آثار في قصة المباهلة
١١ قولًاقال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِّن دُونِ الله﴾؛ لأنهم اتخذوا عيسى ربًّا، ﴿فَإن تَوَلَّوْاْ﴾ يعني: فإن أبَوُا التوحيد ﴿فَقُولُواْ﴾ لهم أنتم: ﴿اشهدوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾، يعني: مخلصين بالتوحيد، فقال العاقب: ما نصنع بملاعنته شيئًا، فواللهِ، لَئِن كان كاذِبًا ما مُلاعنته بشيء، ولَئن كان صادِقًا لا يأتي علينا الحَوْل حتى يُهْلِك الله الكاذبين. قالوا: يا محمد، نُصالِحك على أن [لا] تغزونا ولا تخيفنا ولا تَرُدَّنا عن ديننا، على أن نُؤَدِّي إليك ألف حُلَّة في صَفَر، وألف حُلَّة في رجب، وعلى ثلاثين دِرعًا مِن حديد عادِيَّة١، فصالحهم النبيُّ ﷺ على ذلك، فقال: «والذي نفس محمد بيده، لو لاعنوني ما حال الحول ويحضرني منهم أحد، ولَأهلك الله الكاذبين». قال عمر رضى الله عنه: لو لاعنتَهم بيد مَن كنت تأخذ؟ قال: «آخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام٢ وحفصة، وعائشة، -رحمهما الله-٣»٤
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق ابن ثور- ﴿فمن حاجك فيه﴾ إلى قوله: ﴿على الكاذبين﴾: ذكر نصارى نجران، قال: فأبى السيد، وقالوا: نُصالحك. فصالحوا على ألْفَيْ حُلَّة كل عام، في كل رجب ألف، وفي كل صَفَر ألف حُلَّة، فقال النبيُّ ﷺ: «والذي نفسي بيده، لو لاعنوني ما حال الحَوْلُ ومنهم أحدٌ إلا أهلك الله الكاذبين»١
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج- قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، لو لاعنوني ما حال الحول وبحضرتهم منهم أحد إلا أهلك الله الكاذبين»١
عن حذيفة، قال: جاء العاقب والسيِّد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يُلاعِناه، قال: فقال أحدُهما لصاحبه: لا تفعلْ، فواللهِ، لَئِن كان نبيًّا فلاعنّا لا نُفْلِح نحن، ولا عَقِبُنا مِن بعدِنا. قالا: إنّا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا. فقال «لأبعثنَّ معكم رجلًا أمينًا حق أمين». فاسْتَشْرَف له أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: «قُم، يا أبا عبيدة بن الجراح». فلمّا قام قال رسول الله ﷺ: «هذا أمينُ هذه الأُمَّة»١
عن جابر بن عبد الله: أنّ وفد نجران أتوا النبي ﷺ، فقالوا: ما تقول في عيسى؟ فقال: «هو روح الله، وكلمته، وعبد الله، ورسوله». قالوا له: هل لك أن نُلاعِنك أنّه ليس كذلك؟ قال: «وذاك أحبُّ إليكم؟». قالوا: نعم. قال: «فإذا شئتم». فجاء وجمع ولده الحسن والحسين، فقال رئيسهم: لا تُلاعِنوا هذا الرجل، فواللهِ، لَئِن لاعنتموه ليُخْسَفَنَّ بأحد الفريقين. فجاءوا فقالوا: يا أبا القاسم، إنّما أراد أن يلاعنك سفهاؤنا، وإنّا نُحِبُّ أن تُعْفِيَنا. قال: «قد أعفيتكم». ثم قال: «إنّ العذاب قد أظَلَّ نجران»١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- ﴿فقل تعالوا﴾ إلى قوله: ﴿ثم نبتهل﴾، يقول: نجتهد في الدعاء أنّ الذي جاء به محمد هو الحق، وأنّ الذي يقولون هو الباطل. فقال لهم: «إنّ الله قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم». فقالوا: يا أبا القاسم، بل نرجع، فننظر في أمرنا، ثم نأتيك. فخلا بعضُهم ببعض، وتصادقوا فيما بينهم، قال السيدُ للعاقب: قد -واللهِ- علمتُم أنّ الرجل نبيٌّ مُرْسَل، ولَئِن لاعنتموه إنّه لاسْتِئْصالُكم، وما لاعن قومٌ قطُّ نبيًّا فبقي كبيرهم ولا نَبَتَ صغيرُهم، فإن أنتم لم تتبعوه وأبيتم إلا إلْفَ دينِكم فوادِعوه، وارجعوا إلى بلادكم. وقد كان رسول الله ﷺ خرج ومعه عليٌّ والحسن والحسين وفاطمة، فقال رسول الله ﷺ: «إن أنا دعوتُ فَأَمِّنُوا أنتم». فأبوا أن يُلاعِنوه، وصالَحوه على الجزية١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: لو باهَل أهلُ نجران رسولَ الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا١
عن محمد بن جعفر، قال رسول الله ﷺ: «نعم، ائْتُونِي العَشِيَّة أبعث معكم القويَّ الأمين». قال: فكان عمر بن الخطاب يقول: ما أحببتُ الإمارةَ قطُّ حُبِّي إيّاها يومئذ؛ رجاء أن أكون صاحبَها، فرحت إلى الظهر، فلمّا صلى رسول الله ﷺ الظهر سلَّم، ثم نظر عن يمينه ويساره، فجعلت أتَطاوَل له لِيَراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه، فقال: «اخرج معهم، فاقضِ بينهم بالحقِّ فيما اختلفوا فيه». قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة١
عن قتادة بن دعامة: ﴿فمن حاجك فيه﴾ في عيسى ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا﴾ الآية، فدعا النبيُّ ﷺ لذلك وفدَ نجران، وهم الذين حاجُّوه في عيسى، فنكصوا وأبوا. وذُكِر لنا: أنّ النبي ﷺ قال: «إن كان العذاب لقد نزل على أهل نجران، ولو فعلوا لاسْتُؤْصِلوا عن جَدِيد الأرض١»٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم﴾ الآية: فأخذ -يعني: النبي ﷺ- بيد الحسن والحسين وفاطمة، وقال لعلي: «اتْبَعْنا». فخرج معهم، فلم يخرج يومئذ النصارى، وقالوا: إنّا نخاف أن يكون هذا هو النبي ﷺ، وليس دعوة النبيِّ كغيرها. فتخلَّفوا عنه يومئذ، فقال النبي ﷺ: «لو خرجوا لاحترقوا». فصالحوه على صُلْح؛ على أنّ له عليهم ثمانين ألفًا، فما عجزت الدراهم ففي العَرُوض الحُلَّة بأربعين، وعلى أنّ له عليهم ثلاثًا وثلاثين درعًا، وثلاثًا وثلاثين بعيرًا، وأربعة وثلاثين فَرَسًا غازِيَة كل سنة، وأنّ رسول الله ﷺ ضامِنٌ لها حتى نُؤَدِّيها إليهم١
عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- ﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾ إلى قوله: ﴿فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾: فدعاهم إلى النَّصَف١، وقطع عنهم الحُجَّة، فلما أتى رسولَ الله ﷺ الخبرُ مِن الله عنه، والفصلُ مِن القضاء بينه وبينهم، وأمره بما أمره به من ملاعنتهم، إن ردوا عليه؛ دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه. فانصرفوا عنه، ثم خَلَوْا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبد المسيح، ما ترى؟ قال: واللهِ، يا معشر النصارى، لقد عرفتم أنّ محمدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَل، ولقد جاءكم بالفصل مِن خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قومٌ نبيًّا قط فبقي كبيرهم ولا نَبَت صغيرهم، وإنّه لَلاسْتِئْصالُ منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلْفَ دينِكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم؛ فوادِعُوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم حتى يريكم زمن رأيه. فأتوا رسول الله، فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلًا مِن أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها مِن أموالنا، فإنكم عندنا رُضاة٢