سورة يس | الآية ٨

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

بلاغة القرآن
آية (8): (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) فكرة عامة عن الآية: قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) الأغلال جمع غُلّ حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد أو تجمع بينهما بقصد التعنيف والإذلال والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره لأن الأغلال عريضة في أعناقهم إلى الأذقان وهي ضيقة، * من الأيدي إلى الأذقان؟ ذكر الأعناق هنا فقط لم يذكر الأيدي هنا. * سواء كان في الأيدي أو الأعناق فهو غل؟ نعم، لكن عندما قال (إلى الأذقان) يعني هي شملت كل العنق، عريضة لم تترك شيئاً إلى الذقن، وهي ضيقة عريضة فلا تدعه يتحرك لا يستطيع أن يحرك رأسه ولا أن يطأطئ عنقه ولذلك قال (فهم مقمحون). * ما معنى الأغلال وما معنى مقمحون؟ الأغلال جمع غُل وهو حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد، قَيْد، أو تجمع بينهما (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ (29) الإسراء). المُقمَح الذي يرفع رأسه ويغضّ بصره. لأن الغلّ يمنعه لا يستطيع أن يتحرك فهو إذن في حالة رافع رأسه لكن يغض البصر لا يستطيع أن يتحرك. جعل في أعناقهم أغلال ثقال أطواق من حديد غلاظ عراض المساحة تستوفي كل العنق فيبقى هكذا لا يستطيع أن يحرك رأسه، مرفوع الرأس مغمض العينين. لا يستطيع أن يلتفت لأن الأغلال تقيّد حركته. هؤلاء إذن لا يتمكنون من الرؤية ولا البصر ولا يهتدون لأنه هذه حالهم فكيف يهتدون؟ فإذن هم بهذه الصورة العنق كله في طوق ثقيل غليظ ليس واسع المساحة إلى العنق بحيث لا يتمكن أن يلتفت ويطأطئ رأسه إذن هو رافعاً رأسه (فهم مقمحون) بيان لحالتهم أن هؤلاء لا يهتدون لأنهم لا يبصرون، لا يبصر فكيف يهتدي؟! هذه حالتهم ولا يمكن حتى أن يلتفتوا لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، يتخبط، هذه حالهم. ذكرنا في قوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) فبيّنا الغُل وقلنا هو حلقة من حديد وذكرنا أنه جعل في أعناقهم أغلالاً يعني طوق من حديد، هذه الأطواق ثِقال عِراض من حيث تشمل الرقبة كلها ليست واسعة الفتحة فهم لا يستطيعون الالتفات يميناً أو يساراً أو أن يطأطئ رأسه فيبقى رافع الرأس، المقمح هو الرافع رأسه الغاضّ بصره. * إذا نظرنا في هذه الآية سيدي الدكتور فاضل في قوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً) نعلم أن المفعول به غالباً يكون مرتبطاً بفاعله فلِمَ التقديم والتأخير بين (في أعناقهم أغلالاً)؟ التقديم والتأخير بحسب السياق والمقام الذي يرد فيه كما هو معلوم. فالكلام الآن عن الأغلال أو عن هؤلاء الناس؟ لم يذكر شيئاً من صفات الأغلال ولا شيء وإنما هو كل الكلام عنهم (في أعناقهم، فهم مقمحون، وجعلنا من بين أيديهم سداً، لقد حق القول على أكثرهم،) إذن ليس الكلام عن الأغلال وإنما الكلام عليهم، هكذا هو السياق (لقد حق القول على أكثرهم، وسواء عليهم أأنذرتهم) فلما كان الكلام عليهم قدّمهم، ليس الكلام عن الأغلال ليس هناك صفة للأغلال ولا ذكر شيئاً متعلقاً بها قال فقط (أغلالاً) ولم يقل فهي إلى الأذقان وإنما قال فهم مقمحون. لما كان الكلام عليهم هم قدّم ما يتعلق بهم. * هل هذا الأسلوب مُتّبع في اللغة الأعلى؟ هذه في اللغة العليا في البلاغة والتقديم والتأخير بحسب ما يقتضيه المقام والسياق فمرة يقدم الأفضل ومرة يقدم المفضول ومرة يقدم الأضعف ومرة يقدم الأقوى ومرة يقدم الأسبق في التربة وهكذا بحسب السياق. * تسمح لي كابن لك يتعلم منك، إذا قيل مثلاً إنا جعلنا أغلالاً في أعناقهم سنوجد المبررات لهذا أيضاً ونقول أنه اهتم بالأغلال فقدّمها؟ لكن لم يذكر شيئاً يتعلق بها، * إذن حتى الاهتمام لا بد له من قرينة سياقية؟ (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) كل الكلام وكل السياق يتعلق بهم وليس بالأغلال ليس إلا هذه العبارة (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) الباقي أولها وآخرها وكل السياق هو الكلام عنهم. * إذن فهم الكلمة القرآنية يتأتى من خلال نظم الكلمات داخل الآية ليست مجرد وجهات نظر؟ أحياناً تكون مثل القانون الرياضي، أحياناً تكون الأمور ليس فيها اجتهاد - لمن يعلم- ، مثل الحكم النحوي مثلاً فاعل مرفوع، أحياناً تكون هكذا كأنه هو حُكم رياضي. * في الآية التي تفضلت بها (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) نلاحظ سيدي أن الله سبحانه وتعالى قال (من بين أيديهم) ولم يقل وجعلنا بين أيديهم سداً فماذا أفادت (من) هنا؟ حتى قبلها قال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ (8)) أكّد بـ(إنّ) وأسند الجعل إلى نفسه حتى تأتي كلها (وجعلنا) لم يقل لقد جُعلت في أعناقهم أغلالاً نسبه إلى نفسه دلالة على أنه لا يتمكن أحد من إزالة هذا الأمر أو من فك هذه الأغلال، إنا جعلناها هكذا مؤكدة بنسبة الجعل إليه سبحانه هو. لو قال لقد جُعلت في أعناقهم أغلالاً يأتي واحد ويقول نفك الأغلال هذه، * السياق يحتمل هذا؟ لو قال هكذا، لكن عندما أسندها مؤكد إلى نفسه معناها ما قدّره الله حصل
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
قوله تعالى عن أبي لهب: ﴿وَامْرَأَتُهُحَمَّالَةَالْحَطَبِ﴿4﴾ فِيجِيدِهَاحَبْلٌمِنْمَسَدٍ﴿5﴾ ﴾[المسد: 4، 5] فالجيد لفظ لا يطلق إلا على المرأة، وبخاصة إذا ذكر الحلي والحسن، وهي موضع الحلية من عنقها، قال الأعشى: يوم أبدت لنا قتيلة عند جيد تليع تزينه الأطواق وقال ابن الرومي: وأحسن من عقد المليحة جيدها وأحسن من سربالها المتجرد وقال كثير بن عبد الرحمن: إذا ما أراد الغزو لم يثن همه حصان عليه عقد در يزينها وقال يزيد بن معاوية: إذا برزت ليلى من الخدر أبرزت لنا مبسما عذبا وجيدا مطوقا وقال الشماخ: دار الفتاة التي كنا نقول لها يا ظبية عطلا حسانة الجيد وقال العرجي: أبصرت وجهاً لها في جيده تلع تحت العقود وفي القرطين تشمير وقال البهاء زهير: أبدا أزيد مع الوصال تلهفا كالعقد في جيد المليحة يعلق وقال الحارث بن خالد المخزومي: ومنها علامات بمجرى وشاحها وأخرى تزين الجيد من موضع العقد وقال أمين الدين عبد الرحمن بن علي الموصلي: هويتها طفلة دقت محاسنها فطرفها نرجس والخد تفاح يتيمة الدهر نثر الدر من فمها والعقد في جيدها والوجه مصباح والعنق لفظ عام للرجل والمرأة وغيرهما، وحين يراد الغل والتعذيب يطلق لفظ العنق، كقوله تعالى﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ﴾[الإسراء: 29]، وقوله:﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾[سبأ: 33]، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ﴾[الرعد: 5]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ﴾[يس: 8]، وقوله:﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾[غافر: 71]. والغل والتعذيب هما المرادان في سورة المسد، فكيف جاء التعبير عن ذلك بخلاف الأصل، حيث عبر بالجيد، وليس بالعنق؟ الجواب عن ذلك –والله أعلم- أن النساء مغرمات بالتحلي والحلي، وحينما تبشر المؤمنات بلبس أحسن الحلي يوم القيامة تبشر العوراء أجمل بنت حرب أمرأة أبي لهب بحلي من نوع خاص لا يليق إلا بمثلها، وهو حبل من جهنم، يطوق عنقها، فهذا باب البشارة بالسوء، كقوله تعالى:﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴿138﴾ ﴾[النساء: 138]. قال سعيد بن المسيب –رحمه الله- : "كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فحلفت لتنفقنها في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك عذابا في جسدها يوم القيامة"، وكانت تحمل الغضى والشوك والسعدان، فتطرحها بالليل على طريق النبي صلى الله عليه وسلم، فانظروا كيف جاء الجزاء من جنس العمل: حبل في مقابل حبل، وحلي مقابل حلي، لكن شتان بينهما؛ فلها يوم القيامة حبل طويل من نار تستعر، أو من ليف خشن.
صالح العايد
بلاغة القرآن
برنامج لمسات بيانية آية (8): (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) فكرة عامة عن الآية: قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) الأغلال جمع غُلّ حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد أو تجمع بينهما بقصد التعنيف والإذلال والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره لأن الأغلال عريضة في أعناقهم إلى الأذقان وهي ضيقة، * من الأيدي إلى الأذقان؟ ذكر الأعناق هنا فقط لم يذكر الأيدي هنا. * سواء كان في الأيدي أو الأعناق فهو غل؟ نعم، لكن عندما قال (إلى الأذقان) يعني هي شملت كل العنق، عريضة لم تترك شيئاً إلى الذقن، وهي ضيقة عريضة فلا تدعه يتحرك لا يستطيع أن يحرك رأسه ولا أن يطأطئ عنقه ولذلك قال (فهم مقمحون). * ما معنى الأغلال وما معنى مقمحون؟ الأغلال جمع غُل وهو حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد، قَيْد، أو تجمع بينهما (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ (29) الإسراء). المُقمَح الذي يرفع رأسه ويغضّ بصره. لأن الغلّ يمنعه لا يستطيع أن يتحرك فهو إذن في حالة رافع رأسه لكن يغض البصر لا يستطيع أن يتحرك. جعل في أعناقهم أغلال ثقال أطواق من حديد غلاظ عراض المساحة تستوفي كل العنق فيبقى هكذا لا يستطيع أن يحرك رأسه، مرفوع الرأس مغمض العينين. لا يستطيع أن يلتفت لأن الأغلال تقيّد حركته. هؤلاء إذن لا يتمكنون من الرؤية ولا البصر ولا يهتدون لأنه هذه حالهم فكيف يهتدون؟ فإذن هم بهذه الصورة العنق كله في طوق ثقيل غليظ ليس واسع المساحة إلى العنق بحيث لا يتمكن أن يلتفت ويطأطئ رأسه إذن هو رافعاً رأسه (فهم مقمحون) بيان لحالتهم أن هؤلاء لا يهتدون لأنهم لا يبصرون، لا يبصر فكيف يهتدي؟! هذه حالتهم ولا يمكن حتى أن يلتفتوا لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، يتخبط، هذه حالهم. ذكرنا في قوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) فبيّنا الغُل وقلنا هو حلقة من حديد وذكرنا أنه جعل في أعناقهم أغلالاً يعني طوق من حديد، هذه الأطواق ثِقال عِراض من حيث تشمل الرقبة كلها ليست واسعة الفتحة فهم لا يستطيعون الالتفات يميناً أو يساراً أو أن يطأطئ رأسه فيبقى رافع الرأس، المقمح هو الرافع رأسه الغاضّ بصره. * إذا نظرنا في هذه الآية سيدي الدكتور فاضل في قوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً) نعلم أن المفعول به غالباً يكون مرتبطاً بفاعله فلِمَ التقديم والتأخير بين (في أعناقهم أغلالاً)؟ التقديم والتأخير بحسب السياق والمقام الذي يرد فيه كما هو معلوم. فالكلام الآن عن الأغلال أو عن هؤلاء الناس؟ لم يذكر شيئاً من صفات الأغلال ولا شيء وإنما هو كل الكلام عنهم (في أعناقهم، فهم مقمحون، وجعلنا من بين أيديهم سداً، لقد حق القول على أكثرهم،) إذن ليس الكلام عن الأغلال وإنما الكلام عليهم، هكذا هو السياق (لقد حق القول على أكثرهم، وسواء عليهم أأنذرتهم) فلما كان الكلام عليهم قدّمهم، ليس الكلام عن الأغلال ليس هناك صفة للأغلال ولا ذكر شيئاً متعلقاً بها قال فقط (أغلالاً) ولم يقل فهي إلى الأذقان وإنما قال فهم مقمحون. لما كان الكلام عليهم هم قدّم ما يتعلق بهم. * هل هذا الأسلوب مُتّبع في اللغة الأعلى؟ هذه في اللغة العليا في البلاغة والتقديم والتأخير بحسب ما يقتضيه المقام والسياق فمرة يقدم الأفضل ومرة يقدم المفضول ومرة يقدم الأضعف ومرة يقدم الأقوى ومرة يقدم الأسبق في التربة وهكذا بحسب السياق. * تسمح لي كابن لك يتعلم منك، إذا قيل مثلاً إنا جعلنا أغلالاً في أعناقهم سنوجد المبررات لهذا أيضاً ونقول أنه اهتم بالأغلال فقدّمها؟ لكن لم يذكر شيئاً يتعلق بها، * إذن حتى الاهتمام لا بد له من قرينة سياقية؟ (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) كل الكلام وكل السياق يتعلق بهم وليس بالأغلال ليس إلا هذه العبارة (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) الباقي أولها وآخرها وكل السياق هو الكلام عنهم. * إذن فهم الكلمة القرآنية يتأتى من خلال نظم الكلمات داخل الآية ليست مجرد وجهات نظر؟ أحياناً تكون مثل القانون الرياضي، أحياناً تكون الأمور ليس فيها اجتهاد - لمن يعلم- ، مثل الحكم النحوي مثلاً فاعل مرفوع، أحياناً تكون هكذا كأنه هو حُكم رياضي. * في الآية التي تفضلت بها (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) نلاحظ سيدي أن الله سبحانه وتعالى قال (من بين أيديهم) ولم يقل وجعلنا بين أيديهم سداً فماذا أفادت (من) هنا؟ حتى قبلها قال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ (8)) أكّد بـ(إنّ) وأسند الجعل إلى نفسه حتى تأتي كلها (وجعلنا) لم يقل لقد جُعلت في أعناقهم أغلالاً نسبه إلى نفسه دلالة على أنه لا يتمكن أحد من إزالة هذا الأمر أو من فك هذه الأغلال، إنا جعلناها هكذا مؤكدة بنسبة الجعل إليه سبحانه هو. لو قال لقد جُعلت في أعناقهم أغلالاً يأتي واحد ويقول نفك الأغلال هذه، * السياق يحتمل هذا؟ لو قال هكذا، لكن عندما أسندها مؤكد إلى نفسه معناها ما قدّره الله حصل
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
(إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) الأغلال جمع غل وهو حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد أو تجمع بينهما وتسمى الجامعة (1) وذلك بقصد التعنيف والتضييق والتعذيب والأسر (2). والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره (3). والمعنى إنه سبحانه جعل في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً عراض المساحة لا واسعة الفتحة تحيط بالعنق كله بحيث تبلغ إلى الذقن في تدع أحدهم يطأطئ رأسه أو يبصر ما تحته بل يبقى رافعاً رأسه غاضاً بصره فلا يتمكن من رؤية ما قدامه ولا ما تحته ولا ما خلفه بل لا يتمكن من الالتفات يمين أو يساراً لعرض الغل الذي يحيط بعنقه وضيقه فكيف طريقه أو يهتدي؟ وهذا تمثيل لحال هؤلاء الكفرة وبقائهم على ضلالهم فلا يتمكنون من الهدى ولا يعرفونه، وربما كان هذا حالهم أيضاً في الآخرة. جاء في (الكشاف): "ثم مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله. فإن قلت: ما معنى قوله (فهي إلى الأذقان)؟ قلت: معناه فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزه إليها وذلك أن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادراً من الحلقة إلى الذقن فلا تخليه يطأطئ رأسه ويوطئ قذاله فلا يزال مقمحاً. والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره، يقال قمح البعير فهو قامح إذا روى فرفع رأسه" (4). وجاء في (التفسير الكبير): "معناه إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه. (المسألة الثالثة) كيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية؟ فنقول: المغلول الذي بلغ الغل إلى ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق الذي عند قدمه، وذكر بعده أن بين يديه سداً ومن حلفه سداً فهو لا يقدر على انتهاج السبيل ورؤيته، وقد ذكر من قبل أن المرسل على صراط مستقيم فهذا الذي يهديه النبي إلى الصراط المستقيم العقلي جعل ممنوعاً كالمغلول الذي يجعل ممنوعً من إبصار الطريق الحسي. ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يقال الأغلال في الأعناق عبارة عن عدم الانقياد فإن المنقاد يقال فيه أنه وضع رأسه على الخط وخضع عنقه والذي في رقبته الغل الثخين إلى الذقن لا يطأطئ رأسه ولا يحركه تحريك المصدق" (5). وإسناد هذا الأمر إلى نفسه سبحانه وتأكيده بإن دال على استحكام هذا الأمر وأنه لا يتمكن أحد من فك هذا الغل فلا يتحررون منه، وهو تأكيد لقوله (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) فإنه هو الذي جعل الأغلال في أعناقهم فحق قوله عليهم لما علم من عدم اهتدائهم، ولو قال (لقد جعلت في أعناقهم أغلال) لكان ثمة أمل في فك الأغلال ولكن لا يستطيع أحد أن يغير ما قدره الله وحكمه فلا يفك أحد ما أغلقه ربنا ولا يغلق ما فتحه. وقال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ) فقدم (أعناقهم) على الأغلال ولم يقل (إنا جعلنا أغلالاً في أعناقهم) لأن الكلام عليهم وهم مدار الحديث فكان تقديم ما تعلق بهم أولى. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص22 إلى ص24 1- انظر لسان العرب 14/13، تاج العروس 8/49. 2- انظر البحر المحيط 7/324. 3- الكشاف 2/682. 4- الكشاف 2/582. 5- التفسير الكبير 26/44 – 45
فاضل السامرائي