تفسير
٤٦ قولًاقال مقاتل بن سليمان: ﴿ومنكم من يتوفى﴾ مِن قبل أن يبلغ أشُدَّه، ﴿ومنكم من يرد﴾ بعد الشباب ﴿إلى أرذل العمر﴾ يعني: الهرم؛ ﴿لكيلا يعلم من بعد علم﴾ كان يعلمه ﴿شيئًا﴾، فذَكَرَ بَدْء الخلق١
قال يحيى بن سلّام: ﴿ومنكم من يتوفى﴾ وفيها إضمار، أي: يتوفى مِن قبل أن يبلغ أرذل العمر. وقال في ﴿حم﴾: ﴿ومنكم من يتوفى من قبل﴾ [غافر:٦٧] أن يبلغ أرذل العمر. ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾ الهَرَم؛ ﴿لكيلا يعلم من بعد علم شيئا﴾ يصير بمنزلة الصبي الذي لا يعقِل شيئًا١٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿وترى الأرض هامدة﴾: أي: غبراء مُتَهَشِّمة١
قال مقاتل بن سليمان: ثم ذكر الأرض الميتة كيف يُحْيِيها ليعتبروا في البعث؛ فإنّ البعث ليس بأشد مِن بدء الخلق، ومن الأرض حين يحيها من بعد موتها، فذلك قوله سبحانه: ﴿وترى الأرض هامدة﴾، يعني: مَيِّتة ليس فيها نبت. يعني: مُتَهَشِّمة١
عن عبد الملك ابن جُرَيج -من طريق حجاج- في قوله: ﴿وترى الأرض هامدة﴾، قال: لا نبات فيها١
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿وترى الأرض هامدة﴾، أي: غبراء مُتَهَشِّمة١
قال مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح-: ﴿اهتزت﴾ بالنبات١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء﴾ يعني: المطر ﴿اهتزت﴾ الأرض، يعني: تَحَرَّكت بالنبات. كقوله: ﴿تهتز كأنها جان﴾ [النمل:١٠]، أي: تَحَرَّك كأنها حَيَّة١
قال يحيى بن سلّام: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت﴾، اهتزت بالنبات: إذا أنبتت١
قال مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿وربت﴾: ارتفعت قبل أن تُنبِت١
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾، يقول: حسنت، يُعُرف الغيث في سحْتِها١ ورَبْوِها٢
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال للأرض: ﴿وربت﴾، يعني: وأَضْعَفَتِ النبات١
قال يحيى بن سلّام: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ وفيها تقديم: ربت للنبات انفتحت، واهتزت بالنبات إذا أنبتت، قال: ﴿وأنبتت من كل زوج بهيج﴾١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿زوج بهيج﴾، قال: حَسَن١
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿وأنبتت من كل زوج بهيج﴾: أي: حَسَن١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأنبتت من كل زوج بهيج﴾، يعني: مِن كُلِّ صِنف مِن النبات حَسَن١
قال يحيى بن سلّام: ﴿وأنبتت من كل زوج بهيج﴾ حسن، وكل ما ينبت في الأرض فالواحد منها زوج، وحُسن ذلك النبات أنها تُنبِت ألوانًا من صفرة، وحمرة، وخضرة وغير ذلك من الألوان١
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾، قال: المخلقة: ما كان حَيًّا. وغير مخلقة: ما كان مِن سقط١
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق داود بن أبي هند- قال: غير مخلقة: السِّقْط١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾، قال: السِّقْط؛ مخلوق وغير مخلوق١
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: المخلقة: التي تَمَّ خلقها. ﴿وغير مخلقة﴾: السِّقْط١
عن عامر الشعبي -من طريق داود- قال: إذا دخل في الخلق الرابع كانت نسمة مخلقة، وإذا قَذَفَتْها قبل ذلك فهي غير مُخَلَّقة١
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾، قال: تامَّة، وغير تامَّة١
عن عطاء الخراساني -من طريق يونس- في قول الله عز وجل: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾، قال: إما مخلقة فيما قد فرغ مِن خلق الإنسان، وإما غير مخلقة فيما لم يخلق١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم من مضغة مخلقة﴾ يعني: مِن النطفة مخلقة، ﴿وغير مخلقة﴾ يعني: السِّقط يخرج مِن بطن أمه مُصَوَّرًا وغير مُصَوَّر١
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة﴾، قال: هو السِّقْط١٢
عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿لنبين لكم﴾، قال: أنّكم كنتم في بطون أمهاتكم كذلك١
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿لنبين لكم﴾ بَدْءَ خلقكم١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ونقر في الارحام ما نشاء إلى أجل مسمى﴾، قال: التَّمام١
عن إسماعيل السُّدِّيّ، ﴿ونقر في الارحام ما نشاء إلى أجل مسمى﴾، قال: هذا ما كان مِن ولَدٍ يُولَد تامًّا ليس بسِقْط١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ونقر في الأرحام ما نشاء﴾ فلا يكون سقطًا ﴿إلى أجل مسمى﴾ يقول: خروجه مِن بطن أمه؛ ليعتبروا في البعث، ولا يَشُكُّوا فيه أنّ الذي بدأ خلقكم لَقادِرٌ على أن يعيدكم بعد الموت١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى﴾، قال: إقامته في الرَّحِم حتى يخرج١
قال يحيى بن سلّام: ﴿ونقر في الأرحام﴾ أرحام النساء ﴿ما نشاء﴾ يعني: التمام إلى أجل مسمى} الوقت الذي يُولَد فيه١
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿ثم نخرجكم﴾ مِن بطون أمهاتكم ﴿طفلا ثم لتبلغوا أشدكم﴾ ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة١
قال يحيى بن سلّام: ﴿ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم﴾، يعني: الاحتِلام١٢
قال مقاتل بن سليمان: ثم ذكر صنعه ليعتبروا في البعث، فقال سبحانه: ﴿يا أيها الناس﴾ يعني: كُفّار مكة، ﴿إن كنتم في ريب من البعث﴾ يعني: في شكٍّ مِن البعث بعد الموت، فانظروا إلى بَدْءِ خَلْقكم، ﴿فإنا خلقناكم من تراب﴾ ولم تكونوا شيئًا١
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث﴾ في شَكٍّ مِن البعث، ﴿فإنا خلقناكم من تراب﴾ وهذا خَلْق آدم١
عن عبد الله بن مسعود، قال: حدثنا رسول الله ﷺ -وهو الصّادِق المَصْدُوق-: «إنّ أحدكم يجمع خَلْقَه في بطن أُمِّه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون عَلَقةً مثلَ ذلك، ثم يكون مضغةً مثلَ ذلك، ثم يُرسَل إليه الملك فينفح فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات؛ بكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أو سعيد، فوالَّذي لا إله إلا غيرُه، إنّ أحدكم لَيعمل بعملِ أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»١
عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ النُّطْفَة تكون في الرَّحِم أربعين يومًا على حالها لا تَتَغَيَّر، فإذا مضت الأربعون صارت عَلَقَة، ثم مضغة كذلك، ثم عِظامًا كذلك، فإذا أراد أن يُسَوِّي خلقَه بَعَث إليه ملكًا، فيقول: أيْ ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ أشقيٌّ أم سعيد؟ أقصير أم طويل؟ أناقص أم زائد قوته وأجله؟ أصحيح أم سقيم؟ فيكتب ذلك كلَّه»١
عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: «إنّ الله -تبارك وتعالى- وكَّلَ بالرَّحِم مَلَكًا، قال: أيْ ربِّ، نطفة، أيْ ربِّ، علقة، أيْ ربِّ مضغة. فإذا قضى الله تعالى خلقها قال: أيْ ربِّ، شقيٌّ أو سعيد؟ ذكر أو أنثى؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أُمِّه»١
عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ بأُذُنَيَّ هاتين يقول: «إنّ النُّطْفَة تقع في الرَّحِم أربعين ليلة». وفي لفظ: «إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملَكًا فصوَّرها، وخلق سمعها، وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظمها، ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربُّك ما يشاء، ويكتب الملَك، ثم يقول: يا ربِّ، أجله؟ فيقول ربُّك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، رزقه؟ ويقضي ربك ما يشاء، ويكتب الملَك، ثم يَخْرُج الملَكُ بالصحيفة في يده، فلا يزيد على أمره ولا ينقص». وفي لفظ: «يدخل الملَك على النطفة بعد ما تستقرُّ في الرَّحِم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب، أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أيْ ربِّ، أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم تُطْوى الصحفُ فلا يُزاد فيها ولا يُنقَص»١
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: العلقة: الدم. والمضغة: اللحم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم من نطفة ثم من علقة﴾ مثل الدم١
قال يحيى بن سلّام: ﴿فإنا خلقناكم من تراب﴾ وهذا خَلْق آدم، ﴿ثم من نطفة﴾ يعني: نسل آدم١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق الشعبي، عن علقمة- قال: إذا وقَعَتِ النُّطْفَةُ في الرَّحِم بَعَثَ اللهُ ملَكًا، فقال: يا ربِّ، مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة. مَجَّها الرَّحِمُ دمًا، وإن قال: مخلقة. قال: يا ربِّ، فما صِفَة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ وما رزقها؟ وما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ فيقال له: انطلق إلى أُمِّ الكتاب، فاستنسخ منه صفةَ هذه النطفة. فينطلق، فينسخها، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق الشعبي، عن علقمة- قال: النُّطْفَة إذا اسْتَقَرَّت في الرَّحِم أخذها مَلَكٌ مِن الأرحام بكَفِّه، فقال: يا ربِّ، مخلقة أم غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة. لم تكن نَسَمَةً، وقذفتها الرَّحِم دمًا، وإن قيل: مخلقة. قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثر؟ وما الرِّزق؟ وبأي أرض تموت؟ فيُقال للنطفة: مَن ربُّكِ؟ فتقول: الله. فيُقال: مَن رازِقُكِ؟ فتقول: الله. فيُقال له: اذهب إلى أُمِّ الكتاب، فإنّك ستجد فيه قصةَ هذه النطفة. قال: فتخلق، فتعيش في أجلها، وتأكل في رزقها، وتطأ في أثرها، حتى إذا جاء أجلُها ماتت، فدُفِنَت في ذلك المكان. ثم تلا عامرٌّ الشعبي: ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة﴾، فإذا بلغت مضغة نُكِسَتْ١ في الخلق الرابع فكانت نسمةً، فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دمًا، وإن كانت مخلقة نُكِسَتْ في الخلق٢