نزول الآية
١٤ قولًاعن أُمّ سَلَمة -من طريق ثابت مولى أُمّ سَلَمة- قالت: بعث النبيُّ ﷺ الوليدَ بن عُقبة إلى بني المُصطلق يُصدِّقُ أموالهم، فسمع بذلك القومُ، فتلقّوه يُعَظِّمون أمرَ رسول الله ﷺ، فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتْله، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فقال: إنّ بني المُصطلق منعوا صدقاتهم. فبلغ القومَ رجوعُه، فأتَوا رسول الله ﷺ، فقالوا: نعوذ بالله من سَخَط الله وسَخَط رسوله، بَعثتَ إلينا رجلًا مُصَدِّقًا فسُرِرْنا لذلك، وقَرَّت أعينُنا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون ذلك غضبًا من الله ورسوله. ونَزَلتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآية١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾، قال: كان رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط، ثم أحد بني عمرو بن أُمَيّة، ثم أحد بني أبي مُعَيط إلى بني المُصْطَلق ليأخذ منهم الصّدقات، وإنّه لَمّا أتاهم الخبرُ فرِحوا وخرجوا ليتلقَّوا رسولَ رسولِ الله ﷺ، وأنّه لَمّا حُدِّث الوليد أنهم خرجوا يتلقّونه رجع، فقال: يا رسول الله، إنّ بني المصطلق قد منعوا الصّدقة. فغضب رسول الله ﷺ مِن ذلك غضبًا شديدًا، فبينما هو يحدِّث نفسه أن يغزوَهم إذ أتاه الوفد، فقالوا: يا رسول الله، إنّا حُدِّثنا أنّ رسولك رجع مِن نصف الطريق، وإنّا خشينا أن يكون إنما ردّه كتابٌ جاءه منك لِغضبٍ غضبته علينا. فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآية١
عن جابر بن عبد الله -من طريق موسى بن المسيب، عن سالم بن أبي الجعد- قال: بعَث رسولُ الله ﷺ الوليدَ بن عُقبة إلى بني وليعة، وكانت بينهم شحناء في الجاهلية، فلمّا بلغ بني وليعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه، فخشي القومَ، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فقال: إنّ بني وليعة أرادوا قتْلي، ومنعوني الصّدقة. فلما بلغ بني وليعة الذي قال لهم الوليدُ عِند رسول الله ﷺ أتَوا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، لقد كذب الوليد، ولكن كانت بينه وبيننا شحناء، فخشِينا أن يُكافئنا بالذي كان بيننا. فأنزل الله في الوليد: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية١
عن علقمة بن ناجية، قال: بعَث إلينا رسولُ الله ﷺ الوليدَ بن عُقبة بن أبي مُعَيط يُصَدِّق أموالنا، فسار حتى إذا كان قريبًا مِنّا -وذلك بعد وقعة المُرَيْسِيع- رجع، فرَكِبتُ في أثره، فأتى النبيَّ ﷺ، فقال: يا رسول الله، أتيتُ قومًا في جاهليّتهم أخذوا اللباس ومنعوا الصدقة. فلم يُغيِّر ذلك رسول الله ﷺ حتى أُنَزِلت الآية: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾، فأتى المُصْطَلقون إلى النبيِّ ﷺ إثْر الوليد بطائفة مِن صَدقاتهم١
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى -من طريق هلال الأنصاري- ﴿إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾، قال: نَزَلتْ في الوليد بن عُقبة حين أُرسِل إلى بني المُصْطَلق١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: أرسل رسولُ الله ﷺ الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط إلى بني المُصْطَلق ليُصدِّقهم، فتلقّوه بالهديّة، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فقال: إنّ بني المُصْطَلق جمعوا لك ليقاتلوك. فأنزل الله: ﴿إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾١
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- يقول في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إلى آخر الآية، قال: بعث رسولُ الله ﷺ رجلًا مِن أصحابه إلى قوم يُصَدّقهم، فأتاهم الرجل، وكان بينهم وبينه حِنَّة١ في الجاهلية، فلما أتاهم رحّبوا به، وأقرُّوا بالزّكاة، وأعطوا ما عليهم من الحقّ، فرجع الرجلُ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، منع بنو فلان الزّكاة، ورجعوا عن الإسلام. فغضب رسول الله ﷺ، وبعث إليهم، فأتَوه، فقال: «أمنعتم الزّكاة، وطردتم رسولي؟!». فقالوا: واللهِ، ما فعلنا، وإنّا لنعلم أنك لرسول الله -صلّى الله عليك-، ولا بدّلنا، ولا منعنا حقّ الله في أموالنا. فلم يُصدّقهم رسول الله ﷺ؛ فأنزل الله هذه الآية، فعذَرهم٢
عن عكرمة مولى ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عُقبة إلى بني المُصْطَلق يُصدّقهم، فلم يبْلُغْهم، ورجع، فقال لرسول الله ﷺ: إنهم عصَوا. فأراد رسول الله ﷺ أن يُجَهِّز إليهم؛ إذ جاء رجل مِن بني المُصْطَلق، فقال لرسول الله ﷺ: سمعنا أنّك أرسلتَ إلينا، ففرحنا به، واستبشرنا به، وإنه لم يبلغنا رسولك، وكذب. فأنزل الله فيه -وسمّاه فاسقًا-: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآية١
عن الحسن البصري: أنّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ، فقال: يا نبي الله، إنّ بني فلان -حيًّا من أحياء العرب، وكان في نفسه عليهم شيء، وكانوا حديثي عهد بالإسلام- قد تركوا الصلاة، وارتدّوا، وكفروا بالله. قال: فلم يَعْجَل رسول الله ﷺ، ودعا خالد بن الوليد، فبعثه إليهم، ثم قال: «ارمُقْهم عند الصلوات، فإن كان القومُ قد تركوا الصلاة فشأنك بهم، وإلا فلا تَعْجَل عليهم». قال: فدنا منهم عند غروب الشمس، فكمَن حيث يسمع الصلاة، فرَمَقهم فإذا هو بالمُؤذّن قد قام حين غروب الشمس، فأذّن، ثم أقام الصلاة، فصلَّوُا المغرب، فقال خالد بن الوليد: ما أراهم إلا يُصلُّون، فلعلّهم تركوا صلاةً غير هذه. ثم كمَن حتى إذا جَنَح الليل وغاب الشَّفَق أذّن مُؤذّنهم، فصلُّوا. قال: فلعلّهم تركوا صلاة أخرى. فكمَن حتى إذا كان في جوف الليل، فتقدّم حتى أطلَّ الخيلُ بدُورهم، فإذا القوم تعلّموا شيئًا مِن القرآن، فهم يتهجَّدون به من الليل ويقرؤونه، ثم أتاهم عند الصبح، فإذا المُؤذّن حين طلع الفجر قد أذّن وأقام، فقاموا فصلُّوا، فلما انصرفوا وأضاء لهم النهار إذا هم بنواصي الخيل في ديارهم، فقالوا: ما هذا؟ قالوا: هذا خالد بن الوليد. وكان رجلا مُشْبَعًا، فقالوا: يا خالد، ما شأنك؟ قال: أنتم -واللهِ- شأني، أُتي النبى ﷺ، فقيل له: إنكم تركتم الصلاة، وكفرتم بالله. فجعلوا يبكون، وقالوا: نعوذ بالله أن نكفر أبدًا. قال: فصَرف الخيل، وردّها عنهم، حتى أتى رسول الله ﷺ، وأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾. قال الحسن: فواللهِ، لئن كانت نَزَلتْ في هؤلاء القوم خاصة؛ إنها لمُرسَلةٌ إلى يوم القيامة، ما نَسَخها شيء١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾، قال: هو ابن أبي مُعيط الوليد بن عُقبة، بعثه نبيُّ الله ﷺ إلى بني المُصْطَلق مُصدِّقًا، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فأخبره أنهم قد ارتدُّوا عن الإسلام، فبَعث رسول الله ﷺ خالدَ بن الوليد، وأمره بأن يتثبّت ولا يَعْجَل، فانطلَق حتى أتاهم ليلًا، فبعث عيونه، فلما جاءهم أخبروه أنهم متمسِّكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالدٌ، فرأى ما يُعجبه، فرجع إلى نبي الله ﷺ، فأخبَره الخبر، فأنزل الله في ذلك القرآن، فكان نبي الله ﷺ يقول: «التبيّن من الله، والعَجَلة من الشيطان»١
عن يزيد بن رُومان -من طريق محمد بن إسحاق-: أنّ رسول الله ﷺ بعَث إلى بني المُصْطَلق بعد إسلامهم، الوليد بن أبي مُعيط، فلما سمعوا به رَكبوا إليه؛ فلما سمع بهم خافهم، فرجَع إلى رسول الله ﷺ، فأخبَره أنّ القوم قد همُّوا بقتْله، ومنعوا ما قَبِلهم من صَدقاتهم، فأكثَر المسلمون في ذِكر غزوتهم، حتى همَّ رسول الله ﷺ أن يَغْزُوَهم، فبيْنا هم في ذلك قَدِم وفْدهم على رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك حين بعثْتَه إلينا، فخرجنا إليه لنُكرمه، ولنؤدّي إليه ما قَبِلنا من الصدقة، فانشَمَرَ راجعًا، فبَلَغنا أنه يزعم لرسول الله ﷺ أنّا خرجنا إليه لنقاتله، وواللهِ، ما خرجنا لذلك. فأنزل الله في الوليد بن عُقبة وفيهم: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخر الآية١
قال محمد بن السّائِب الكلبي: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآية، بلَغنا: أنّ رسول الله ﷺ بعَث الوليد بن عُقبة إلى بني المُصْطَلق، وهم حيٌّ مِن خُزاعة؛ ليأخذ منهم صَدقاتهم، ففرحوا بذلك، وركِبوا يلتمسونه، فبَلغه أنهم قد ركِبوا يتلقّونه، وكان بينهم وبين الوليد ضِغْنٌ في الجاهلية، فخاف الوليد أن يكونوا إنما ركبوا إليه ليقتلوه، فرجع إلى رسول الله، ولم يَلْقهم، فقال: يا رسول الله، إنّ بني المُصْطَلق منعوا صدقاتهم، وكفروا بعد إسلامهم. قالوا: يا رسول الله إلينا، إنما ردّه غضبٌ غضبته علينا! فإنّا نعوذ بالله من غضَبه وغضب رسوله. فأنزل الله عُذرهم في هذه الآية١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ بعث الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط الأُموي إلى بني المُصْطَلق، وهم حي من خُزاعة؛ ليقْبِض صدقة أموالهم، فلما بلَغهم ذلك فرحوا، واجتمعوا ليتلقّوه، فبلغ الوليدَ ذلك، فخافهم على نفسه، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية من أجل شيء كانوا أصابوه، فرجع إلى النبي ﷺ، فقال: طردوني، ومنعونى الصدقة، وكفروا بعد إسلامهم. فلمّا قال ذلك انتدب المسلمون لقتالهم، فقال النبي ﷺ: إلا حتى أعلم العلم. فلمّا بلغهم أنّ الوليد رجع مِن عندهم بعثوا وفْدًا مِن وجوههم، فقدموا على النبي ﷺ المدينة، فقالوا: يا رسول الله، إنك أرسلتَ إلينا مَن يأخذ صدقاتنا، فسُرِرنا بذلك، وأردْنا أن نتلقّاه، فذُكر لنا أنه رجع من بعض الطريق، فخِفنا أنه إنما ردّه غضبٌ علينا، وإنّا نعوذ بالله مِن غضَبه وغضَب رسوله، واللهِ، ما رأيناه، ولا أتانا، ولكن حمله على ذلك شيء كان بيننا وبينه في الجاهلية... ، فصدّقهم النبيُّ ﷺ، فأنزل الله تعالى في الوليد ثلاث آيات متواليات بفسْقه وبكذِبه١
عن الحارث بن ضِرار الخُزاعيّ، قال: قدمتُ على رسول الله ﷺ، فدعاني إلى الإسلام، فدخلتُ فيه، وأقررتُ به، ودعاني إلى الزّكاة، فأقررتُ بها، وقلتُ: يا رسول الله، أرجع إلى قومي، فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزّكاة، فمَن استجاب لي جمعتُ زكاته، وترسل إليَّ -يا رسول الله- رسولًا لإبّان كذا وكذا؛ ليأتيك ما جمعتُ من الزّكاة. فلمّا جمع الحارث الزّكاة مِمَّن استجاب له، وبلغ الإبّان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يَبعثَ إليه؛ احتبس الرسولُ فلم يأتِ، فظنّ الحارث أنّه قد حدث فيه سَخْطةٌ مِن الله ورسوله، فدعا بِسَرَواتِ١ قومه، فقال لهم: إنّ رسول الله ﷺ كان وقَّت لي وقتًا يُرسِل إلَيَّ رسوله ليقْبِض ما كان عندي مِن الزّكاة، وليس مِن رسول الله ﷺ الخُلْف، ولا أرى حُبس رسوله إلا من سَخْطةٍ، فانطلِقوا، فنأتي رسول الله ﷺ. وبعث رسولُ الله ﷺ الوليدَ بن عُقبة إلى الحارث؛ ليقْبِض ما كان عنده مِمّا جَمع من الزّكاة، فلمّا أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرِق فرجع، فأتى رسول الله ﷺ، فقال: إنّ الحارث منعني الزّكاة، وأراد قتْلي. فضرب رسول الله ﷺ البَعْث إلى الحارث، فأقبل الحارثُ بأصحابه، حتى إذا استَقبل البَعْث وفصَل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث. فلمّا غَشِيهم قال لهم: إلى مَن بُعِثْتُم؟ قالوا: إليك. قال: ولِمَ؟ قالوا: إنّ رسول الله ﷺ بَعث إليك الوليدَ بن عُقبة، فزعم أنّك منعته الزّكاة، وأردتَ قتْله. قال: لا، والذي بَعث محمَّدًا بالحقّ، ما رأيتُه ولا أتاني. فلمّا دخل الحارثُ على رسول الله ﷺ قال: «منعتَ الزّكاة وأردتَ قتْل رسولي؟!». قال: لا، والذي بعثك بالحقّ، ما رأيتُه ولا رآني، وما أقبلتُ إلا حين احتبس عليَّ رسولُ رسولِ الله ﷺ، خشيتُ أن تكون كانت سَخْطةٌ من الله ورسوله. فنزل: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾٢