
٩
عن أبي الجوزاء، قال: اختلفتُ إلى عبد الله بن عباس ثلاث عشرة سنة، فما مِن شيء من القرآن إلا سألتُه عنه، ورسولي يختلف إلى عائشة، فما سمعتُه ولا سمعتُ أحدًا من العلماء يقول: إنّ الله يقول لذنب: لا أغفره١
١٠
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق جعفر بن ميمون- قال: سيأتي على الناس زمانٌ تخرب صدورهم من القرآن، وتَبْلى كما تَبْلى ثيابهم، لا يجدون له حلاوةً، ولا لذاذةً، إن قصَّرُوا عما أمروا به قالوا: إنّ الله غفور رحيم، وإن عملوا ما نهوا عنه قالوا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك﴾، أمرهم كله طمعٌ، ليس معه خوف، لبِسوا جلودَ الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في أنفسهم المُداهِنُ١
١١
عن علي بن الحسين -من طريق الحسين بن واقد- قال:... أرجى آيةٍ في القرآن لأهل التوحيد: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك﴾ الآية١
١٢
قال عمر بن ذر: ذكرتُ لعطاء بن أبي رباح الكَفَّ عن تناول أصحاب رسول الله ﷺ، إلا ذكرهم بصالحِ ما ذكرهم الله، وأن لا يتناولهم بنقصِ أحدهم، ولا طعن عليه، وأن لا يشهد على أحدٍ من أهل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وصدَّق رسول الله، وأقرَّ بما جاء به من الله؛ أنّه كافر، وأنهم مؤمنون، مَن عمِل منهم حسنةً رَجَوْنا له ثوابَ الله، وأحببنا ذلك منه، ومَن تناول منهم معصيةَ الله كرِهنا ما عمِل به مِن معصية الله، وكان ذلك ذنبًا يغفره الله، أو يُعاقِب عليه إن شاء؛ فإنّ الله عز وجل يقول: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فذلك إلى الله، قال: هذا الذي أحببتُ أباك عليه، وهو الذي تفرَّق عنه أصحاب رسول الله ﷺ، يرحمهم الله، ويغفر لنا ولهم١
نزول الآية
١٠ أقوال
١
عن أبي أيوب الأنصاري، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إنّ لي ابنَ أخ لا ينتهي عن الحرام. قال: «وما دينه؟». قال: يُصَلِّي، ويُوَحِّد الله. قال: «اسْتَوْهِب منه دينَه، فإن أبى فابْتَعْه منه». فطلب الرجل ذلك منه، فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ، فأخبره، فقال: وجدتُه شحيحًا على دينه. فنزلت: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾١
٢
عن عبد الله بن عمر، قال: لَمّا نزلت: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ الآية [الزمر:٥٣] قام رجلٌ، فقال: والشِّرْكُ، يا نبي اللهِ؟ فكره ذلك النبي ﷺ، فقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية١
٣
عن عبد الله بن عمر، قال: كُنّا معشر أصحاب النبي ﷺ لا نشُكُّ في قاتلِ النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فأَمْسَكْنا عن الشهادة١
٤
عن عبد الله بن عمر، قال: كُنّا لا نشُكُّ فيمَن أوجب اللهُ له النارَ في كتاب الله، حتى نزلت علينا هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فلمّا سمعنا هذا كَفَفْنا عن الشهادة، وأَرْجَيْنا الأمورَ إلى الله١
٥
عن عبد الله بن عمر، قال: كُنّا نُمْسِك عن الاستغفار لأهل الكبائر، حتى سمعنا من نبينا ﷺ: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. وقال: «إنِّي ادَّخْرُت شفاعتي لأهل الكبائر مِن أُمَّتي». فأمسكنا عن كثير مِمّا كان في أنفسنا، ثم نطقنا بعد، ورَجَوْنا١
٦
عن عبد الله بن عمر، قال: كُنّا نُوجِب على أهل الكبائر، حتى نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء﴾. قال: فنهانا رسول الله ﷺ أن نُوجِب لأحد مِن المُوَحِّدِينَ النارَ١
٧
عن أبي مِجْلَز لاحق بن حميد، قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا﴾ الآية [الزمر:٥٣] قام النبي ﷺ على المِنبَر، فتلاها على الناس، فقام إليه رجلٌ، فقال: والشِّرْكُ بالله؟ فسكت، مرتين أو ثلاثًا؛ فنزلت هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فأُثْبِتَت هذه في الزمر، وأُثْبِتَت هذه في النساء١
٨
عن إسماعيل بن ثوبان، قال: شهِدتُ في المسجد قبل الدّاء الأعظم، فسمعتهم يقولون: ﴿من قتل مؤمنا﴾ إلى آخر الآية [النساء:٩٢]. فقال المهاجرون والأنصار: قد أوجب له النار. فلمّا نزلت: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ قالوا: ما شاء اللهُ، يصنع اللهُ ما يشاء١
٩
عن عبد الله بن عباس، قال: بعث رسول الله ﷺ إلى وحْشِيِّ بن حرب قاتلِ حمزة يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه: يا محمد، كيف تدعوني وأنت تزعم أنّ مَن قتل أو أشرك أو زنى ﴿يَلْقَ أثامًا * يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ [الفرقان:٦٨-٦٩]، وأنا صنعتُ ذلك؟! فهل تجد لي مِن رخصةٍ؟ فأنزل الله: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، فقال وحشي: هذا شرط شديد؛ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾، فلعلِّي لا أقدِرُ على هذا. فأنزل الله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾. فقال وحشيٌّ: هذا أرى بعد مشيئة، فلا أدري يَغفر لي أم لا، فهل غير هذا؟ فأنزل الله: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الزمر:٥٣]. قال وحْشِيٌّ: هذا، نعم. فأسلم، فقال الناس: يا رسول الله، إنّا أصَبْنا ما أصابَ وحْشِيٌّ. قال: «هي للمسلمين عامَّة»١
١٠
قال محمد بن السائب الكلبي في قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾: نزلت في وحشيِّ بن حرب وأصحابه، وذلك أنّه لَمّا قتل حمزةَ كان قد جُعِل له على قتله أن يُعْتَق، فلم يُوفَ له بذلك، فلمّا قدِم مكة نَدِم على صنيعه هو وأصحابُه، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ: إنّا قد ندِمنا على الذي صنعنا، وإنّه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنّا سمعناك تقول وأنت بمكة: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ الآيات [الفرقان:٦٨]، وقد دعونا مع الله إلهًا آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله، وزنينا، فلولا هذه الآيات لاتَّبعناك. فنزلت: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا﴾ الآيتين [الفرقان:٧٠-٧١]. فبعث بهما رسول الله ﷺ إليهم، فلمّا قرأوا كتبوا إليه: إنّ هذا شرط شديدٌ، نخاف أن لا نعمل عملًا صالحًا. فنزل: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فبعث بها إليهم، فبعثوا إليه: إنّا نخاف أن لا نكون من أهل المشيئة. فنزلت: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر:٥٣]. فبعث بها إليهم، فدخلوا في الإسلام، ورجعوا إلى النبي ﷺ، فقَبِل منهم، ثم قال لوَحْشِيٍّ: أخبِرْني كيف قتلتَ حمزةَ؟ فلمّا أخبره قال: «ويْحَكَ، غيِّبْ وجهَك عَنِّي». فلَحِق وحْشِيٌّ بالشام، فكان بها إلى أن مات١