تفسير
٣٢ قولًاقال مقاتل بن سليمان: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾، يعني: ببعض الليل١
عن أبي صخر [حميد بن زياد]-من طريق المفضل بن فضالة- في قوله: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل﴾، قال: السَّحَر الأول١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿ولا يلتفت منكم أحد﴾، قال: لا يَتَخَلَّف١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿ولا يلتفت منكم أحد﴾، قال: لا ينظر وراءَه أحدٌ١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أحَدٌ﴾ ألْبَتَّة ﴿إلّا امْرَأَتَكَ﴾ فإنها تلتفت، يقول: لا ينظر منكم أحدٌ وراءَه. ثم استثنى: ﴿إلّا امْرَأَتَكَ﴾ تلتفت١
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- قال: قال له لوط: أهلِكوهم الساعةَ. قال له جبريل عليه السلام: إنّ موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب؟! فأُنزِلت على لوط: ﴿أليس الصبح بقريب﴾. قال: فأمره أن يسري بأهله بقِطْع من الليل، ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته، فسار، فلمّا كانت الساعةُ التي أُهلِكوا فيها أدْخَلَ جبريلُ عليه السلام جناحه، فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، فجعل عاليَها سافلها، وأمطر عليها حجارة من سجيل، وسمعت امرأة لوطٍ الهدَّة، فقالت: واقوماه! فأدركها حجرٌ فقتلها١
قال قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل﴾ أي: سر بهم في ظُلْمَةٍ من الليل، ﴿ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم﴾ فقال: لا؛ بل أهلكوهم الساعةَ! فقالوا: ﴿إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾. فطمس جبريلُ عليه السلام أعينَهم بأحد جناحيه، فبقوا ليلتهم لا يُبْصِرون١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِر لنا: أنّها كانت مع لوط لَمّا خرج مِن القرية، فسمعت الصوتَ، فالتَفَتَتْ، فأرسل اللهُ عليها حجرًا، فأهلكها، فهي معلوم مكانُها شاذَّةً عن القوم، وهي في مصحف عبد الله [بن مسعود]: (ولَقَدْ وفَيْنَآ إلَيْهِ أهْلَهُ كُلَّهُمْ إلّا عَجُوزًا فِي الغبر). قال: ولَمّا قيل له: ﴿إن موعدهم الصبح﴾. قال: إنِّي أريد أعجَلَ من ذلك. قال: ﴿أليس الصبح بقريب﴾١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: قال لوط: أهلِكوهم الساعةَ. قالوا: إنّا لم نؤمر إلا بالصبح، ﴿أليس الصبح بقريب﴾؟!١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّهُ مُصِيبُها﴾ مِن العذاب ﴿ما أصابَهُمْ﴾ يعني: قوم لوط، فالتَفَتَتْ، فأصابها حجرٌ، فقتلها. ثم قال: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ ثم يهلكون، قال لوط لجبريل: عَجِّل عَلَيَّ بهلاكهم الآنَ. فردَّ عليه جبريل: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟!١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾، أي: إنّما ينزل بهم العذابُ مِن صبح ليلتِك هذه، فامضِ لِما تُؤْمَر١
عن عبد الله بن عباس -من طريق جويبر، ومقاتل- قال:... فلمّا لم يتناهوا، ولم يَرُدَّهم قوله، ولم يقبلوا شيئًا مِمّا عرض عليهم من أمر بناته؛ قال: ﴿لو أن لي بكم قوة أو ءاوي إلى ركن شديد﴾. يعني: عشيرة أو شيعة تنصُرُني؛ لحُلت بينكم وبين هذا. فكسروا الباب، ودخلوا عليه، وتحوَّل جبريل في صورته التي يكون فيها في السماء، ثم قال: يا لوط، لا تخف، نحن الملائكة، لن يَصِلوا إليك، وأُمِرنا بعذابهم. فقال لوط: يا جبريل، الآن تعذبهم. وهو شديدُ الأسَف عليهم، قال جبريل: موعدُهم الصبح، أليس الصبح بقريب؟ قال ابن عباس: إنّ الله يُعَبِّي العذاب في أول الليل إذا أراد أن يُعذِّب قومًا، ثم يعذبهم في وجه الصبح. قال: فهُيِّئَت الحجارة لقوم لوطٍ في أول الليل لتُرسَل عليهم غُدْوَةً، وكذلك عُذِّبَت الأمم -عاد وثمود- بالغداة، فلما كان عند وجه الصبح عمد جبريل إلى قرى لوط بما فيها؛ من رجالها، ونسائها، وثمارها، وطيرها، فحَواها وطَواها، ثُمَّ قَلَعَها مِن تُخُومِ١ الثَّرى٢، ثُمَّ احتمَلها مِن تحت جناحه، ثم رفعها إلى السماء الدنيا، فسمع سكانُ سماء الدنيا أصواتَ الكلاب والطير والرجال والنساء مِن تحت جناح جبريل، ثم أرسلها منكوسة، ثم أتبعها بالحجارة، وكانت الحجارة للرُّعاة والتُّجّار ومَن كان خارِجًا عن مدائنهم٣
عن كعب الأحبار -من طريق عبد الله بن رباح- قال:... لَمّا رأت الرسلُ ما قد لَقِيَ لوطٌ في سببهم قالوا: ﴿يا لوط إنا رُسُلُ ربك﴾ إنا ملائكة، ﴿لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك﴾ إلى قوله: ﴿أليس الصبح بقريب﴾. فخرج عليهم جبريل عليه السلام، فضرب وجوهَهم بجناحه ضربةً، فطمس أعينهم، والطمس: ذهاب الأعين، ثم احتمل جبريل وجه أرضهم حتى سمع أهل سماء الدنيا نُباح كلابهم وأصوات ديوكهم، ثم قلبها عليهم، قال: ﴿وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل﴾. قال: على أهل بواديهم، وعلى رعائهم، وعلى مسافرهم، فلم يبق منهم أحد١
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- قال: فمَضَتِ الرُّسُلُ مِن عند إبراهيم إلى لوط، فلمّا أتوا لوطًا -وكان مِن أمرهم ما ذكر الله- قال جبريل للوط: يا لوط، ﴿إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين﴾ [العنكبوت:٣١]. فقال لهم لوط: أهلِكوهم الساعةَ. فقال له جبريل عليه السلام: ﴿إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾؟ فأنزلت على لوط: ﴿أليس الصبح بقريب﴾؟ قال: فأمره أن يسري بأهله بقطع من الليل، ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته. قال: فسار، فلمّا كانت الساعة التي أهلكوا فيها أدخل جبريل جناحَه، فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، ونُباح الكلاب، فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليها حجارة من سجيل. قال: وسمعت امرأةُ لوط الهَدَّةَ١، فقالت: واقوماه. فأدركها حجرٌ، فقتلها٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد بن بشير- قال: انطلقت امرأتُه -يعني: امرأة لوط- حين رأتهم -يعني: حين رأت الرسل- إلى قومها، فقالت: إنّه قد ضافه الليلةَ قومٌ ما رأيت مثلَهم قطُّ أحسنَ وجوهًا، ولا أطيب ريحًا. فجاءوا يُهْرَعون إليه، فبادرهم لوطٌ إلى أن يَزْحَمَهم على الباب، فقال: ﴿هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين﴾ [الحجر:٧١]. فقالوا: ﴿أولم ننهك عن العالمين﴾ [الحجر:٧٠]. فدخلوا على الملائكة، فتناولتهم الملائكة، وطمست أعينهم، فقالوا: يا لوطُ، جئتنا بقومٍ سَحَرَةٍ سحرونا، كما أنت حتى تُصْبِح. قال: فاحتمل جبريل قُرَيّات لوط الأربع، في كل قرية مائة ألف، فرفعهم على جناحه بين السماء والأرض، حتى سمع أهل السماء الدنيا أصوات دِيَكَتِهم، ثم قَلَبَهم، فجعل الله عاليها سافلها١
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق محمد بن إسحاق- قال: إنّ الرُّسُلَ عند ذلك سَفَعُوا١ في وجوه القوم الذين جاءوا لوطًا من قومه يُراوِدُونه عن ضيفه، فرجعوا عُمْيانًا. قال: يقول الله: ﴿ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم﴾ [القمر:٣٧]٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: لَمّا قال لوط: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ بسط حينئذٍ جبريلُ عليه السلام جناحيه، ففقأ أعينَهم، وخرجوا يدوسُ بعضُهم في أدبار بعض عميانًا، يقولون: النَّجاءَ النَّجاءَ؛ فإنّ في بيت لوط أسْحَرَ قومٍ في الأرض. فذلك قوله: ﴿ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم﴾ [القمر:٣٧]. وقالوا للوط: ﴿إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها﴾، واتبع أدبار أهلك، يقول: سر بهم، ﴿وامضوا حيث تؤمرون﴾ [الحجر:٦٥]، فأخرجهم الله إلى الشام، وقال لوط: أهلِكُوهم الساعة. فقالوا: إنا لم نؤمر إلا بالصبح، أليس الصبح بقريب؟ فلمّا أن كان السَّحَر خرج لوطٌ وأهلُه مَعَه١ امرأتُه، فذلك قوله: ﴿إلا آل لوط نجيناهم بسحر﴾ [القمر:٣٤]٢
عن شمر بن عطية -من طريق حفص بن حميد- قال: كان لوطٌ أخَذ على امرأته أن لا تُذِيع شيئًا مِن سِرِّ أضيافه. قال: فلمّا دخل عليه جبريل ومَن معه رَأَتْهم في صورةٍ لم تر مثلَها قطُّ، فانطلقت تسعى إلى قومها، فأتت الناديَ، فقالت بيدها هكذا، وأقبلوا يُهْرَعون مشيًا بين الهرولة والجَمْزِ، فلمّا انتهوا إلى لوط، وقال لهم لوطٌ ما قال الله في كتابه، قال جبريل: ﴿يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾. قال: فقال بيده، فطَمَس أعينهم، فجعلوا يطلبونهم، يَلْمَسون الحيطان، وهم لا يُبْصِرون١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالُوا يا لُوطُ﴾ قال جبريل للوط: ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ بسوءٍ. لأنهم قالوا للوط: إنّا نرى معك رجالًا سحروا أبصارنا، فستعلم غدًا ما تلقى أنتَ في أهلك. فقال جبريل عليه السلام: ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: لَمّا قال لوطٌ لقومه: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ والرسل تسمع ما يقول، وما يُقال له، ويرون ما هو فيه مِن كَرْبِ ذلك، فلمّا رأوا ما بلغه؛ ﴿قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾ أي: بشيء تكرهه١
قال سفيان الثوري: لما جاء الرسل إلى لوط تبعهم أهل قريته، وكان لهم جمال، فلم يقولوا لهم شيئًا، فلما دخلوا على لوطٍ، ورأوا مَوْجِدَةَ١ لوط عليهم، وما قد دخله مِن خَشْيَتِهم؛ قالوا: ﴿إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾. فلما دنوا أخذوا التراب، فرموهم به، ففَقَئُوا أعينَهم، فذلك قوله: ﴿فطمسنا أعينهم﴾، فرجعوا إلى أصحابهم وهم يقولون: سِحْرٌ سحرونا. فقال لوط للرُّسُل: الآنَ الآنَ. يعني: هلاكهم، فقالوا: ﴿إن موعدهم الصبح﴾ -فقال ابن عباس: ثلاثة أحرف في القرآن لا يحفظون٢، ألا ترى أنّه قول الله: ﴿أليس الصبح بقريب﴾، والحرفان الآخران، ثم أتبعهم ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذله﴾ قال الله: ﴿وكذلك يفعلون﴾ [النمل:٣٤]. وقول ليوسف: ﴿ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ فقال له مَلَكٌ مِن الملائكة: ولا حين هممت قال: ﴿وما أبرئ نفسي﴾ [يوسف:٥٢] فرجع.- فرفع جبريل عليه السلام القريةَ بجناحه، فدَحْدَها٣ وما فيها، حتى أسمع أهل السماء الدنيا أصواتهم، ثم قلبها، ثُمَّ تتبع مَن شَذَّ منهم بالحجارة٤
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿فأسر بأهلك﴾، يقول: سِرْ بهم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾، يعني: امرأته، وابنتيه١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿بقطع من الليل﴾، قال: جوف الليل١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿بقطع﴾، قال: سواد مِن الليل١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿بقطع من الليل﴾: بطائفة مِن الليل١
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قول الله: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل﴾، ما القِطْع؟ قال: آخِر الليلُ سَحَر، قال مالك بن كنانة: ونائحة تقوم بقطع ليل على رجُل أهانته شَعُوب١٢
قال الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿بقطع من الليل﴾: ببَقِيَّة١
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿بقطع من الليل﴾، قال: بطائِفَة من الليل١
قال قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿بقطع من الليل﴾: بعد مُضِيِّ أوله١
قال قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل﴾: أي: سِرْ بهم في ظُلْمَةٍ مِن الليل١
عن عبد الرحمن بن بشر الأنصاري، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الناس كانوا أنذروا قومَ لوط، فجاءتهم الملائكةُ عَشِيَّةً، فمرُّوا بناديهم، فقال قوم لوط بعضُهم لبعض: لا تُنَفِّروهم. ولم يَرَوا قومًا قط أحسن مِن الملائكة، فلمّا دخلوا على لوط عليه السلام راوَدُوه عن ضيفه، فلم يزل بهم حتى عرض عليهم بناته، فأبوا، فقالت الملائكة: ﴿إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾. قال: رسل ربي؟ قالوا: نعم. قال لوط: فالآن إذن١