عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: أنّ ناسًا مِن قريش اجتمعوا، فيهم أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، في نفرٍ مِن مشيخة قريش، فقال بعضُهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فنكلمه فيه، فلْيُنصِفْنا منه، فيأمره فلْيَكُفَّ عن شتم آلهتنا، وندعه وإلَهَه الذي يعبد؛ فإنّنا نخاف أن يموت هذا الشيخُ فيكون مِنّا شيءٌ، فتُعَيِّرنا العرب؛ يقولون: تركوه حتى إذا مات عمُّه تناولوه. فبعثوا رجلًا منهم يسمى: المطلب، فاستأذن لهم علي أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم يستأذنون عليك. قال: أدْخِلهم. فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصِفْنا مِن ابن أخيك، فمُره فليكفَّ عن شتم آلهتنا، وندعه وإلَهَه. فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي، هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم، قد سألوك النصَف؛ أن تكفَّ عن شتم آلهتهم، ويدَعُوك وإلهك. فقال: «أي عمِّ، أوَلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟». قال: وإلامَ تدعوهم؟ قال: «أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم». فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي؟ وأبيك، لنعطينكها وعشر أمثالها. قال: «تقول: لا إله إلا الله». فنفروا، وقالوا: سَلنا غير هذه. قال: «لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها». فغضبوا وقاموا مِن عنده غضابًا، وقالوا: واللهِ، لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا. ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ أنِ امْشُوا﴾ إلى قوله: ﴿اخْتِلاقٌ﴾١
عن محمد بن إسحاق، نحو ذلك، وزاد في آخره: وكان ممشاهم إلى أبي طالب لما لقوا من عمر، وسمعوا منه١
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ الآية، قال: نزلت حين انطلق أشرافُ قريش إلى أبي طالب، فكلَّموه في النبي ﷺ١
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: لَمّا مرض أبو طالب دخل عليه رهطٌ من قريش، فيهم أبو جهل، فقالوا: إنّ ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثتَ إليه فنهيتَه. فبعث إليه، فجاء النبيُّ ﷺ، فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدْر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس إلى أبي طالب أن يكون أرقَّ عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، فلم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قُرب عمِّه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابنَ أخي، ما بالُ قومك يشكونك؟ يزعمون أنّك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول! قال: وأكثروا عليه مِن القول. وتكلَّم رسول الله ﷺ، فقال: «يا عمِّ، إنِّي أُريدهم على كلمةٍ واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية». ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟! نعم، وأبيك، عشرًا. قالوا: فما هي؟ قال: «لا إله إلا الله». فقاموا فَزِعِين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا، إن هذا لشيء عجاب! فنزل فيهم: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾١
تفسير
قولانِ
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾، قال: عَجِب المشركون أن دُعوا إلى الله وحده، وقالوا: أيسمع لحاجتنا جميعًا إله واحد؟!١
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ وذلك حين أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشَقَّ على قريش إسلام عمر، وفرح به المؤمنون١