سورة يس | الآية ٧

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

وقفات مع سور وآيات
لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون
أيمن الشعبان
بلاغة القرآن
برنامج لمسات بيانية (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) * ما معنى حق القول؟ حق القول في القرآن معناه ثبت لهم العذاب. القول هو قوله تعالى (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة). كلمة حق القول إشارة إلى حق القول مني. الذي ورد في القرآن الكريم طبعاً عموم النحاة كلهم يذكرون أن حق القول المقصود به (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة) أو (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) ص) حق القول في القرآن الكريم وكذلك حقت الكلمة لم ترد إلا في ثبوت العذاب هذا يمتد في جميع القرآن استقصاء بإلا بمعنى وجب لهم العذاب أو ثبت لهم العذاب مثال (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) القصص) (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) فصلت) (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) الأحقاف) (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة) (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) يس) (لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) يس) (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) الصافات) (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ (19) الزمر) (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) الزمر) (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) غافر) (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (97) يونس) (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (33) يونس) كلها لم ترد في القرآن لم ترد إلا بهذا المعنى وهذه الدلالة، حق القول أو حقت الكلمة لم ترد إلا بهذه الدلالة. (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) ذكرنا في الآية الكريمة معنى حق القول قلنا أنه ثبت لهم العذاب ووجب لهم العذاب كما في (حقت كلمة ربك) كما ذكرنا في حينها، وقال (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) ما قال فهم لم يؤمنوا ولم يقل فهم غير مؤمنين، فهم لا يؤمنون يعني في المستقبل، حق القول ثبت العذاب أنهم لا يؤمنون طالما ثبت العذاب عليهم وحقّ ووجب ولو آمنوا في المستقبل لما حق القول، وهذا ما حصل فإن أكثرهم لم يؤمنوا. * ربنا يستشهد بعضهم هنا أن الإنسان لا دخل له؟ ليس للإنسان، هو يتكلم عن كفار قريش عن فئة محددة (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) الكلام إخبار عن أمر معين في مجموعة معينة في قريش وهذا ما حصل فإن أكثرهم لم يؤمنوا وهذا يعتبر إعجازاً لأنه إخبار بشيء قبل حصوله وحصل وهذا يؤيد جانب النبي  ونبوّته لأنه لو آمن أكثرهم لكُذِّبت هذه الآية، هو ما قال فهم لم يؤمنوا هذا كلام عن الماضي لم يؤمن ولكن قد يؤمن في المستقبل، لم يقل فهم غير مؤمنين الإخبار عن لحال غير مؤمنين في الحال لكن قد يؤمنون في المستقبل وإنما قال (فهم لا يؤمنون) إذن هو إخبار (لقد) لام القسم وجواب القسم وقد التحقيق (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) يعني هذا الأمر مفروغ منه، هذا الأمر مقسم عليه وهذا إخبار بالغيب قبل وقوعه وهذا من الأدلة الكثيرة على صدق الرسول . وقال (أكثرهم) للدقة لأن قسم منهم آمنوا وهم قِلّة. * وبرّر أنهم لا يؤمنون؟ ليس فقط لم يؤمنوا لكن أحب أن أذكر أمراً آخر: في القرآن الكريم هذا التعبير (حق القول) أو (حقت الكلمة) هذه لم ترد في ثبوت العذاب في القرآن الكريم، كلمة (حق القول) أو حق عليهم القول أو حقت كلمة ربك لم تأتي إلا بثبوت العذاب. مثلاً (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) القصص) حق عليهم العذاب، (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) فصلت) (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) الأحقاف) (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) يس) (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) الإسراء) (لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (72) يس) (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) الصافات) (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ (19) الزمر) (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) الزمر) (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (33) يونس) (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97) يونس) و (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) غافر). نأتي إلى ما ذكرته الآن (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) يس) لم يقل فلم يؤمنوا، هو الآن إخبار بما سيكون لهم في المستقبل وهذا إعجاز إخبار بالأمر قبل أن يقع. * حق القول فيها عذاب؟ (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) هؤلاء قومك أكثرهم لا يؤمنون حق على أكثرهم فهم لا يؤمنون وفعلاً أكثرهم ماتوا على الكفر. * حتى نطمئن ونهدأ بالاً العبرة هنا بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟ هل هذه فئة معينة من الناس؟ (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) هو يتكلم عن هؤلاء تحديداً (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) وأكثرهم مات على الكفر. لم يقل فهم لم يؤمنوا لو قالها بالماضي يكون إخبار عن أمر وقع، ولم يقل فهم غير مؤمنين. * ألا يُحتج بأن ذلك كتبه الله تبارك وتعالى عليهم وسطّره في قرآنه؟ علِم بذلك، هذا إخبار عن علمه سبحانه وتعالى كما أخبر عن علمه بما سيقع في المستقبل وأخبرهم كما قال (غُلِبَتِ الرُّومُ (2) الروم) وما إلى ذلك من أخبار أخبر بها أنها ستقع ووقعت. * العبرة أنه سبق في علمه تبارك وتعالى، ما كتب هذا بداية وأوقعه على الناس. لا، الآن أخبره بعلمه سبحانه وتعالى وهذا قد تحقق فهذا من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أنه أخبر به ووقع فيما بعد فهذا من الإعجاز. * إذن نظرنا إلى هذه الآية (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) نجد القول تقدّم الجار والمجرور في قوله تبارك وتعالى (عَلَى أَكْثَرِهِمْ) مع أننا نجد أنه ربما يحدث العكس في قوله تبارك وتعالى (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم (25) فصلت) أو (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) يونس) فما سر التقديم والتأخير في هذه الآية؟ في آية سورة يس قدّم القول على الجار والمجرور (أكثرهم) وفي مواطن أخرى قدّم الجار والمجرور فقال (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ (25) فصلت) (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) يونس) التقديم والتأخير كما هو مقرر في علم البلاغة حسب العناية، السياق، ما كانت العناية به أكثر هو مدار التقديم والتأخير عليه، يقدم ما كان مدار العناية إذا كان الاهتمام بالقول أكثر قدم القول وإذا كان الاهتمام بمن حق عليهم القول أكثر يقدم من حق عليهم القول (عليهم). إذن إذا كان الاهتمام بالقول يقدم القول وإذا كان الاهتمام بمن حق عليهم القول بالأشخاص، بالمجموعة يقدّم (عليهم). مثال: قال تعالى (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) فصلت) قدّم (عليهم) من حق عليهم القول لأن سياق الناس فيمن حق عليهم القول الأقوام الذين حق عليهم القول الكلام على أعداء الله ابتداءً في عشر آيات في هذا السياق من الآيات 19 إلى 29 في سورة فصلت (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) الكلام كله عمن حق عليهم القول (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)) كل الكلام على أعداء الله وليس هناك كلام عن القول أو من قال (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)) إلى أن يقول (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)) السياق كله فيمن حق عليهم القول، في أعداء الله إذن ناسب تقديم (عليهم). في حين قال (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (33) يونس) قدم (كلمة) على الجار والمجرور لأن الاهتمام ليس منصرفاً إلى هؤلاء وإنما الكلام على الله صاحب الكلمة ونعمه واستحقاقه للعبادة فناسب تقديم (كلمة) نذكر السياق (فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)) الكلام عن الله سبحانه وتعالى (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)) الكلام عن الله فذكر كلمته، (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35)) فلما كان الكلام عن الله واستحقاقه للعبادة قدّم (كلمة) ولما كان الكلام على أعداء الله قدّمهم. في آية يس (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) قدّم القول لأنه لم يقل فيهم إلا (فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) والباقي كله ما يفعله الله يعني استحقاق هذه الكلمة أنه جعل في أعناقهم وجعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً، فِعْل ربنا بما تستحقه الكلمة فإذن كل تعبير في مكانه المناسب. حقّ القول يعني ثبت لهم العذاب. * قد يقول قائل حتى في اللغة خارج القرآن محمد بالداخل أو بالداخل محمد، المهم أن محمد بالداخل فما الفرق بين السياقين؟ من الناحية البلاغية أو من مجرد الإفهام العام؟ أنا لو أخطئ في اللغة الآن وأقول حضر محمداً ومحمد حضر فتقول لو قلت محمدٌ!. إذن لا بد أولاً أن تجري على سنن اللغة وليس على مجرد الإفهام العام. حضر محمداً لا تصير على هذا، لا يجوز مع أن السامع يفهم المقصود أن محمد حضر. * خرق الثوبُ المسمارَ، هذا شاهد نحوي؟ عند بعض أهل اللغة هذه لا تقال إلا فيما يتضح فيه الفاعل قطعاً، عند أمن اللبس، (ورد الحوضُ الفرسَ) عند أولئك يجوز هذه لغة خاصة العرب لم يستعملوها وإنما استعملها قوم من العرب قِلّة ولم يستعملوها إلا فيما أُمن فيه اللبس فقط ما استعملوا أكرم محمد خالد. * عندما نقول ضرب موسى عيسى فمن الذي ضرب؟ هنا يجب تقديم الفاعل إذا لم يتبين الفاعل من المفعول التزم تقديم الفاعل وتأخير المفعول هذا قاعدة، هذا من حيث اللغة. "أكرم أخي صديقي" من الذي أكرم؟ المقدّم قطعاً هو الفاعل. من حيث الدلالة اللغوية الحقيقية أما أن يتكلم كلاماً هكذا، محمد في الداخل هذا إخبار والمخاطَب خال الذهن لا يعلم أين محمد، في الداخل محمد هو يظن أنه ليس في الداخل وإنما في مكان آخر، هذا جواب لسؤال أين محمد؟ محمدٌ في الداخل هو يسأل عن مكانه فقدّم المكان. أين محمد؟ محمد في الداخل، ذاك إخبار أولي تخبره إخباراً. في الداخل محمد قد يظن أنه في المدرسة وليس في داخل البيت قد يظن أنه في السوق، إذا كان المبتدأ معرفة أما إذا كان نكرة فيجب تقديم الجار والمجرور (ولا يجوز الابتداء بالنكرة ما لم تفد). * إذن يمكن أن نستقرئ مسرح الحالة من خلال الكلمات المكتوبة؟ نستقرأ حال التصور الذهني للمتحدثين والمخاطبين من خلال ما قيل من كلام؟ وعلى هذا النحو جاء القرآن الكريم يقدم ويؤخر؟ صح. وعلى هذا النحو جاء القرآن الكريم لأن هذا من الناحية البلاغية تغني عن النغمة الصوتية لأن أحياناً النغمة الصوتية تؤدي معنى معيناً. من عناصر الجملة النغمة الصوتية، القدامى فطنوا لها يقول إبن جنّي محمد عــالم يمد الألف ويقولون محمد عالم عنده علم قليل، يقولون (عنده علم) يفخمون الصوت في (عنده) للدلالة على علمه الكبير بينما يقولون (عنده علم) بدون تفخيم للدلالة على علمه القليل. *إذن هنالك بعض الرسائل التي تقول الدعـــاء أعذب نهر جرى، هذا له صدى في الدراسات القديمة؟ يقولون سألنا فلاناً فوجدناه إنســاناً (بمد الألف وتفخيم الصوت). نحن نقرأ القرآن بما ورد إلينا من قواعد. * سياق الآية يدلنا دلالة كاملة؟ يغني لأن القراءة ليست فقط تخاطب وإنما كتابة، التخاطب يكون بين اثنين موجودين، المكتوب الآن أكثر من المسموع فاللغة العربية تعطيك المعنى بهذه الجوانب التقديم والتأخير والقطع وما إلى ذلك وهذه المعاني تعطيك المقصود بينما في اللغات الأخرى ليس فيها تقديم وتأخير.
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
(لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) معنى (حق القول) في القرآن الكريم ثبت لهم العذاب ووجب، والقول هو قوله تعالى (ولَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)– السجدة (13). جاء في (الكشاف): "(القول) قوله تعالى (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) يعني تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر (1). وجاء في (فتح القدير): "ومعنى (حق) ثبت ووجب القول. أي العذاب على أكثرهم .... وقيل المراد بالقول المذكور هنا هو قوله سبحانه (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ" ) (2). وجاء في (التفسير الكبير): "في قوله تعالى (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ) وجوه: (الأول) وهو المشهور أن المراد من القول هو قوله تعالى (حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ)" (الثاني) هو أن معناه لقد سبق في علمه أن هذا يؤمن أن هذا لا يؤمن فقال في حق البعض إنه لا يؤمن وقال في حق غيره إنه يؤمن (فحق القول) أي وجد وثبت بحيث لا يبدل بغيره. (الثالث) هو أن يقال: المراد منه لقد حق القول الذي قاله الله على لسان الرسل من التوحيد وغيره وبأن برهانه فأكثرهم لا يؤمنون بعد ذلك .... (على أكثرهم) فإن أكثر الكفار ماتوا على الكفر ولم يؤمنوا" (3). ولا شك أن سبق قوله لسبق علمه فلا اختلاف بين القولين الأول والثاني مما ذكره الرازي. وكذلك أن المعنى الذي ذكره في القول الثالث صحيح لكن الذي يظهر أن المراد من معنى (حق القول) في القرآن هو ثبوت العذاب ووجوبه كما ذكرت، والذي يرجح ذلك إنه لم يرد في القرآن الكريم (حق القول) إلا لهذا المعنى وكذلك (حقت كلمة ربك) فإسناد الفعل (حق) إلى القول أو إلى الكلمة لا يعنى إلا ثبوت العذاب ووجوبه وذلك في ثلاثة عشر موضعاً، قال تعالى: (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا)– القصص 63 وقال:(وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) – فصلت 25. وقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) – الأحقاف 18. وقال: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)– السجدة 13. وقال: ( لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)– يس 7. وقال: ( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)– الإسراء 16. وقال: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) – يس 70. وقال: ( فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ)– الصافات 31. وقال:(أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) – الزمر19. وقال: (حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ)– الزمر 71 وقال: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)– يونس33 وقال: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) – يونس 96، 97. وقال: (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)– غافر6. وبذا يترجح ما ذكرناه. وذكر في آية يس أنه حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون، وهذا ما حصل فإن أكثر الكفار لم يؤمنوا وماتوا على الكفر (4) وبذا تحقق ما أخبر به القرآن، وهو من الإعجاز لأنه أخبر بالشيء قبل حصوله فحصل. وقد تقول: وما أدرانا أن هذا الأمر قد تحقق وأن أكثرهم ماتوا على الكفر؟ والجواب: يكفي وروده في القرآن الكريم فإن القرآن أصدق وثيقة تاريخية عما أخبر في وقته، ولو لم يتم هذا الأمر لكان ذلك دليلا على كذب ما أخبر به ولأعترض عليه الكفار بأن ما أخبر به لم يحصل، فإن القرآن يتلى عليهم ليل نهار وهذه الآية يسمعونها دوماً فلو لم يحصل ذلك لكذبوه ولارتدوا عنه. ثم لنلاحظ أن الآية مصدرة بــ(لقد) وهذه الــلام واقعة في جواب قسم عند النحاة سواء كان القسم مذكوراً أم مقدراً، و(قد) حرف تحقيق وقد دخلت على الفعل الماضي ومعنى ذلك أن ما أخبر به قد حصل وتحقق فعلاً. وقال (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ولم يقل (فهم لم يؤمنوا) ليدل على أنهم سيموتون على الكفر وأنهم لا يؤمنون في مستقبل حياتهم ولو قال (فهم لم يؤمنوا) لكان إخباراً عن أمر قد مضى. وكذلك لو قال (فهم غير مؤمنين) لاحتمل أنه يخبر عن حالتهم التي هم عليها وقت نزول الآية وقد يتغير ذلك في المستقبل فقد يكون أشخاص غير مؤمنين وقت نزول هذه الآية وسيؤمنون بعد ذلك، فلا يكون عند ذاك إخباراً عن أمر غيب، فكان قوله الذي قاله أمثل شيء وأنسبه. وقد تقول: ولم قدم (القول) على الجار والمجرور فقال (لقد حق القول على أكثرهم) مع أنه في مواطن أخرى يقدم الجار والمجرور على القول وذلك نحو قوله تعالى( وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) – فصلت 25. وقوله (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ) – يونس (96)، والجواب أن التقديم والتأخير إنما هو لغرض معنوي كما هو مقرر في علم البلاغة فما كانت العناية به أكثر قدم في الكلام. فإذا كان الاهتمام بالقول أكثر قدم وإذا كان الاهتمام بمن حق عليهم القول أكثر قدموا، وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) – فصلت (25). فقدم (عليهم) على (القول) ذلك أن السياق فيمن حق عليهم القول أي على الأقوام الذين حق عليهم العذاب ذلك أن الكلام على أعداء الله ابتداء من الآية التاسعة عشرة إلى الآية التاسعة والعشرين، قال تعالى:(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) – فصلت (19 – 29). فناسب تقديم ضمير هؤلاء على (القول) لأن الكلام يدور عليهم. في حين قال (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) – يونس (33)، فقدم الكلمة على (اللذين فسقوا) لأن الاهتمام ليس منصرفاً إل هؤلاء وإنما الكلام على الله ونعمه واستحقاقه للعبادة فناسب تقديم كلمته سبحانه، قال تعالى: ( فَكَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) – يونس (29-35(. فأنت ترى أن الكلام على الله واستحقاقه للعبادة. والأمر كذلك في آية يس فإن العناية بقول الله عليهم أكثر من الكلام على القوم وأفعالهم، فإنه لم يذكر عن القوم إلا أنهم غافلون لأن آباءهم لم ينذروا، ولم يذكر شيئا عن أفعالهم وإنما ذكر تفسير استحقاق القول عليهم فذكر أنه سبحانه جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً ...الخ فذكر ما فعله ربنا ولم يذكر ما فعلوه هم فقال: ( إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) فجاعل الأغلال هو الله. (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) وجاعل السد هو الله (فأغشيناهم) والذي أغشاهم هو الله. فناسب تقديم قوله عليهم وهو المناسب للسياق. فالجعل جعله والإغشاء إغشاؤه والقول قوله. هذا من حيث السياق والمقام. وهناك أمر آخر لفظي في هذه الآيات وهو إنه إذا كان حرف الجر داخلاً على الضمير نحو (عليهم) و(علينا) تقدم الجار والمجرور على القول وإلا تأخر وهذا لم يتخلف في جميع هذه الآيات. قال تعالى (حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) في ثلاث آيات: القصص 63، فصلت 25، الأحقاف 18. وقال (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ) – الإسراء 16. قال (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا) – الصافات 31. وقال (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ) – الزمر 19. وقال (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) – يونس 96. بتقديم الجار والمجرور على الفاعل في كل ذلك. في حين قال (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ) – يس 7. وقال (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا) – ىونس33. وقال (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) – الزمر 71. وقال (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) – يس 70. بتقديم الفاعل على الجار والمجرور. فناسب تقديم القول في سورة يس من ناحية اللفظ إضافة إلى المعنى وأود أن أشير إلى أمر آخر وهو أن كل تعبير قدم فيه ما قدم إنما كان لغرض تقتضيه البلاغة ويقتضيه السياق والمقام إضافة إلى اللفظ، فليس اللفظ وحده الداعي إلى التقديم، فازداد ذلك حسناً على حسن. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص17 إلى ص22 1- الكشاف 2/582 2- فتح القدير 4/394 3- التفسير الكبير 26/43 وأنظر البحر المحيط 7/323 – 324، روح المعاني 2 /213. 4- أنظر التفسير الكبير 26/44
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
برنامج لمسات بيانية ما الفرق بين قوله تعالي : { وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ } و { حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } ؟ الجواب : معني ( وقع القول ) : حصل وحل , والمراد بـ ( القول ) ما نطق من الآيات الكريمة بمجيء الساعة , وما فيها من فنون الأهوال , وقد يراد بالوقوع دنوه واقترابه . فمعني { وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ } : حل بهم العذاب وحصل ما ذكره القرآن من مجيء الساعة وأهوالها . وأما ( حق القول ) فمعناه : ثبت لهم العذاب ووجب , وإن لم يكن قد وقع . قال تعالي في قريش : { لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } [ يس : 7 ] . وقد يكون العذاب في الدنيا , كما قال تعالي : { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً } [ الإسراء : 16 ] . فقوله : { حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } قد يكون ذلك في الدنيا أو في الآخرة . واما قوله : { وَقَعَ الْقَوْلُ } فلم يرد في القرآن إلا في الآخرة أو قبيل الساعة . وقد ورد هذا التعبير في موطنين من القرآن الكريم , وهما قوله تعالي : { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ } [ النمل : 82 ] . وهذا حين مشارفة الساعة وظهور أشراطها , وحين لا تنفع التوبة . وقوله : { وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ } [ النمل : 85 ] . وهذا في الآخرة . فقوله : { وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ } أقرب إلي الحصول من { حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم
فاضل السامرائي