نزول الآيات
١٢ قولًاعن قتادة بن دِعامة -من طريق شَيْبان- قال: ذُكِر لنا: أنّ هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار ورجل من اليهود في مُدارَأَةٍ كانت بينهما، في حَقٍّ تَدارَءا فيه، فتحاكما إلى كاهن كان بالمدينة، وتركا رسول الله ﷺ، فعاب اللهُ ذلك عليهما. وقد حُدِّثنا: أنّ اليهوديَّ كان يدعوه إلى نبي الله ﷺ، وكان لا يعلم أنّه لا يجوز عليه، وكان يأبى عليه الأنصاريُّ الذي زعم أنه مسلم؛ فأنزل الله فيهما ما تسمعون، عاب ذلك على الذي زعم أنه مسلم، وعلى صاحب الكتاب١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في الآية، قال: كان ناسٌ مِن اليهود قد أسلموا، ونافق بعضُهم، وكانت قُرَيْظَة والنَّضِير في الجاهلية إذا قُتِل الرجل من بني النَّضِير -قَتَلَتْهُ بنو قريظة- قتلوا به منهم، فإذا قُتِل رجل مِن بني قُرَيْظَة -قتلته النَّضِير- أعْطَوا دِيَتَه سِتِّين وسقًا من تمر، فلمّا أسلم أُناسٌ مِن قريظة والنضير قَتَل رجل مِن بني النَّضير رجلًا مِن بني قُرَيْظة، فتحاكموا إلى النبي ﷺ، فقال النَّضِيرِيُّ: يا رسول الله، إنّا كُنّا نعطيهم في الجاهلية الدِّيَةَ، فنحن نعطيهم اليوم الدِّيَة. فقالت قُرَيْظَة: لا، ولكِنّا إخوانُكم في النَّسَب والدِّين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبونا في الجاهلية، فقد جاء الإسلام. فأنزل الله تعالى يُعَيِّرهم بما فعلوا، فقال: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة:٤٥] يُعَيِّرهم. ثم ذكر قول النَّضِيرِيِّ: كُنّا نعطيهم في الجاهلية سِتِّين وسقًا، ونقتل منهم ولا يقتلوننا. فقال: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾ [المائدة:٥٠]. فأخَذَ النضيريَّ فقتله بصاحبه، فتفاخرت النَّضِير وقُرَيْظَة، فقالت النَّضِير: نحن أكرم منكم. وقالت قُرَيْظَة: نحن أكرم منكم. فدخلوا المدينة إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي، فقال المنافقون من قريظة والنضير: انطلقوا بنا إلى أبي بُرَدْةَ يُنفِر١ بيننا. وقال المسلمون مِن قريظة والنَّضِير: لا، بل النبي ﷺ ينفر بيننا، فتعالَوْا إليه. فأبى المنافقون، وانطلقوا إلى أبي بُرْدَة، وسألوه، فقال: أعْظِمُوا اللُّقْمَة. يقول: أعظموا الخَطَر٢. فقالوا: لك عشرة أوْساقٍ. قال: لا، بل مائة وسق دِيَتِي، فإنِّي أخاف أن أُنفِر النضير فتقتلني قريظة، أو أُنفِر قريظة فتقتلني النضير. فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق، وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ إلى قوله: ﴿ويسلموا تسليما﴾٣
عن يحيى بن سلام، قال محمد بن السائب الكلبي: إنّ رجلًا من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود خصومةٌ، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد نختصم إليه. وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف. وهو الطاغوت هاهنا، قال الكلبيُّ: فأبى المنافقُ أن يُخاصِمَه إلى النبي، وأبى اليهوديُّ إلا أن يخاصمه إلى النبي، فاختصما إلى النبي، فقضى لليهودي، فلمّا خرجا مِن عنده قال المنافق: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب أخاصمك إليه. فأقبل معه اليهوديُّ، فدخلا على عمر، فقال له اليهوديُّ: يا عمر، إنِّي اختصمتُ أنا وهذا الرجلُ إلى محمد، فقضى لي عليه، فلم يرضَ هذا بقضائه، وزعم أنّه يخاصمني إليك. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال: رويدكما حتى أخرج إليكما. فدخل البيتَ، فاشتمل على السيف، ثم خرج إلى المنافق، فضربه حتى برد١
قال مقاتل بن سليمان: في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا﴾... وذلك أنّ بِشْرًا المنافق خاصَم يهوديًّا، فدعاه اليهوديُّ إلى النبي ﷺ، ودعاه المنافق إلى كعب، ثم إنّهما اختصما إلى النبي ﷺ، فقضى لليهودي على المنافق، فقال المنافق لليهودي: انطلق أخاصمك إلى عمر بن الخطاب. فقال اليهودي لعمر: إنِّي خاصمتُه إلى محمد ﷺ، فقضى لي، فلم يرضَ بقضائه، فزعم أنّه مخاصمني إليك. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، أحببتُ أن أفْتَرِق عن حكمك. فقال عمر: مكانك حتى أخرج إليكما. فدخل عمر، فأخذ السيف، واشتمل عليه، ثم خرج إلى المنافق، فضربه حتى برد، فقال عمر: هكذا أقضي على مَن لم يرضَ بقضاء الله عز وجل وقضاءِ رسوله ﷺ. وأتى جبريلُ عليه السلام إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمدُ، قد قَتَلَ عمرُ الرجلَ، وفرَّق اللهُ بين الحق والباطل. فسَمّى عمرَ الفاروق؛ فأنزل الله عز وجل في بشر المنافق: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك﴾١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كان أبو بُرْدَة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهودِ فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناسٌ من المسلمين؛ فأنزل الله: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا﴾ إلى قوله: ﴿إحسانا وتوفيقا﴾١
عن عبد الله بن عباس، قال: كان الجلّاس بن الصامت قَبْلَ توبته، ومُعَتِّب بن قُشَيْر، ورافع بن زيد، وبشير؛ كانوا يدَّعون الإسلام، فدعاهم رجالٌ من قومهم من المسلمين في خُصُومَةٍ كانت بينهم إلى رسول الله ﷺ، فدَعَوْهم إلى الكُهّان حُكّام الجاهلية؛ فأنزل الله فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون﴾الآية١
عن محمد بن إسحاق -من طريق إبراهيم بن سعد-، مثله١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا﴾ الآية، قال: نزلت في رجل من المنافقين يُقال له: بِشْر، خاصم يهوديًّا، فدعاه اليهوديُّ إلى النبي ﷺ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثُمَّ إنّهما احْتَكَما إلى النبي ﷺ فقَضى لليهوديِّ، فلم يَرْضَ المنافق، وقال: تعالَ نتحاكم إلى عمر بن الخطاب. فقال اليهوديُّ لعمر: قضى لنا رسول الله ﷺ، فلم يرض بقضائه. فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانَكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر، فاشتمل على سيفه، ثم خرج، فضرب عُنُق المنافق حتى برد، ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يَرْضَ بقضاء الله ورسوله. فنزلت١
عن عامر الشعبي -من طريق داود- قال: كان بين رجلٍ من اليهود ورجلٍ من المنافقين خصومةً -وفي لفظ: ورجل ممن زعم أنّه مسلم-، فجعل اليهوديُّ يدعوه إلى النبي ﷺ؛ لأنّه قد عَلِم أنّه لا يأخذ الرشوةَ في الحُكْم، وجعل الآخرُ يَدْعُوه إلى اليهود؛ لأنّه قد علم أنهم يأخذون الرشوة في الحكم، ثم اتفقا على أن يتحاكما إلى كاهن في جُهَيْنَة؛ فنزلت: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا﴾ الآية إلى قوله: ﴿ويسلموا تسليما﴾١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في الآية، قال: تنازع رجلٌ من المنافقين ورجلٌ من اليهود، فقال المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف. وقال اليهودي: اذهب بنا إلى النبي ﷺ. فأنزل الله: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون﴾ الآية١
عن سليمان التيمي، قال: زعم حَضْرَمِيٌّ: أن رجلًا من اليهود كان قد أسلم، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مُدارَأَةٌ في حَقٍّ، فقال اليهودي له: انطلق إلى نبي الله. فعرف أنه سيقضي عليه، فأبى، فانطلقا إلى رجل من الكُهّان، فتحاكما إليه؛ فأنزل الله: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون﴾ الآية١٢
قال الحسن البصري: انطلق رجلٌ يُحاكِمُ آخرَ إلى النبي ﷺ، فقال الآخر: لا، بل انطلِق إلى وثَنِ بني فلان. فأنزل الله هذه الآية١