عن عبد الله بن عباس، قال: لما نزلت ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ جاءت امرأة أبي لهب، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو تَنَحَّيتَ عنها، فإنها امرأة بَذِيَّةٌ١. قال: «سيُحالُ بيني وبينها». فلم تره، فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبُك. قال: واللهِ، ما ينطق بالشعر، ولا يقوله. فقالت: إنك لَمُصَدَّقٌ. فاندفعت راجعة، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما رأتك! قال: «كان بيني وبينها مَلَكٌ يستُرُني بجَناحِه حتى ذهبت»٢
٢
عن يزيد بن زيد رجل من همدان -من طريق أبي إسحاق-: أنّ امرأة أبي لهب كانت تُلقي في طريق النبيِّ ﷺ الشّوك؛ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ وامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾، فلما نزلت بلغ امرأةَ أبي لهب: إنّ النبيَّ يَهْجُوكِ. قالت: علامَ يَهْجُوني؟! هل رأيتموني كما قال محمد أحمل حطبًا، في جِيدي حبلٌ مِن مَسَد؟! فمكثتْ، ثم أتتْه، فقالت: إنّ ربّك قلاك ووَدَّعك. فأنزل الله: ﴿والضُّحى﴾ إلى ﴿وما قَلى﴾ [الضحى:١-٣]١
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: كانت رُقَيّة بنتُ النبيِّ ﷺ عند عُتبة بن أبي لهب، فلما أنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ سأل النبيُّ ﷺ طلاقَ رُقَيّة، فطَلَّقها، فتزوَّجها عثمان١
٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: تزوّج أُمّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ عُتيبةُ بن أبي لهب، وكانت رُقَيّة عند أخيه عُتبة بن أبي لهب، فلما أنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ قال أبو لهب لابنيه عُتيبة وعُتبة: رأسي مِن رأسكما حرام إن لم تُطلِّقا ابنتَي محمد. وقالت أُمّهما بنت حرب بن أُمَيّة -وهي حمّالة الحطب-: طلِّقاهما فإنهما قد صَبَتا. فطلَّقاهما١
٥
عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «بُعثتُ ولي أربع عمومة: فأمّا العباس فيُكنى بأبي الفضل، ولولده الفضل إلى يوم القيامة، وأمّا حمزة فيُكنى بأبي يعلى، فأعلى الله قدْره في الدنيا والآخرة، وأمّا عبد العُزّى فيُكنى بأبي لهب، فأدخله الله النار وألهبها عليه، وأمّا عبد مناف فيُكنى بأبي طالب، فله ولولده المطاولة والرِّفعة إلى يوم القيامة»١
٦
عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أنّ عَقيلًا دخل على معاوية، فقال معاوية لعقيل: أين ترى عمّك أبا لهب مِن النار؟ فقال له عقيل: إذا دخلتَها فهو على يسارك، مُفترِشٌ عمّتك حمّالة الحطب، والراكب خير مِن المركوب١
٧
عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: مَرَّتْ دُرّة ابنة أبي لهب برجل، فقال: هذه ابنة عدوّ الله أبي لهب. فأقبلتْ عليه، فقالت: ذكر الله أبي بنباهته وشرفه، وترك أباك لجهالته. ثم ذَكرتْ للنبي ﷺ، فخطب الناس، فقال: «لا يُؤذَيَنَّ مسلمٌ بكافر»١
٨
عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وعمار بن ياسر، قالوا: قدمتْ دُرّة بنت أبي لهب مُهاجرة، فقال لها نسوة: أنتِ دُرّة بنت أبي لهب الذي يقول الله: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾. فذَكرتْ ذلك للنبي ﷺ، فخطب، فقال: «يا أيها الناس، مالي أُوذى في أهلي، فواللهِ، إنّ شفاعتي لَتُنال بقرابتي، حتى إنّ حكمًا وحاء وصُداء وسلهبًا١ تنالها يوم القيامة بقرابتي»٢
٩
قال مقاتل بن سليمان: فلما نزلت هذه الآية في أبي لهب قيل لها: إنّ محمدًا قد هجا زوجكِ، وهجاكِ، وهجا ولدكِ. فغضبتْ، وقامت فأمَرتْ وليدتها أن تحمل ما يكون في بطن الشاة من الفَرْث والدم والقذر، فانطلقتْ لتستدلّ على النبي ﷺ لتُلقي ذلك عليه؛ فتصغره، وتذلّه به، لما بلغها عنه، فأُخبرتْ أنه في بيت عند الصَّفا، فلما انتهتْ إلى الباب سمع أبو بكر -رحمة الله عليه- كلامها، وكان النبي ﷺ داخل البيت، فقال أبو بكر -رحمة الله عليه-: يا رسول الله، إنّ أُمّ جميل قد جاءت، وما أظنّها جاءت بخير. فقال النبي ﷺ: «اللهم، خُذ ببصرها». أو كما قال، ثم قال لأبي بكر -رحمة الله عليه-: «دَعْها تدخل، فإنها لن تراني». فجلس النبي ﷺ وأبو بكر -رحمة الله عليه- جميعًا، فدخلتْ أمُّ جميل البيتَ، فرأتْ أبا بكر -رحمة الله عليه-، ولم تر النبيَّ ﷺ، وكانا جميعًا في مكان واحد، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقال: وما أردتِ منه، يا أُمّ جميل؟ قالت: إنه بلغني أنه هجاني، وهجا زوجي، وهجا أولادي، وإني جئتُ بهذا الفَرْث لألقيه على وجهه ورأسه أذلّه بذلك. فقال لها: والله، ما هجاكِ، ولا هجا زوجكِ، ولا هجا ولدكِ. قالت: أحقٌّ ما تقول، يا أبا بكر؟ قال: نعم. فقالت: أما إنك لَصادق، وأنتَ الصِّدِّيق، وما أرى البأس إلا وقد كذبوا عليه. فانصرفتْ إلى منزلها، ... ثم إنه بدا لعُتبة بن أبي لهب أن يخرج إلى الشام في تجارة، وتبعه ناس من قريش حتى بلغوا الصّفاح، فلما همّوا أن يرجعوا عنه إلى مكة قال لهم عُتبة: إذا رجعتم إلى مكة فأخبِروا محمدًا بأني كفرتُ بـ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾. وكانت أول سورة أعلنها رسول الله ﷺ، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك قال: «اللهم، سلِّط عليه كلبك يأكله». فألقى الله عز وجل في قلب عُتبة الرُّعب لدعوة النبي ﷺ، وكان إذا سار ليلًا ما يكاد ينزل بليل، فهجر بالليل، فسار يومه وليلته، وهمّ أن لا ينزل حتى يُصبح، فلما كان قبيل الصبح قال له أصحابه: هلكت الركاب. فما زالوا به حتى نزل، وعرّس وإبله وهو مذعور، فأناخ الإبل حوله مثل السّرادق، وجعل الجواليق دون الإبل مثل السّرادق، ثم أنام الرجال حوله دون الجواليق، فجاء الأسد ومعه مَلكٌ يقوده، فألقى الله عز وجل على الإبل السكينة، فسكنتْ، فجعل الأسد يتخلّل الإبل، فدخل على عُتبة وهو في وسطهم، فأكله مكانه، وبقي عظامه وهم لا يشعرون؛ فأنزل الله عز وجل في قوله حين قال لهم: قولوا لمحمد: إنى كفرتُ بالنجم إذا هوى، يعني: القرآن إذ نزل؛ أنزل فيه: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ يعني: لُعن الإنسان ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧]، يعني: عُتبة يقول: أي شيء أكفره بالقرآن؟! إلى آخر الآيات١
تفسير
٢١ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العَوفيّ- في قوله: ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، قال: هي حبال تكون بمكة. ويقال: المَسَد: العصا التي تكون في البكرة. ويقال: المَسَد: قِلادة لها من ودَع١
٢
قال عبد الله بن عباس: ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ سلسلة مِن حديدٍ، ذَرْعُها سبعون ذراعًا، تدخل في فِيها وتخرج مِن دبُرها، ويكون سائرها في عُنُقها١
٣
قال سعيد بن المسيّب: ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ كانت لها قِلادة في عُنُقها فاخرة، فقالت: لَأُنفِقنّها في عداوة محمد١٢
٤
عن عروة بن الزُّبير -من طريق يزيد- ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، قال: سلسلة من حديد في النار، ذرْعها سبعون ذراعًا١
٥
عن مجاهد بن جبر: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ من نار١
٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، قال: مثل حديدة البَكرة١
٧
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، قال: حبل مِن شجر، وهو الحبل الذي كانت تحتطب به١
٨
قال أبو المعتمر -من طريق المعتمر بن سليمان- زعم محمد أن عكرمة قال: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ أنه الحديدة التي في وسط البَكرة١
قال الحسن البصري: ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، المَسَد: خيوط صُفر وحُمر١
١١
قال الحسن البصري: ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ إنما كانت خَرزات في عُنُقها١
١٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، قال: من الوَدعَ١
١٣
عن عطاء: ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، المَسَد: الحديدة التي تكون في البَكرة١
١٤
كان محمد بن السّائِب الكلبي -من طريق نافع بن يزيد- يقول: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، قال: يُقال: الحبل الذي في الدّلو. قال: ويقال: المَسَد: الحديد١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، يعني: سلسلة مِن حديد١
١٧
عن سفيان [الثوري] -من طريق مهران- ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، قال: حبل في عُنُقها في النار، مثل طوق طوله سبعون ذراعًا١
١٨
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، قال: حبال من شجر تَنبتُ في اليمن لها مَسَد، وكانت تُفْتَل. وقال: ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ حبل من نار في رقبتها١٢