سورة النحل | الآية ٥

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

وقفات مع سور وآيات
" والأنعام خلقها لكم فيها دفء .. " عندما ترتدي ملابسك الشتوية.... قل : الحمد لله . .
نايف الفيصل
وقفات مع سور وآيات
كل ما جاء في القرآن: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) فهو في الدنيا، أي: ومنها تبيعون، ومنها تدخرون، ومنها تهدون، وذلك في: (النحل)، (المؤمنون)، (غافر)، أما قوله: (مِنْهَا تَأْكُلُونَ) فهذا في جنة الآخرة، والجنة ليس فيها بيع ولا ادخار ولا إهداء، وإنما يأكلون منها فحسب، وذلك في سورة الزخرف.
صالح التركي / من لطائف القرآن
وقفات مع سور وآيات
تطبيقات تدبرية سورة النحل أية 12
صالح المغامسي
وقفات مع سور وآيات
طرقات علي باب التدبر سورة النحل آية 5
محمد علي يوسف
وقفات مع سور وآيات
{والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} [هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب] [وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها] رزقنا الله من فضله وكرمه، نِّعم لا تعد ولا تحصى، من غير أن نساله. فكيف إذا سألناه ؟!
مجالس التدبر
وقفات مع سور وآيات
سلسلة ( ختمة تعارف) سورة النحل آية 5
حازم شومان
بلاغة القرآن
سورة النحل الآية 5
يوسف العليوي
بلاغة القرآن
آية (٥) : (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) * أسند الخلق لضمير الغائب في سورة النحل (خَلَقَهَا) وفي سورة يس أسند الفعل لضمير المتكلم (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ (٧١)) مع أن الله سبحانه هو الخالق في الحالين : - السياق في النحل مبني على الإسناد إلى ضمير الغيب في عموم السورة وفي هذا السياق بالذات. قال (يُنَزِّلُ الملائكة .. (٢)) لم يقل ننزل (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ .. (٣)) (خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ .. (٤)) (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا .. (٥) (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٨)) (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء (١٠)) (يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ (١١)) (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ (١٢)) (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ (١٤))(وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ (١٥)). - في يس السياق في ضمير المتكلم (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً (٨)) (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا (٩)) (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ .. (١٢)) (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ (١٤)) (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ .. (٢٨)) (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ (٣١)) (.. الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا .. (٣٣)) (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ .. (٣٤)) (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ .. (٣٩)) (وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ (٤٢)) (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ (٦٥)) (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)) إذن كل تعبير من حيث السمة التعبيرية هو أنسب لسياقه. -- السياق في يس أكثر تفضلًا وإنعامًا على الإنسان أكثر مما في النحل: 1. في يس (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ) قال (لهم) دالة على التكريم ، في النحل (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا) لم يقل لهم. 2. في يس قال (خَلَقْنَا لَهُمْ) الإسناد إلى ضمير المتكلم فيه تفضّل، في النحل قال (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا). 3. قوله في يس (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) للدلالة على الاهتمام أن هذا من عمل يده سبحانه وتعالى، ما قال هذا في النحل. 4. قال في يس (فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) ذكر التمليك لم يملّكهم في النحل. 5. قال (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ) ولم يقل في النحل هذا. 6. ذكر في يس أن لهم فيها مشارب (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ) ولم يقل هذا في النحل.
مختصر لمسات بيانية
بلاغة القرآن
آية (5) : * يقول تعالى في سورة النحل (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)) لم أسند الخلق لضمير الغائب قال خلقها وفي آية سورة يس أسند الفعل لضمير المتكلم (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ)مع أن الخالق في الحالين الله سبحانه وتعالى ؟ لو لاحظنا أن كل تعبير مناسب لما ورد فيه في أكثر من وجه، أولاً السياق في الموضعين، السياق في النحل مبني على الإسناد إلى ضمير الغيب في عموم السورة وفي عموم هذا السياق بالذات. قال (يُنَزِّلُ الملائكة بِالْرُّوحِ (2)) ينزل لم يقل ننزل، (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ (3))، (خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ (4))، (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا (5)) (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (8)) (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء (10))، (يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ (11))، (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ (12))، (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ (14))، (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ (15))، عموم التعبيرات في السياق في ضمير الغيبة. في يس السياق في ضمير المتكلم (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً (8))، (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا (9))، (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12))، (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ (14))، (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (28))، (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ (31))، (وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33))، (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ (34))، (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ (39))، (وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ (42))، (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ (65))، (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ (71))، (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ (72))، فإذن كل تعبير من حيث السمة التعبيرية هو أنسب لسياقه. ولكن لِمَ يأتي مرة بالمتكلم ومرة بالغائب؟ أحياناً يخبرنا عنه فلا بد أن يُخبر بضمير الغيب، يُخبرنا عنه، هو ربكم يُخبرنا عنه. عندما يريد أن يعلِّمنا من هو الله. السياق في يس أكثر تفضلاً وإنعاماً. لو أخذنا بين الآيتين (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ) و (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ) قلنا أن الإسناد إلى ضمير المتكلم فيه تفضّل. لو لاحظنا الموضعين سنلاحظ أنه في سياق آية يس ذكر أموراً أكثر تفضلاً على الإنسان أكثر مما في النحل. لو نقرأ ما في الموضعين يتبين ما أقول. قال في يس (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73)). قال في النحل (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (7)). لو ننظر إلى مواطن التكريم في كل موضع: 1. قال في يس (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ) وقال في النحل (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا) لم يقل لهم، أيُّ دالة على التكريم خلقنا لهم أو خلقها؟ في يس قال (لهم) في النحل قال (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا) (لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ). إذن التكريم الأول (لهم). 2. التكريم الثاني قوله (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) للدلالة على الاهتمام والتكريم أن هذا من عمل يده سبحانه وتعالى، ما قال هذا في النحل. قال (فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) ذكر التمليك لم يملّكهم في النحل. 3. قال (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ) ولم يقل في النحل هذا. 4. قال في يس (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ) وفي النحل قال (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ). 5. ذكر في يس أن لهم فيها مشارب (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ) ولم يقل هذا في النحل. 6. في يس والنحل قال (وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ). 7. في يس والنحل قال فيها منافع وفي النحل ذكر (لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ) وهي في المنافع، ودخل فيها جمال وهذا أمر آخر. 8. في يس قال الخلق لهم، تمليكها لهم، ذللها لهم، ركوب ومشارب لم يقلها في النحل إنما قال الدفء وحمل الأثقال والجمال. أيّ الموطنين فيه تكريم أكثر؟ يس. إذن هذا الأنسب للسياق العام.
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
قوله تعالي : " وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) " النحل : 8 . عادةُ العربِ في كلامها أنْ تُؤَخِّرَ الأهمَّ للامتنان به إذا كانَ المقامُ مقامَ تَعْداد للفضائلِ والمكارمِ , لكنَّ ظاهرَ هذه الآيةِ يوحي بتقديمِ الأهمِّ , حيثُ قَدّمَ الخيلَ علي البغال , والبغالَ علي الحميرِ , فَلِمَ جاءَ الكلام في هذه الآية علي خلاف النسق المعروف عند العرب ؟ الجوابُ عن ذلك : أنَّ الآية سارتْ علي القاعدة , ولم تشذَّ عنها , فالحميرُ أهمُّ من الخيلِ والبغالِ , والبغالُ أهمُّ من الخيلِ ؛ نظرًا إلي أنَّ معظمَ الناسِ يستفيدونَ من الحميرِ حيث يقدرون عليها , ولا يقدرون علي الخيل , و يستطيع كثيرٌ من الناسِ الحصولَ علي البغالِ أكثرَ من استطاعتِهم الحصولَ علي الخيلِ , ومن هنا يتضحُ أنَّ الآيةَ لَم تخالفُ سَنَنَ العربِ في كلامها . والله اعلم . والمتأمّل لقوله تعالي : " لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً " يجد تنويعًا بالأسلوب ؛ فالركوبُ و الزينةُ علّتان لخلقِ هذه الدواب , لكنَّهُ عَبّرَ عن الركوبِ بالفعلِ , وَعَبَّرَ عن الزينةِ بالاسمِ المنصوب , وَيُعَلِّلُ النُّحَاةُ ذلك بقولهم : إن الزينةَ مفعولٌ لأجله , من الفعل في الآيةِ السابقة علي هذه الآية : " وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) " النحل : 5 حيث اتّحدَ المصدرُ مع العاملِ بالفاعلِ , ففاعلُ الخلقِ و التزيين هو اللهُ تعالي , ولذلك استوفي المصدرُ شروطَ النصبِ علي المفعولِ لأجله , فَنُصِبتْ " زِينَةً " , أما الركوبُ فَفاعلُهُ المخاطبون , فانتفى شرطٌ من شروطِ نصب المفعولِ لأجله من عدم اتّحاده مع عامِله بالفاعلِ , فجُرَّ باللامِ [ الكشاف : 2 / 402 ] , وهذا هو التعليلُ اللفظي لسياق الكلام . وللزمخشريّ تعليلٌ آخر حيث قال : " فإن قلتَ : فهلا وَرَدَ المعطوفُ والمعطوفُ عليه من سَنَنٍ واحدٍ , قلتُ :لأنّ الركوب فعلُ المخاطبين , وأمّا الزينة ففعلُ الزائن , وهو الخالق " [ المصدر السابق ] . أمّا التعليلُ المنظورُ فيه إلي المعني فهو أن يُقالَ : إنَّ المقصدَ الأساسَ من خلقِ هذه الدوابِّ هو الركوبُ , وهو يتجدّدُ مرّةً بعد أخري , وغيرُ ثابتٍ , ولذلك عَبّرَ عنه بالفعلِ , وجرّه باللامِ المفيدةِ للتعليل , أمّا الزينةُ فهي تابعةٌ لأهمِّ الغرضين , وهو الركوبُ , فجَعَلَهَا تبعًا , وعبّرَ عنها بالاسمِ الذي يدّلُ علي الثبوتِ و الدوامِ ؛ لأنَّ الزينةَ غيرُ متجدّدة . وأخيرًا تأمّلْ قوله : " وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ " تجد الإعجاز عينه ؛ فالعربُ حين نزولِ القرآنِ الكريم لم تعرفْ غيرَ وسائلِ النقلِ المذكورةِ في الآيات , أمّا وسائلُ النقلِ الأخري فأشار الله تعالي إليها إشارةً بقوله : " وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ " , ولذلك لا تعجَبْ حينَ تقرأُ بعض التفاسيرِ القديمة فتجدها لا تقطعُ بمرادِ اللهِ تعالي بهذه الآيةِ ؛ لأنَّ هؤلاء المفسرين لم يروا غيرَ تلك الوسائل المعهودة لديهم . والله واعلم . قوله تعالي : " قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26)" [ النحل 26 ] . إذا تأمّل القارئ قوله تعالي : " فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ " فقد يبدو له أنّ قوله : " فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ " مغنٍ عن قوله : " مِنْ فَوْقِهِمْ " ؛ لأن " خَرَّ " و" عَلَيْهِمُ " و " السَّقْفُ " كلّها تدلّ علي حصول الخرِّ من فوقهم ؛ فالخرّ لا يكون إلا فيما سقط من العُلّوِ إلي الأسفل , و ( علي ) في أصل استعمالها تدلّ علي وقوع الشيء من أعلي إلي أسفل , والسقف أصله أن يكون في العُلّوِ. لكنّ المتدبّر لهذه الآية يدرك أنّ لقوله : " مِنْ فَوْقِهِمْ " فائدةً جليلةً ؛ إذ دلّتْ علي الفوقيّة الحقيقيّة , فالسقف قد وقع عليهم , وكانوا تحته , فهلكوا , وما أفلتوا [ البرهان فى علوم القرآن : 2 / 443 , 3 /67 ] , ولولا ذِكْرُ " مِنْ فَوْقِهِمْ " لَتُوُهِّمَ غيرُ ذلك ؛ لأنّ ( علي ) ليستْ قطعيّةً في الدلالة علي العلو , بل قد تكون هنا " بمعني ( عن ) , أي : خرّ عن كفرهم بالله , كما تقول : اشتكى فلانٌ عن دواءٍ شَربَهُ , أي : من أجل كفرهم أو بمعني ( اللام ) , أي فخرّ لهم " [ البرهان فى علوم القرآن : 2 / 442 ] , وذكر ابن جنّي أنّ ( علي ) قد تخرج عن الاستعمال في العلوم إلي الاستعمال في الأفعال الشاقّة المستثقلة " علي ( حد ) قولِ مَنْ يقول : قد سرنا عشرًا , و بقيت علينا ليلتان , وقد حفظتُ القرآن وبقيتْ عليّ منه سورتان , و قد صمنا عشرين , و بقي علينا عشرٌ , وكذلك يقال في الاعتداء علي الإنسان بذنوبه وقبيح أفعاله : قد أخربَ عليَّ ضيعتي , وموّت عليَّ عواملي , وأبطلَ عليَ انتفاعي , فعلي هذا لو قيلَ " فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ " , ولم يقل : " مِنْ فَوْقِهِمْ " لجاز أن يُظنَّ به أنه كقولك : قد خرّبتُ عليهم دارَهُمْ و قد أهلكتُ عليهم مواشيَهُمْ وغلاتِهِمْ , وقد تلفتْ عليهم تجارتُهُمْ , فإذا قال : " مِنْ فَوْقِهِمْ " زال ذلك المعني المحتمل , وصار معناه أنّه سقط وهم من تحته " [ الخصائص : 2 / 270 – 271 ] , ويؤيّد ذلك أنّه يقال : سقط عليه موضع كذا , إذا كان يملكه , وإن لم يكن من فوقه , بل تحته [ البرهان فى علوم القرآن : 2 / 443 ] . كما أنّه ليس كلّ سقفٍ يكون من فوقٍ ؛ " فإن كثيرًا من السقوف يكون أرضًا لقومٍ , وسقفًا لآخرين " [ البرهان فى علوم القرآن : 3 / 67 ] , فرفع احتمال أن يكون السقف تحتهم بقوله : " مِنْ فَوْقِهِمْ " . والله أعلم .
صالح العايد
بلاغة القرآن
قوله تعالي : " وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) " النحل 81 . يستشهدُ أهلُ اللغةِ بهذه الآية علي حذف العاطفِ والمعطوفِ , ويجعلونَ التقدير : ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحرّ والبرد ) , فإذا سألوا عن سر حذف ( البرد ) قالوا : إن الخطابَ للعربِ , وبلادُ العربِ حارّةٌ , والوقايةُ عندهم من الحرّ أولي وأهمُّ ؛ لأنه في حرارته أشدُّ من البرد في برودته . والصحيحُ أنَّ الوقايةَ من البرد ذكرها اللهُ تعالي في الآية التي قبلَ هذه الآية حيث قال : " وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) " النحل 80 ؛ فالصوفُ والوَبَرُ والشّعَرُ لا تلبسُ في الصيف , فأغنى ذكرها سابقًا عن إعادتها . وذكر ابن هشام - رحمه الله - أنّ عدم ذكره كان اكتفاءً بقوله في أوّل السورة عن الأنعام : " وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) " [ النحل : 5 ] . والله اعلم .
صالح العايد