عن عَبِيدَة السَّلْمانِيّ -من طريق ابن سيرين- قال: أسَرَ المسلمون من المشركين سبعين، وقَتَلُوا سبعين، فقال رسول الله ﷺ: «اختاروا أن تأخذوا منهم الفداء، فتقووا به على عدوكم، وإن قَبِلْتُمُوه قُتِل منكم سبعون، أو تقتلوهم». فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم، وقُتِلَ منهم سبعون. قال عبيدة: وطلبوا الخيرتين كلتيهما١
٢
عن عَبِيدَة السَّلْمانِيّ -من طريق ابن سيرين- قال: كان فداءُ أسارى بدر مائةَ أوقية، والأوقية أربعون درهمًا، ومن الدنانير ستة دنانير١
٣
عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ في الأُسارى يومَ بدر: «إن شئتُم قتَلتُموهم، وإن شئتُم فادَيْتُم واسْتَمتَعتُم بالفداء، واسْتُشْهِد منكم بعِدَّتِهم». فكان آخر السبعين ثابت بن قيس، استُشْهِد باليمامة١
٤
عن عبد الله بن عمر، قال: لَمّا اسْتَشار النبي ﷺ الناسَ في أُسارى بدر، قال رسول الله ﷺ: «مَلَكان مِن الملائكة أحدُهما أحْلى مِن الشَّهْد، والآخرُ أمَرُّ مِن الصَّبِر، ونَبِيّان مِن الأنبياء أحدُهما أحلى على قومِه من الشَّهْد، والآخرُ أمَرُّ على قومه من الصَّبِر؛ فأمّا النَّبِيان فنوحٌ قال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾، وأما الآخر فإبراهيمُ إذ قال: ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾؛ وأما المَلَكان فجبريل وميكائيل، هذا صاحبُ الشِّدَّة، وهذا صاحبُ اللِّين، ومَثَلُهما في أُمَّتي أبو بكرٍ وعمر»١
٥
عن عبد الله بن عباس: أنّ النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «ألا أُخْبِرُكما بمَثَلِكما في الملائكة ومَثَلِكما في الأنبياء؟ مَثَلُك يا أبا بكر في الملائكة مَثَلُ ميكائيل، ينزل بالرحمة، ومَثَلُك في الأنبياء مَثَلُ إبراهيم، قال: ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾. ومَثَلُك يا عمر في الملائكة مَثَلُ جبريل، ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله، ومَثَلُك في الأنبياء مَثَلُ نوح، قال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾»١
٦
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي وائل- قال: فُضِّل عمر على الناس بأربعٍ: بذِكْرِه الأُسارى يومَ بدر، فأمَرَ بقَتْلِهم، فأنزل الله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾، وبذِكْرِه الحجاب، أمَرَ نساءَ النبي ﷺ، فقالت زينب: وإنَّك لَتَغارُ علينا والوَحْيُ ينزِلُ في بيوتنا. فأنزل الله: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب:٥٣]، ودعوةِ نبي الله ﷺ: «اللَّهُمَّ، أّيِّدِ الإسلامَ بعُمَر». ورأيِه في أبي بكر، كان أولَ الناس بايَعه١
٧
عن عَبِيدَة السَّلْمانِيّ -من طريق ابن سيرين- قال: نزل جبريل عليه السلام على النبي ﷺ يومَ بدر، فقال: إن ربَّك يُخبِرُك: إن شئتَ أن تقتُلَ هؤلاء الأُسارى، وإن شئتَ أن تُفادِيَ بهم ويُقْتَلَ مِن أصحابِك مثلُهم. فاستشارَ أصحابَه، فقالوا: نُفادِيهم، فنَتَقَوّى بهم، ويُكْرِمُ الله بالشهادة مَن يشاء١٢
تفسير
١٣ قولًا
١
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- يقول في قوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾، يعني: الذين أُسِرُوا ببدر١
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ مِن قبلك يا محمد ﴿أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾١
٣
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ من عدوه١
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿حتى يثخن في الأرض﴾، يقول: حتى يَظْهَرَ على الأرض١
٥
عن سعيد بن جبير -من طريق الأعمش- في قوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾، قال: إذا أسرتموهم فلا تُفادُوهم؛ حتى تُثْخِنُوا فيهم القتل١
٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق حبيب بن أبي عمرة- قال: الإثْخانُ هو القتل١
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿حَتّى يُثْخِنَ﴾ عدوُّه ﴿فِي الأَرْضِ﴾ ويَظْهَرَ عليهم١
٨
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿حتى يثخن في الأرض﴾، أي: يُثْخِنَ عدُوَّه، حتى ينفيهم من الأرض١
٩
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحَكَم- في قوله: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾، يعني: الخَراج١
١٠
عن الحسن البصري -من طريق القاسم- قال: لو لم يكُن لنا ذُنُوبٌ نخافُ على أنفسِنا منها إلا حُبُّنا للدنيا لخَشِينا على أنفسِنا، إنّ الله يقول: ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾. أرِيدوا ما أرادَ الله١
١١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾، قال: أراد أصحاب محمد ﷺ يومَ بدر الفِداء، ففادَوهم بأربعةِ آلاف أربعةِ آلاف، ولَعَمْرَي ما كان أثخنَ رسول الله ﷺ يومئذ، وكان أولَ قتال قاتله المشركين١
١٢
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ أي: المتاع والفداء بأخذ الرجال، ﴿والله يريد الآخرة﴾ بقتلهم، لظهور الدين الذي يريدون إطفاءه، الذي به تدرك الآخرة١
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ يعني: المال، وهو الفِداء من المشركين، نزلت بعد قتال بدر، ﴿واللَّهُ يُرِيدُ﴾ لكم ﴿الآخِرَةَ﴾، ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يعني: منيع في ملكه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في أمره. وذلك أن الغنائم لم تَحِلَّ لأحدٍ من الأنبياء ولا المؤمنين قبلَ محمد ﷺ، وأخبر اللهُ الأممَ: إنِّي أحللت الغنائمَ للمجاهدين من أمة محمد ﷺ، وكان المؤمنون إذا أصابوا الغنائم جمعوها ثم أحرقوها بالنيران، وقتلوا الناس، والأسارى، والدواب، وهذا في الأمم الخالية١
النسخ في الآية
قولانِ
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾، قال: ذلك يومَ بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كَثُروا واشتدَّ سلطانُهم أنزل الله تعالى بعد هذا في الأُسارى: ﴿فإما منا وإما فداء﴾ [محمد:٤]. فجعل الله النبي والمؤمنين في أمرِ الأُسارى بالخيار؛ إن شاءوا قتَلوهم، وإن شاءوا استعبَدوهم، وإن شاءوا فادَوهم١
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق خَصِيف- في قوله: ﴿ما كان لنبيٍّ أن تكونَ له أسرى حتى يُثْخنَ في الأرضِ﴾، قال: نزَلت الرخصة بعدُ؛ إن شئتَ فمُنَّ، وإن شئتَ ففادِ١
آثار متعلقة بالآية
قول واحد
١
عن سعيد بن جبير: أنّ النبي ﷺ لم يَقْتُل يومَ بدر صَبْرًا إلا ثلاثةً: عقبة بن أبي مُعَيط، والنضر بن الحارث، وطُعْمةَ بن عَدِي، وكان النضرُ أسَره المِقْداد١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق ابنه أبي عبيدة- قال: لما كان يومُ بدر جِيءَ بالأُسارى، وفيهم العباس، فقال رسول الله ﷺ: «ما تَرَوْن في هؤلاء الأُسارى؟». فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومُك وأهلُك، اسْتَبْقِهم لعلَّ الله أن يتوبَ عليهم. وقال عمر: يا رسول الله، كَذَّبوك وأخرَجوك وقاتَلوك، قَدِّمْهم فاضْرِبْ أعناقَهم. وقال عبد الله بن رَواحَة: يا رسول الله، انظُرْ واديًا كثير الحطب فأضْرِمْه عليهم نارًا. فقال العباس وهو يسمع ما يقول: قَطَعْتَ رحِمَك. فدخل النبي ﷺ ولم يَرُدَّ عليهم شيئًا، فقال أناس: يأخُذ بقول أبي بكر. وقال أناس: يأخذ بقول عمر. وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رَواحَة. فخرج رسول الله ﷺ، فقال: «إنّ الله ليُلَيِّنُ قلوبَ رجال حتى تكون ألينَ مِن اللبن، وإنّ الله ليُشَدِّدُ قلوبَ رجال فيه حتى تكونَ أشدَّ مِن الحجارة، مَثَلُك يا أبا بكر مَثَلُ إبراهيم عليه السلام، قال: ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ [إبراهيم:٣٦]، ومَثَلُك يا أبا بكر كمَثَلِ عيسى عليه السلام، قال: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة:١١٨]، ومَثَلُك يا عمر كمَثَلِ نوح عليه السلام إذ قال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ [نوح:٢٦]، ومَثَلُك يا عمر كمَثَلِ موسى عليه السلام إذ قال: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس:٨٨]، أنتم عالةٌ فلا يَنفَلِتَنَّ منهم أحدٌ إلا بفِداءٍ أو ضرْبةِ عُنُقٍ». فقال عبد الله: يا رسول الله، إلّا سهيلَ ابن بَيْضاء، فإني سمِعتُه يذكُرُ الإسلام. فسكَت رسول الله ﷺ، فما رأيتُني في يومٍ أخوفَ مِن أن تقعَ عليَّ الحجارةُ من السماء في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله ﷺ: إلا سهيلَ ابن بَيْضاء. فأنزل الله تعالى: ﴿ما كان لنبيٍّ أن تكونَ له أسرى حتّى يُثْخِنَ في الأرضِ﴾ إلى آخر الآيتين١
٢
عن أبي أيوب الأنصاري: [أنّ رسول الله ﷺ] أخَذَ قبضةً من التراب، فرمى بها في وجوه القوم؛ فانهزَمُوا، فأنزل الله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾. فقَتَلْنا وأسَرْنا، فقال عمر: يا رسول الله، ما أرى أن يكون لك أسْرى، فإنّما نحن داعُون مُؤَلِّفُون. فقلنا معشرَ الأنصار: إنما يَحمِلُ عمرَ على ما قال حسدٌ لنا. فنام رسول الله ﷺ، ثم استَيقَظ، ثم قال: «ادعُوا لي عمر». فدُعِيَ له، فقال له: «إن الله قد أنزَلَ عليَّ: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾» الآية١
٣
عن أبي هريرة، في هذه الآية، قال: استشارَ رسول الله ﷺ أبا بكر، فقال: يا رسول الله، قد أعطاك الله الظَّفَرَ، ونصَرك عليهم، فَفادِهمْ، فيكونَ عونًا لأصحابِك. واستشارَ عمر، فقال: يا رسول الله، اضرِبْ أعناقَهم. فقال رسول الله ﷺ: «رحِمكُما الله، ما أشبهَكُما باثنين مَضَيا قبلَكما؛ نوح وإبراهيم؛ أما نوحٌ فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ [نوح:٢٦]، وأما إبراهيم فإنه يقول: ربِّ ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ [إبراهيم:٣٦]» وفادى بهم١
٤
عن عبد الله بن عباس، قال: استشارَ النبي ﷺ أبا بكر وعمرَ في أُسارى بدر، فقال أبو بكر: يا رسول الله، اسْتَبْقِ قومَك، وخُذِ الفداءَ. وقال عمر: يا رسول الله، اقتُلْهم. فقال رسول الله ﷺ: «لو اجْتَمَعْتُما ما عَصَيْتُكما». فأنزل الله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ الآية١
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي زُمَيْل- قال: لَمّا أسروا الأسارى -يعني: يوم بدر- قال رسول الله ﷺ: «أين أبو بكر، وعمر، وعلي؟». قال: «ما ترون في الأسارى؟». فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العَمِّ والعَشِيرة، وأرى أن تأخذ منهم فِدْيَة تكون لنا قُوَّةً على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ: «ما ترى يا ابن الخَطّاب؟». فقال: لا والذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي رأى أبو بكر، يا نبي الله، ولكن أرى أن تُمَكِّنَنا منهم، فتُمَكِّنَ عليًّا من عَقِيلٍ فيضرب عنقه، وتُمَكِّن حمزةَ من العباسِ فيضربَ عنقه، وتمكنني من فلان -نَسِيبٍ لعمر- فأضربَ عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلت. قال عمر: فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله ﷺ، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ: «أبكي للذي عَرَضَ عليَّ أصحابُك من أخْذِهِمُ الفِداءَ، ولقد عُرِضَ عَلَيَّ عذابُكم أدْنى من هذه الشجرة» -شجرة قريبة من رسول الله ﷺ-، فأنزل الله عز وجل: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ إلى قوله: ﴿حلالا طيبا﴾، وأحلَّ الله الغنيمة لهم١
٦
عن عبد الله بن عمر: أنّ النبي ﷺ لَمّا أسَر الأسرى يوم بدر استشار أبا بكرٍ، فقال: قومُك وعترتك -أو وعشيرتُك- فخلِّ سبيلَهم. فاستشارَ عمر، فقال: اقتُلْهم. ففاداهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿ما كان لنبيٍّ أن تكونَ له أسرى﴾ الآية. فلَقِي رسول الله ﷺ عمر، فقال: «كاد أن يُصيبَنا في خلافِك شرٌ –أو بلاء-»١
٧
عن عبد الله بن عمر، قال: لَمّا أُسِر الأُسارى يوم بدر أُسِر العباس فيمَن أُسِر؛ أسَرَه رجلٌ مِن الأنصار، وقد وعَدَتْه الأنصار أن يقتلوه، فبلَغ ذلك النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «لَمْ أنَمِ الليلةَ مِن أجلِ عَمِّي العباس، وقد زَعَمتِ الأنصارُ أنهم قاتِلوه». فقال له عمر: فآتِيهم؟ قال: «نعم». فأتى عمرُ الأنصار، فقال لهم: أرْسِلوا العباس. فقالوا: لا واللهِ، لا نُرْسِلُه. فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله ﷺ رِضًا. قالوا: فإن كان لرسول الله ﷺ رِضًا فخُذْه. فأخَذه عمر، فلما صارَ في يدِه قال له: يا عباس، أسلِمْ، فواللهِ، لَأَن تُسْلِمَ أحبُّ إلَيَّ مِن أن يُسْلِمَ الخَطّابُ، وما ذاك إلا لِما رأيتُ رسول الله ﷺ يُعْجبُه إسلامُك. قال: فاستشار رسول الله ﷺ أبا بكر، فقال أبو بكر: عَشِيرتُكَ، فأرسِلْهم. فاستشار عمر، فقال: اقتلهم. ففاداهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿ما كان لنبيٍّ أن تكونَ له أسرى﴾ الآية١
٨
عن أنس، قال: استشار النبي ﷺ الناس في الأُسارى يوم بدر، فقال: إنّ اللهَ قد أمْكَنَكم منهم. فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأَعْرَضَ عنه النبي ﷺ، ثم عاد رسول الله ﷺ، فقال: «يا أيُّها الناس، إنّ الله قد أمكَنَكم منهم، وإنما هم إخوانُكم بالأمس». فقام عمر، فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد فقال للناس مثلَ ذلك، فقام أبو بكر الصديق، فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفِداء. فعفا عنهم، وقَبِل منهم الفِداء، فأنزل الله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ الآية١
٩
قال مجاهد بن جبر – من طريق حبيب -: كان عمر بن الخطاب يرى الرأي فيوافق رأيه ما يجيء من السماء، وإن رسول الله ﷺ استشار في أسارى «بدر»، فقال المسلمون: بنو عمك افدهم، قال عمر: لا يا رسول الله اقتلهم، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾١
١٠
قال مقاتل بن سليمان: كان النبي ﷺ قد استشار أصحابَه في أسارى بدر، فقال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ: اقتُلْهم؛ فإنهم رءوس الكفر، وأئمة الضلال. وقال أبو بكر: لا تقتلهم؛ فقد شَفى الله الصدورَ، وقَتَل المشركين، وهَزَمَهم، فآدِهِم أنفسَهم، ولْيَكُن ما نأخذ منهم في قوة المسلمين، وعونًا على حرب المشركين، وعسى الله أن يجعلهم أعوانًا لأهل الإسلام فيسلموا. فأُعْجِب النبي ﷺ بقول أبي بكر الصديق، وكان النبي ﷺ رحيمًا، وأبو بكر أيضًا رحيمًا، وكان عمر ماضِيًا، فأخذ النبي ﷺ بقول أبي بكر، ففاداهم، فأنزل الله عز وجل توفيقًا لقول عمر: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾. فقال النبي ﷺ لعمر: «احمد الله؛ إنَّ ربَّك واتاك١ على قولك». فقال عمر: الحمد لله الذي واتاني على قولي في أُسارى بدر. وقال النبي ﷺ: «لو نَزَل عذابٌ من السماء ما نجا مِنّا أحدٌ إلا عمر بن الخطاب، إنه نهاني فَأَبَيْتُ»٢