قال يحيى بن سلّام: ﴿ليفتنونك﴾ ليضلونك. وقال بعضهم: يعني: ليصدونك ﴿عن الذي أوحينا إليك﴾ القرآن ﴿لتفتري علينا غيره﴾١
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لتفتري علينا غيره﴾، يقول سبحانه: لتقول علينا غيره ما لم نقل. لقولهم للنبي ﷺ: قل إن الله أمرني أن أُقِرَّها١
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذا لاتخذوك خليلا﴾ يعني: محبًا -نظيرها في الفرقان [٢٨]: ﴿فلانا خليلا﴾، يعني: محبًّا-؛ لطواعيتك إيّاهم على ما أرادوك عليه إذًا لأحبوك١
تفسير إسماعيل السُّدِّيّ: قوله: ﴿وإن كادوا﴾، يعني: قد كادوا١
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ يعني: ثقيفًا، يقول: وقد كادوا أن يفتنوك، يعني: قد هموا أن يصدوك ﴿عن الذي أوحينا إليك﴾ كقوله سبحانه في المائدة: ﴿واحذرهم أن يفتنوك﴾ يعني: يصدوك ﴿عن بعض ما أنزل الله إليك﴾ [المائدة:٤٩]، ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ يقول: وإن كادوا ليصدونك ﴿عن الذي أوحينا إليك﴾١
نزول الآية
١٣ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس، قال: إنّ أُمَيَّةَ بنَ خلفٍ، وأبا جهلِ بنَ هشامٍ، ورجالًا مِن قريشٍ أتَوا رسولَ الله ﷺ، فقالوا: تعالَ، فتمسَّحْ بآلهتِنا، ونَدْخُلَ معك في ديِنك. وكان رسول الله ﷺ يشتدُّ عليه فِراقُ قومِه، ويُحِبُّ إسلامَهم، فرقَّ لهم؛ فأنزَل الله: ﴿وإن كادُوا لَيَفتِنُونَكَ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾١
٢
عن جابر بن عبد الله -من طريق الكلبيِّ، عن باذانَ-، مثلَه١
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- أنّ ثقيفًا قالوا للنبي ﷺ: أجِّلْنا سنةً حتى يُهدى لآلهَتِنا، فإذا قبَضْنا الذي يُهدى للآلهةِ أحرَزْناه، ثم أسلَمْنا، وكسَّرنا الآلهةَ. فهمَّ أن يُؤَجِّلَهم؛ فنزلت: ﴿وإن كادُوا لَيَفتِنُونَكَ﴾ الآية١
٤
قال عبد الله بن عباس: قدِم وفدُ ثقيف على النبي ﷺ، فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال. قال: «وما هُنَّ؟» قالوا: أن لا ننحني -أي: في الصلاة-، ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها. فقال النبي ﷺ: «لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود، وأما أن تكسروا أصنامكم بأيديكم فذاك لكم، وأما الطاغية -يعني: اللات والعزى- فإني غير مُمَتِّعكم بها». فقالوا: يا رسول الله، إنّا نُحِبُّ أن تسمع العربُ أنك أعطيتنا ما لم تعطِ غيرنا، فإن خشيت أن تقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا. فقل: اللهُ أمرني بذلك. فسكت رسولُ الله ﷺ، فطمِع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية١٢
٥
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- قال: كان رسول الله ﷺ يستلِمُ الحجرَ، فقالوا: لا نَدَعُك تستلِمُه حتى تُلِمَّ بآلهتِنا. فقال رسول الله ﷺ: «وما عليَّ لو فعلتُ واللهُ يعلمُ مني خلافَه؟». فأنزَل الله: ﴿وإن كادُوا لَيَفتِنُونَكَ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾١
عن محمد بن كعب القرظي، قال: أنزَل الله: ﴿والنَّجِمِ إذا هَوى﴾، فقرَأ عليهم رسولُ الله ﷺ هذه الآية: ﴿أفَرَءَيتُمُ الَّلاتَ والعُزى﴾ [النجم:١٩]. فأَلْقى عليه الشيطانُ كلمتين: تلك الغرانيقُ العُلا، وإنّ شفاعتَهنَّ لتُرتَجى. فقرَأ النَّبيُّ ﷺ ما بَقِي مِن السورة، وسجَد؛ فأنزَل الله: ﴿وإن كادُوا لَيَفتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوحَينا إلَيكَ﴾ الآية. فما زال مهمومًا مغمومًا حتى أنزل الله: ﴿وما أرسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ولا نَبِيٍ﴾ الآية [الحج:٥٢]١
٨
عن محمد بن عمر، قال: حدَّثني يونس بن محمد بن فُضالة الظفري، عن أبيه، قال: وحدَّثني كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، قالا: رأى رسولُ الله ﷺ من قومه كفًّا عنه، فجلس خاليًا، فتمنّى، فقال: ليته لا ينزل على شيء ينفرهم عني! وقارب رسول الله ﷺ قومه، ودنا منهم، ودنوا منه، فجلس يومًا مجلسًا في نادٍ مِن تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم: ﴿والنجم إذا هوى﴾ حتى إذا بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [سورة النجم:١٩-٢٠]. ألقى الشيطان كلمتين على لسانه: تلك الغرانيق العُلا، وإنّ شفاعتهن لتُرتجى. فتكلم رسول الله ﷺ بهما، ثم مضى، فقرأ السورة كلها، وسجد، وسجد القوم جميعًا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود. ويُقال: إنّ أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابًا فسجد عليه، رفعه إلى جبهته، وكان شيخًا كبيرًا، فبعض الناس يقول: إنما الذي رفع التراب الوليد. وبعضهم يقول: أبو أُحيحة. وبعضهم يقول: كلاهما جميعًا فعل ذلك. فرضوا بما تكلَّم به رسول الله ﷺ، وقالوا: قد عرفنا أنّ الله يُحيي ويُميت، ويخلُق ويرزُق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأمّا إذ جعلتَ لها نصيبًا فنحن معك. فكبُر ذلك على رسول الله ﷺ من قولهم حتى جلس في البيت، فلمّا أمسى أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فقال جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله ﷺ: قلت على الله ما لم يقل. فأوحى الله إليه: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا﴾ إلى قوله: ﴿ثم لا تجد لك علينا نصيرًا﴾١
٩
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره﴾، قال: أطافوا به ليلة، فقالوا: أنت سيِّدُنا، وابن سيدنا. فأرادوه على بعض ما يريدون، فَهَمَّ النبي - عليه الصلاة والسلام- أن يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾ للذي أرادوا فَهَمَّ أن يقاربهم فيه١
١٠
عن محمد ابن شهاب الزهري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا طاف يقولُ له المشركون: استلِمْ آلهتَنا كي لا تضُرَّك. فكاد يفعلُ؛ فأنزَل اللهُ: ﴿وإن كادُوا لَيَفتِنُونَكَ﴾ الآية١
١١
عن جبيرِ بنِ نفيرٍ: أنّ قريشًا أتوا النَّبي ﷺ، فقالوا له: إن كنتَ أُرْسِلتَ إلينا فاطرُدِ الذين اتَّبعوك ِمن سُقّاِط الناسِ وموالِيهم لِنكونَ نحنُ أصحابَك. فركَن إليهم؛ فأَوْحى الله إليه: ﴿وإن كادُوا لَيَفتِنُونَكَ﴾ الآية١
١٢
قال مقاتل بن سليمان: وذلك أنّ ثقيفًا أتوا النبي ﷺ، فقالوا: نحن إخوانك، وأصهارك، وجيرانك، ونحن خير أهل نجد لك سلمًا، وأضره عليك حربًا، فإن نُسْلِم تُسْلِم نجد كلها، وإن نحاربك يحاربك مَن وراءنا؛ فأعطنا الذي نريد. فقال النبي ﷺ: «وما تريدون؟». قالوا: نُسْلِم على ألا نجش، ولا نعش، ولا نحني -يقولون: على ألا نصلي-، ولا نكسر أصنامًا بأيدينا، وكلُّ رِبًا لنا على الناس فهو لنا، وكل رِبًا للناس فهو عنا موضوع، ومن وجدناه في وادي وج يقطع شجرها انتزعنا عنه ثيابه، وضربنا ظهره وبطنه، وحرمته كحرمة مكة وصيده وطيره وشجره، وتستعمل على بني مالك رجلًا، وعلى الأحلاف رجلًا، وأن تُمَتِّعنا باللات والعزى سنة، ولا نكسرها بأيدينا، من غير أن نعبدها؛ ليعرف الناس كرامتنا عليك، وفضلنا عليهم. فقال لهم رسول الله ﷺ: «أما قولكم: لا نجشي، ولا نعشي، والربا؛ فلَكُم. وأما قولكم: لا نحني؛ فإنه لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود». قالوا: نفعل ذلك، وإن كان علينا فيه دناءة، «وأما قولكم: لا نكسر أصنامنا بأيدينا. فإنا سنأمر من يكسرها غيركم». ثم سكت النبي ﷺ، فقالوا: تُمَتِّعنا باللات سنة. فأعرض عنهم، وجعل يكره أن يقول: لا. فيأبون الإسلام، فقالت ثقيف للنبي ﷺ: إن كان بك ملامة العرب في كسر أصنامهم وترك أصنامنا، فقل لهم: إنّ ربي أمرني أن أُقِرَّ اللات بأرضهم سنة. فقال عمر بن الخطاب عند ذلك: أحرقتم قلب النبي ﷺ بذكر اللات أحرق الله أكبادكم، لا، ولا نعمة، غير أنّ الله عز وجل لا يدع الشرك في أرض يعبد الله تعالى فيها، فإما أن تسلموا كما يسلم الناس، وإما أن تلحقوا بأرضكم. فأنزل الله عز وجل: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾١
١٣
قال يحيى بن سلّام: وذلك أن المشركين خلوا برسول الله بمكة ليلة حتى الصباح، فقالوا: يا محمد، إنّ الذي جئت به لم يجئ به أحد من قومك. ورفقوا به، وقالوا له: كف عن شتم آلهتنا وذمِّها، وانظر في هذا الأمر، فإنّ هذا لو كان حقًّا لكان فلان أحق به منك، وفلان أحق به منك. فأنزل الله: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ إلى قوله: ﴿ولولا أن ثبتناك﴾١٢٣