تفسير
١٩ قولًاعن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾، قال: اجتنبوا المعصية والعدوان؛ فإنّ بهما هلك مَن هلك قبلكم من الناس١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اليهود ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يعني: من سبط بني إسرائيل ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ ابن أنيشا، وذلك أنهم صادوا الحيتان يوم السبت، وكانوا قد نُهوا عن صيد الحيتان يوم السبت. قال داود: اللهُمَّ، إنّ عبادك قد خالفوا أمرك، وتركوا أمرك، فاجعلهم آية ومثلًا لخلقك. فمسخهم الله عز وجل قردة، فهذه لعنة داود عليه السلام، ﴿وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وأما لعنة عيسى ﷺ فإنهم أكلوا المائدة، ثم كفروا، ورفعوا من المائدة، فقال عِيسى: اللهم، إنّك وعدتني أنّ مَن كفر منهم بعد ما يأكل من المائدة أن تُعذِّبه عذابًا لا تُعَذِّبه أحدًا من العالمين، اللهُمَّ، العنهم كما لعنت أصحاب السبت. فكانوا خمسة آلاف، فمسخهم الله عز وجل خنازير، ليس فيهم امرأة ولا صبي، ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا﴾ في تَرْك أمره، ﴿وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ في دينهم١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم﴾، قال: فقال: لعنوا في الإنجيل، وفي الزبور. وقال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ رحى الإيمان قد دارت، فدوروا مع القرآن حيث دار، فإنه قد فرغ الله مما افترض فيه، وإنّه كانت أمة من بني إسرائيل كانوا أهل عدل، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فأخذهم قومهم، فنشروهم بالمناشير، وصلبوهم على الخشب، وبقيت منهم بقية، فلم يرضوا حتى داخلوا الملوك، وجالسوهم، ثم لم يرضوا حتى واكلوهم، فضرب الله تلك القلوب بعضها ببعض، فجعلها واحدة». فذلك قول الله تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود﴾ إلى: ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾. ماذا كانت معصيتهم؟ قال: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون﴾١
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- ﴿لعن الذين كفروا﴾ الآية، قال: خالَطوهم بعدَ النَّهْي على تجاراتِهم، فضرَب الله قلوبَ بعضهم على بعض، وهم مَلْعُونون على لسان داود وعيسى ابن مريم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ حين لَمْ ينهوهم عن المنكر١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجّاج- ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾، قال: لا تتناهى أنفسهم بعد أن وقعوا في الكفر١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾، قال: ماذا كانت معصيتُهم؟ قال: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾١٢
عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أول ما دخلَ النقصُ على بني إسرائيل كان الرجلُ يَلْقى الرجلَ فيقولُ له: يا هذا، اتقِ اللهَ، ودَعْ ما تَصْنَعُ؛ فإنّه لا يَحِلُّ لك. ثم يَلْقاه من الغد، فلا يَمْنَعُه ذلك أن يكونَ أكيلَه وشريبَه وقعيدَه، فلمّا فعَلوا ذلك ضرَب الله قلوبَ بعضِهم ببعضٍ». ثم قال: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود﴾ إلى قوله: ﴿فاسقون﴾. ثم قال: «كلا، واللهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، ولَتَأْخُذُنَّ على يَدَي الظالم، ولتأطِرُنَّه١ على الحقِّ أطْرًا»٢٣
عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ بني إسرائيل لَمّا عمِلوا الخطيئةَ نهاهم علماؤُهم تعذيرًا١، ثم جالَسوهم وآكَلوهم وشارَبوهم، كأن لم يَعْمَلوا بالأمس خطيئةً! فلمّا رأى اللهُ ذلك منهم ضرَب بقلوبِ بعضهم على بعض، ولعَنهم على لسان نبي من الأنبياء». ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم﴾ حتى فرَغ من الآية. ثم قال: «لبئس ما كانوا يَصنعون». ثم قال رسول الله ﷺ: «واللهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، ولَتأطِرُنَّهم على الحقِّ أطْرًا، أو لَيَضرِبَنَّ الله بقلوب بعضكم على بعض، وليلعنَنَّكم كما لعَنهم»٢
عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ، قال: «إنّ مَن كان قبلَكم مِن بني إسرائيلَ إذا عمِل العاملُ فيهم الخطيئة فنَهاه النّاهِي تَعْذيرًا، فإذا كان مِن الغد جالَسَه وواكَلَه وشارَبَه، كأنه لم يَرَه على خطيئةٍ بالأمس! فلمّا رأى الله تعالى ذلك منهم ضرَب بقلوبِ بعضِهم على بعضٍ، ولعَنهم على لسان داود وعيسى بن مريم، ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾. والذي نفسُ محمدٍ بيده، لَتأمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، ولتأخُذُنَّ على يد المسِيء، ولتَأْطِرُنَّه على الحقِّ أطْرًا، أو ليَضْرِبَنَّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ويَلْعَنكم كما لَعَنهم»١
عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: «خذوا العطاءَ ما كان عطاءً، فإذا كان رِشوةً عن دينكم فلا تأخُذوه، ولن تَتْرُكُوه، يَمْنَعُكم مِن ذلك الفقر والمخافة، إنّ بني مرحٍ قد جاءوا، وإن رَحى الإسلام ستدورُ، فحيثُما دارَ القرآنُ فدُوروا به، إنّه يوشِكُ السلطانُ والقرآنُ أن يَقْتَتِلا ويَتَفرَّقا، إنه سيكونُ عليكم ولاةٌ يحكُمون لكم بحكمٍ ولهم بغيره، فإن أطَعْتُموهم أضَلُّوكم، وإن عَصَيْتُموهم قَتَلوكم». قالوا: يا رسول الله، فكيف بنا إن أدْركنا ذلك؟ قال: «تكونوا كأصحاب عيسى؛ نُشِروا بالمناشير، ورُفِعوا على الخُشُب؛ مَوْتٌ في طاعةٍ خيرٌ من حياةٍ في معصية، إنّ أولَ ما كان نَقْصٌ في بني إسرائيل أنهم كانوا يأمُرون بالمعروف ويَنْهَونَ عن المنكر شِبْه التعذير، فكان أحدُهم إذا لَقِي صاحبَه الذي كان يَعِيبُ عليه آكَلَه وشارَبَه، كأنه لم يَعِبْ عليه شيئًا، فلَعَنهم الله على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾. والذي نفسي بيده، لتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو لَيُسَلِّطَنَّ الله عليكم شرارَكم، ثم لَيَدْعُوَنَّ خِيارُكم فلا يُستجابُ لهم. والذي نفسي بيده، لتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهُنَّ عن المنكر، ولَتأخُذُنَّ على يد الظالم فلَتأطِرُنَّه عليه أطْرًا، أو ليَضْرِبَنَّ الله قلوبَ بعضكم ببعض»١
عن ابن أبْزى، عن أبيه، قال: خطَب رسول الله ﷺ، فحَمِد الله، وأثنى عليه، وذكَر طوائفَ من المسلمين فأثنى عليهم خيرًا، ثم قال: «ما بالُ أقوامٍ لا يُعَلِّمون جيرانَهم، ولا يُفَقِّهونهم، ولا يُفَطِّنونهم، ولا يأمُرُونهم، ولا يَنْهَونهم؟! وما بالُ أقوامٍ لا يَتَعلَّمون مِن جيرانِهم، ولا يَتَفقَّهون، ولا يَتَفَطَّنون؟! والذي نفسي بيده، ليُعَلِّمُنَّ جيرانهم، ولَيُفقِّهُنَّهم، وليُفطِّنُنَّهم، وليأمُرُنَّهم، ولينهَوُنَّهم. وليتعَلمَنَّ قومٌ من جيرانِهم، وليَتَفَقَّهُنَّ، وليتَفَطَّنُنَّ، أو لأُعاجِلَنَّهم بالعقوبة في دار الدنيا». ثم نزَل فدخَل بيته، فقال أصحاب رسول الله ﷺ بينَهم: مَن يعني بهذا الكلام؟ قالوا: ما نعلم يعني بهذا الكلام إلا الأشْعريِّين، إنّ الأشْعريين فقهاءُ علماءُ، ولهم جيرانٌ مِن أهل المياه جُفاةٌ جَهَلةٌ. فاجتمَع جماعةٌ مِن الأشْعَريِّين، فدخلوا على النبي ﷺ، فقالوا: ذكَرْتَ طوائفَ مِن المسلمين بخير، وذكَرْتَنا بشَرٍّ، فما بالُنا؟ فقال رسول الله ﷺ: «لَتُعَلِّمُنَّ جيرانَكَم، ولَتُفَقِّهُنَّهم، ولتُفَطِّنُنَّهم، ولَتَأْمُرُنَّهم، ولَتَنْهَوُنَّهم، أو لأُعاجِلَنَّكم بالعقوبة في دار الدنيا». فقالوا: يا رسول الله، فأما إذن فأَمْهِلْنا سنةً، ففي سنةٍ ما نُعلِّمُهم ويتعلَّمون. فأَمْهَلهم سنةً، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون* كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾١
عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعًا: «قَتلَتْ بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبيا مِن أول النهار، فقام مائة واثنا عشر من عُبّادِهم، فأمروهم بالمعروف، ونَهَوْهم عن المنكر، فقُتِلوا جميعًا في آخر النهار، فهم الذين ذكَر الله: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل﴾» الآيات١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود﴾ يعني: في الزبور، ﴿وعيسى﴾ يعني: في الإنجيل١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿لعن الذين كفروا﴾ الآية، قال: لُعِنوا بكلِّ لسانٍ؛ على عهد موسى في التوراة، ولُعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولُعنوا على عهد داود في الزبور، ولُعِنوا على عهد محمد ﷺ في القرآن١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جريج- قوله: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل﴾ بكل لسان؛ لُعِنوا على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على لسان محمد - ﷺ - في القرآن، قال ابن جريج: وقال آخرون: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود﴾، دعا عليهم داود على عهده، فلعنوا بدعوته. قال: مرَّ داود على نفر منهم وهم في بيت، فقال: مَن في البيت؟ قالوا: خنازير. قال: اللهم اجعلهم خنازير. فكانوا خنازير، ثم أصابتهم لعنته، ودعا عليهم عيسى، فقال: اللهم العن مَن افترى علَيَّ وعلى أمي، واجعلهم قردة خاسئين١
عن أبي مالك الغفاري -من طريق حصين- في الآية، قال: لُعِنوا على لسان داود فجُعِلوا قِردةً، وعلى لسان عيسى فجُعِلوا خنازير١
وعن مجاهد بن جبر -من طريق حصين- مثلَه١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في الآية، قال: لعَنهم الله على لسان داود في زمانِه فجعَلهم قردةً خاسئين، ولعَنهم في الإنجيل على لسان عيسى فجعلهم خنازير١٢