عن عبد الله بن عباس -من طريق عُبادَة الأسَدي- قال: إنّ إخوة يوسف لَمّا دخلوا عليه فعرَفهم وهم له منكرون؛ جاء بصُواع الملك الذي كان يشرب فيه، فوَضَعه على يده، فجعل ينقُرُهُ ويَطِنُّ، وينقُرُه ويَطِنُّ، فقال: إنّ هذا الجامَ لَيُخْبِرُني عنكم خَبَرًا، هل كان لكم أخ مِن أبيكم يُقال له: يوسف، وكان أبوه يُحِبُّه دونكم، وإنّكم انطلقتم به فألقيتموه في الجُبِّ، وأخبرتم أباكم أنّ الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب؟ قال: فجعل بعضُهم ينظر إلى بعض، ويعجبون أنّ هذا الجامَ لَيُخْبِرُ خَبرَهم، فمِن أين يعلم هذا؟! قال ابنُ عباس: فلا نرى هذه الآيةَ نزلت إلا فيهم: ﴿لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ [يوسف:١٥]١
٣
قال عبد الله بن عباس: وكان بين أن قذفوه في البئر وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، فلذلك أنكروه١
٤
عن أبي الجَلْد -من طريق سفيان- قال: قال يوسف عليه السلام لإخوته: إنّ أمرَكم لَيَرِيبُنِي، كأنّكم جواسيس. قالوا: يا أيها العزيز، إنّ أبانا شيخ صِدِّيق، وإنّا قومٌ صِدِّيقون، وإنّ الله يُحْيِي بكلام الأنبياء القلوبَ كما يُحْيِي وابلُ السماءِ الأرضَ. ويقول لهم وفي يده الإناءُ وهو يَقْرَعُه القَرْعَةَ: كأنّ هذا يخبر عنكم بأنّكم جواسيس١
قال عطاء: إنّما لم يعرفوه لأنّه كان على سرير المَلِك، وعلى رأسه تاج المُلْك١
٧
عن ابن عون، قال: قلتُ للحسن البصري: تُرى يوسف عرَف إخوتَه؟ قال: لا، واللهِ، ما عرَفهم حتى تعرَّفوا إليه١
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿فعرفهم وهم له منكرون﴾، قال: لا يعرِفونه١
٩
عن وهب بن مُنَبِّه، قال: لَمّا جعَل يوسفُ عليه السلام ينقُر الصاعَ ويُخْبِرُهم؛ قام إليه بعضُ إخوتُه، فقال: أنشُدُك باللهِ ألّا تَكْشِف لنا عَوْرَةً١
١٠
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: فأصابَ الأرضَ الجوعُ، وأصاب بلادَ يعقوب التي كان فيها، فبعث بنيه إلى مصر، وأمسك بنيامين أخا يوسف، فلمّا دخلوا على يوسف ﴿فَعَرَفَهُم وهم له منكرون﴾، فلمّا نظر إليهم أخذهم، وأدخلهم الدار، وأدخل المَكُّوكَ١، وقال لهم: أخْبِرُوني، ما أمرُكم؟ فإنِّي أُنكِرُ شأنَكم. قالوا: نحن مِن أرض الشام. قال: فما جاء بكم؟ قالوا: نَمْتارُ طعامًا. قال: كذبتم، أنتم عُيُون، كم أنتم؟ قالوا: نحن عشرة. قال: أنتم عشرة آلاف؛ كل رجل منكم أميرُ ألف، فأخبِرُوني خبركم. قالوا: إنّا إخْوَةٌ، بنو رجل صِدِّيقٍ، وإنّا كُنّا اثني عشر، فكان يُحِبُّ أخًا لنا، وإنّه ذَهَبَ معنا إلى البَرِّيَّةِ، فهَلَكَ مِنّا فيها، وكانَ أحبَّنا إلى أبينا. قال: فإلى مَن يسكن أبوكُم بعده؟ قالوا: إلى أخٍ له أصغر منه. قال: كيف تُحَدِّثوني أنّ أباكم صِدِّيق، وهو يُحِبُّ الصغير منكم دون الكبير؟! ائْتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه، ﴿فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون﴾. قالوا: ﴿سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون﴾. قال: فإني أخشى ألا تأتوني به، فضعوا بعضَكم رهينةً حتى ترجعوا. فارْتَهَنَ شَمْعُون عنده٢٣
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ مِن أرض كَنْعان، ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أي: على يوسف بمِصْر، ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ يوسفُ، ﴿وهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ يقول: وهم لا يعرفون يوسف. فقال: مَن أنتم؟ قالوا: نحن بنو يعقوب، نحن من أهل كنعان. قال: كَم أنتم؟ قالوا: نحنُ أحد عشر. قال: ما لي لا أرى الأحدَ عشر؟ قالوا: واحِدٌ مِنّا عند أبينا. قال: ولِم ذلك؟ قالوا: إنّ أخاه لأمه أكله الذئب، فلذلك تركناه عند أبينا، فهو يستريح إليه١
١٢
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: لَمّا اطمأن يوسفُ في مُلْكِه، وخرج مِن البلاء الذي كان فيه، وخَلَت السنون المُخْصِبة التي كان أمرهم بالإعداد فيها للسِّنين التي أخبرهم بها أنها كائنة؛ جُهِدَ الناسُ١ في كل وجْهٍ، وضربوا إلى مصر يلتمسون بها المِيرَةَ مِن كل بلدة، وكان يوسفُ حين رأى ما أصاب الناس مِن الجَهْدِ قد آسى بينهم، وكان لا يحمل للرجل إلا بعيرًا واحدًا، ولا يحمل للرجل الواحد بعيرين؛ تقسيطًا بين الناس، وتوسيعًا عليهم، فقَدِم إخوتُه فيمن قَدِم عليه من الناس، يلتمسون الميرَة مِن مصر، فعرفهم وهم له منكرون؛ لِما أراد اللهُ أن يبلغ ليوسف عليه السلام ما أراد٢٣