تفسير
٢٥ قولًاعن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم﴾ الآية، قال: فصاروا صَفَّيْن، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فبلغ القتلى ما شاء الله، ثم قيل لهم: قد تيب على القاتل والمقتول١
عن القاسم بن أبي بَزَّة، أنّه سمع سعيد بن جبير، ومجاهدًا قالا: قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضًا، لا يَحِنُّ رجل على رجل قريب ولا بعيد، حتى ألْوى١ موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فتَكَشَّف عن سبعين ألف قتيل. وإنّ الله أوحى إلى موسى: أن حسبي، قد اكتفيت. فذلك حين ألوى بثوبه٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: كان موسى أمر قومه عن أمر ربه أن يقتل بعضهم بعضًا بالخناجر، ففعلوا، فتاب الله عليهم١
عن الحسن البصري -من طريق ابن شَوْذَبٍ- في قوله: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾، قال: أصابت بني إسرائيل ظلمةٌ حِندِس١، فقتل بعضهم بعضًا، ثم انكشف عنهم، فجعل توبتهم في ذلك٢
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم﴾ الآية، قال: أُمِرَ القوم بشديد من البلاء، فقاموا يتناحرون بالشِّفار، ويقتل بعضهم بعضًا، حتى بلغ الله نقمته فيهم وعقوبته، فلما بلغ ذلك سقطت الشِّفار من أيديهم، وأمسك عنهم القتل، فجعله الله لِلْحَيِّ منهم توبة، وللمقتول شهادة١
وقال قتادة بن دِعامة: جعل عقوبة عبدة العجل القتل؛ لأنّهم ارتدّوا، والكفر يبيح الدّم١
عن الزُّهْرِيِّ -من طريق عَقِيل- قال: لَمّا أُمِرَت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه، حتى إذا أفْنَوْا بعضهم قالوا: يا نبيَّ الله، ادعُ لنا. وأخذوا بعَضُدَيْهِ، فلم يزل أمرهم على ذلك، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله إلى موسى: ما يحزنك؟ أمّا مَن قُتِل منكم فحَيٌّ عندي يرزق، وأما مَن بقي فقد قبلت توبته. فسُرَّ بذلك موسى وبنو إسرائيل١
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قال:... فلمّا سُقِط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى، ورأوا أنهم قد ضلوا؛ قالوا: لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين. فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل، فقال لهم موسى: ﴿يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾. قال: فصَفُّوا صفين، ثم اجتلدوا بالسيوف، فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان مَن قُتِل من الفريقين شهيدًا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قُتِل بينهم سبعون ألفًا، وحتى دعا موسى وهارون: ربَّنا، هلكت بنو إسرائيل، ربَّنا، البَقِيَّةَ البَقِيَّةَ. فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم، فكان مَن قُتِل شهيدًا، ومَن بقي كان مُكَفِّرًا عنه، فذلك قوله: ﴿فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم﴾١
قال مقاتل بن سليمان:... ندم القوم على صنيعهم، فذلك قوله سبحانه: ﴿ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا﴾، يعني: أشركوا بالله عز وجل ﴿قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف:١٤٩]. فقالوا: كيف لنا بالتوبة، يا موسى؟ قال: اقتلوا أنفسكم. يعني: يقتل بعضكم بعضًا -كقوله سبحانه في النساء: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ يقول: لا يقتل بعضُكم بعضَكم؛ ﴿إن الله كان بكم رحيما﴾ [النساء:٢٩]- يعني: ذلك القتل والتوبة خير لكم عند بارئكم، يعني: عند خالقكم، قالوا: قد فعلنا. فلما أصبحوا أمَرَ موسى عليه السلام البقية الاثني عشر ألفًا الذين لم يعبدوا العجل أن يقتلوهم بالسيف والخناجر، فخرج كلُّ بني أبٍ على حِدَةٍ من منازلهم، فقعدوا بأَفْنِيَة بيوتهم، فقال بعضهم لبعض: هؤلاء إخوانكم أتوكم شاهرين السيوف، فاتقوا الله واصبروا، فلعنة الله على رجل حَلَّ جيوبَه، أو قام من مجلسه، أو اتقى بيدٍ أو رِجلٍ، أو حارَ١ إليهم طرفة عين. قالوا: آمين. فقتلوهم مِن لدن طلوع الشمس إلى انتصاف النهار يوم الجمعة، وأرسل الله عز وجل عليهم الظُّلْمَة حتى لا يعرف بعضهم بعضًا، فبلغت القتلى سبعين ألفًا، ثم أنزل الله عز وجل الرحمة، فلم يحدّ فيهم السلاح، فأخبر الله عز وجل موسى عليه السلام أنه قد نزلت الرحمة. فقال لهم: قد نزلت الرحمة. ثم أمر موسى المنادي، فنادى: أنِ ارفعوا سيوفكم عن إخوانكم. فجعل الله عز وجل القتلى شهداء، وتاب الله على الأحياء، وعفا عن الذين صبروا للقتل فلم يقتلوا، فمَن مات قبل أن يأتيهم موسى عليه السلام على عبادة العجل دخل النار، ومَن هرب مِن القتل لعنهم الله وضربت عليهم الذلة والمسكنة، فذلك قوله: ﴿سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا﴾ [الأعراف:١٥٢]، وذلك قوله سبحانه: ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب﴾ [الأعراف:١٦٧]، فكان الرجل يأتي نادي قومَه وهم جلوس، فيقتل من العشرة ثلاثة، ويدع البقية، ويقتل الخمسة من العشرين ومَن كتب عليهم الشهادة، ويبقى الذين لم يُقْضَ لهم أن يُقْتَلوا، فذلك قوله عز وجل: ﴿ثم عفونا عنكم﴾ فلم نهلككم جميعًا ﴿من بعد ذلك﴾ يعني: بعد العجل؛ ﴿لعلكم﴾ يعني: لكي ﴿تشكرون﴾ ربكم في هذه النعم، يعني: العفو، ﴿فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم﴾ وذلك قوله سبحانه في الأعراف: ﴿والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها﴾ يعني: من بعد عبادة العجل، ﴿وآمنوا﴾ يعني: وصَدقوا بأن الله واحد لا شريك له ﴿إن ربك من بعدها لغفور رحيم (١٥٣)﴾: لَذو تَجاوُزٍ عنهم، رحيم بهم عند التوبة٢
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- قال: قاموا صَفَّيْن، فاقتتلوا بينهم، فجعل الله القتل لِمَن قُتِل منهم شهادة، وكانت توبة لمن بقي، وكان قتل بعضهم بعضًا أنّ الله عَلِم أنّ ناسًا منهم علموا أنّ العجل باطل، فلم يمنعهم أن ينكروا عليهم إلا مخافة القتال، فلذلك أمر أن يقتل بعضهم بعضًا١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: لَمّا رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذَرّاه في اليم؛ خرج إلى ربه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة، ثم بُعِثوا، سأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم. قال: فبلغني: أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله. فأمر موسى مَن لم يكن عبد العجل أن يقتل مَن عبده، فجلسوا بالأفنية، وأَصْلَت١ عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى، وبَهَشَ٢ إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم، فتاب عليهم، وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف٣٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- قال: لَمّا رجع موسى إلى قومه، وكانوا سبعين رجلًا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم. فقالوا: يا موسى، أما من توبة؟ قال: بلى، ﴿فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم﴾ الآية. فاخْتَرَطُوا السيوف والجِرَزَة١ والخناجر والسكاكين، قال: وبعث عليهم ضَبابَة، قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا، قال: ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري، ويتنادون فيها: رحم الله عبدًا صبر حتى يبلغ الله رضاه. وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين﴾ [الدخان:٣٣]، قال: فقتلاهم شهداء، وتيب على أحيائهم. وقرأ: ﴿فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم﴾٢
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿باتخاذكم العجل﴾، قال: حُلِيٌّ استعاروه من آل فرعون، فقال لهم هارون: أحرِقوه، تَطَهّرُوا منه١
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- في قوله: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل﴾، فقال: ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع، وحين قال الله: ﴿ولما سقط في ايديهم وراوا انهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا﴾ [الأعراف:١٤٩]. قال: فذلك حين يقول موسى: ﴿يا قوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل﴾١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنكم ظلمتم﴾ أي: ضَرَرْتم ﴿أنفسكم باتخاذكم العجل﴾ إلَهًا من دون الله سبحانه وتعالى١
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿إلى بارئكم﴾. قال: خالقكم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول تُبَّعٍ: شهدت على أحمد أنه رسول من الله باري النَّسَم١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿إلى بارئكم﴾، قال: خالقكم١
عن سعيد بن جبير، أنه فَسَّره كذلك١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، أنه فَسَّره كذلك١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾، يعني: خالقكم١
عن سفيان الثوري في قوله: ﴿فتوبوا الى بارئكم﴾، قال: خالقكم الذي خلقكم١
عن علي بن أبي طالب -من طريق عُمارَة بن عبد، وأبي عبد الرحمن- قال: قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضًا. فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه، لا يُبالي مَن قتل، حتى قُتِل منهم سبعون ألفًا، فأوحى الله إلى موسى: مُرْهُم فليرفعوا أيديهم، وقد غُفِر لمن قتل، وتِيبَ على مَن بقي١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عِكْرِمة- قال: أمر موسى قومه -عن أمر ربه- أن يقتلوا أنفسهم، واحْتَبى١ الذين عكفوا على العجل، فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجَلَتِ الظلمةُ عنهم، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كلُّ مَن قتل منهم كانت له توبة، وكل مَن بقي كانت له توبة٢
عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال لي عطاء: سمعت عُبَيْد بن عُمَير يقول: قام بعضهم إلى بعض يقتل بعضهم بعضًا، ما يتَوَقّى الرجلُ أخاه ولا أباه ولا ابنه ولا أحدًا، حتى نزلت التوبة، قال ابن جريج: وقال ابن عباس: بلغ قتلاهم سبعين ألفًا، ثم رفع الله - عز وجل - عنهم القتل، وتاب عليهم١
عن أبي عبد الرحمن١ -من طريق أبي إسحاق- أنّه قال في هذه الآية: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾، قال: عمدوا إلى الخناجر، فجعل يطعن بعضهم بعضًا٢