عن محمد بن شهاب الزهري، وموسى بن عُقْبَة، قالا:... قال رجالٌ من المشركين لَمّا رَأَوْا قِلَّةَ مَن مع محمد ﷺ: غرَّ هؤلاء دينُهم. فأنزل الله: ﴿ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾١
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، يعني: الكفر، نَزَلَتْ في قيس بن الفاكِه، ولم يَتَجَمَّعْ جَمْعٌ قط منذ يوم كانت الهزيمة أكثر من يوم بدر، وذلك أن إبليس جاء بنفسه، وجاء كل شيطانٍ مُوَكَّلٍ بالدنيا إلا شيطان مُوَكَّل١ بآدمي، وكفار الجن كلهم، وسبعمائة من المشركين عليهم أبو جهل بن هشام، وكان قبل ذلك في ألف رجل، فَرَدَّ منهم أُبَيُّ بن شَرِيقٍ ثلاثمائة من بني زُهْرَة، وذلك أن أُبَيَّ بن شَرِيقٍ خلا بأبي جهل، فقال: يا أبا الحَكَم، أكَذّاب محمد ﷺ؟ فقال: والله ما يكذب محمد ﷺ على الناس، فكيف يكذب على الله. وكان يُسَمّى قبل النبوة الأمين؛ لأنه لم يَكْذِب قط. فقال أبو جهل: ولكن إذا كانت السِّقايَة في بني عبد مناف والحجابة والمشورة والولاية، حتى النبوة أيضًا! فلما سَمِع أُبَيُّ بن شَرِيقٍ قول أبي جهل: إن محمدًا لم يكذب؛ رَدَّ أصحابه عن قتال محمد عليه السلام، فَخَنَسَ٢، فسُمّي الأَخْنَس بن شَرِيقٍ؛ لأنه خَنَسَ بثلاثمائة رجل من بني زُهْرَة يوم بدر عن قتال محمد عليه السلام، وبقي سبعمائة عليهم أبو جهل ابن هشام، والنبي ﷺ يومئذ فى ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، وسبعين من مؤمني الجن، وألف من الملائكة عليهم جبريل عليه السلام، فكان جبريل على خمسمائة على مَيْمَنَة الناس، وميكائيل على خمسمائة في مَيْسَرَة الناس، ولم تقاتل الملائكة قتالًا قط إلا يوم بدر، وكانوا يومئذ على صُوَر الرجال، وعلى قُوَّة الرجال، على خُيُول بُلْقٍ٣، وكان جبريل عليه السلام يسير أمام صف المسلمين، ويقول: أبشروا؛ فإنّ النصر لكم. وما يرى المسلمون إلا أنه رجل منهم٤
٣
عن عبد الملك بن جُرَيْج -من طريق علي-، قال:... لَمّا دَنا القومُ بعضُهم مِن بعض قَلَّل اللهُ المسلمينَ في أعْيُنِ المشركين، وقلَّل اللهُ المشركين في أعينِ المسلمين، فقال المشركون: وما هؤلاء؟ غَرَّ هؤلاء دينُهم! وإنما قالوا ذلك مِن قِلَّتِهم في أعينِهم، وظنّوا أنهم سيَهزِمونَهم، لا يَشُكُّون في ذلك، فقال الله: ﴿ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾١
٤
عن أبي هريرة -من طريق هلال- قال: قال عُتبة بن ربيعة وناسٌ معه من المشركين يوم بدر: غرَّ هؤلاء دينُهم. فأنزل الله: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم﴾١
تفسير
١١ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿إذ يقول المنافقون﴾، قال: وهم يومئذٍ في المسلمين١
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم﴾، قال: فِئَةٌ من قريش: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زَمْعَة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن منبه بن الحجاج، خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب، فحَبَسهم ارتيابُهم، فلمّا رأوا قلة أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: غر هؤلاء دينهم. حتى قَدِموا على ما قَدِموا عليه مع قِلَّة عددهم وكثرة عدوهم، فشُرِّد بهم مَن خلفهم١٢
٣
عن عامر الشعبي -من طريق داود- في الآية، قال: كان أناسٌ مِن أهل مكة تكلَّموا بالإسلام، فخرَجُوا مع المشركين يوم بدر، فلَمّا رأوْا قِلَّة المسلمين قالوا: غَرَّ هؤلاء دينهم١
٤
عن الحسن البصري -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾، قال: هم قومٌ لم يَشهَدُوا القتال يوم بدر؛ فسُمُّوا منافقين١
٥
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾ إلى قوله: ﴿فإن الله عزيز حكيم﴾، قال: رَأَوْا عِصابة من المؤمنين شَرَدَتْ لأمر الله. وذُكِرَ لنا: أن أبا جهل عدوَّ الله لَمّا أشرف على محمد ﷺ وأصحابه؛ قال: واللهِ، لا يُعْبَد الله بعد اليوم. قسوةً وعُتُوًّا١
٦
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر- قال: هم قومٌ كانوا أقرُّوا بالإسلام وهم بمكة، ثم خرجُوا مع المشركين يوم بدر، فلما رَأَوُا المسلمين قالوا: غَرَّ هؤلاء دينهم١
٧
قال عبد الملك بن جريج -من طريق حجاج- في قوله: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾، قال: ناس كانوا من المنافقين بمكة، قالوه يوم بدر، وهم يومئذ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا١
٨
عن عبد الملك بن جريج -من طريق حجاج- في قوله: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾، قال: لَمّا دنا القوم بعضهم من بعض، فقَلَّل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلَّل المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: ﴿غر هؤلاء دينهم﴾. وإنما قالوا ذلك من قِلَّتهم في أعينهم، وظَنُّوا أنهم سيهزمونهم، لا يَشُكُّون في ذلك، فقال الله: ﴿ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾١
٩
عن محمد بن إسحاق -من طريق ابن إدريس- في قوله: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾، قال: هم الفِتْية الذين خرجوا مع قريش، احْتَبَسَهم آباؤُهم فخَرَجُوا وهم على الارتياب، فلما رأوا قِلَّةَ أصحاب رسول الله ﷺ، قالوا: ﴿غرَّ هؤلاء دينُهم﴾ حينَ قدِموا على ما قدِموا عليه مِن قلَّة عَددِهم وكثرة عدوِّهم، وهم فِتية مِن قريش، مُسمَّون خمسة؛ قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكهِ بن المغيرة المخزوميّان، والحارث بن زَمْعَة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن مُنَبِّه١
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، يعني: الكفرَ. نزلت في قيس بن الفاكِه بن المغيرة، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، والوليد بن عتبة بن ربيعة، والعلاء بن أمية بن خلف الجُمَحِيّ، وعمرو بن أمية بن سفيان بن أمية، كان هؤلاء المسلمون بمكة، ثم أقاموا بمكة مع المشركين فلم يهاجروا إلى المدينة، فلما خرج كفار مكة إلى قتال بدر خرج هؤلاء النفر معهم، فلما عاينوا قِلَّة المؤمنين شَكُّوا في دينهم وارتابوا، فقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾. يعنون: أصحاب محمد ﷺ١
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ يعني: المؤمنين، يعني: يثق به في النصر ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ يعني: منيع في ملكه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في أمره حكم النصر. فلما قُتِل هؤلاء النَّفَرُ من المشركين ضربت الملائكةُ وجوهَهم وأدبارَهم١