سورة الشعراء | الآية ٨١

عرض السورة
الوقفات التَّدبُّرية

ﯵﯶﯷﯸ

بلاغة القرآن
*ما دلالة عدم ذكر (هو) في الآية (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) الشعراء) مع أنها ذكرت في آيات سابقة (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) الشعراء)؟ (د.فاضل السامرائي) الناس والمذاهب والفلسفات لم تختلف في أن الله تعالى هو الذي يميت ثم يحيي لكنهم اختلفوا هل هو الله الذي يُطعِم والذي يسقي أو هو الإنسان؟ في الفلسفات القديمة قالوا خلق الإنسان الموتى لكن من نعّمنا؟ قال تعالى كلها ربنا يفعلها فما كان فيه خلاف أكّده (الذي هو يهدين، والذي هو يطعمني، فهو يشفين) كل الذي فيه خلاف أكّده والذي ليس فيه خلاف لم يحتاج لتوكيد (والذي يميتني ثم يحيين). * قال إبراهيم عليه السلام في سورة الشعراء (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)) نلاحظ ضمير الحصر مع الخلق (فَهُوَ يَهْدِينِ) ومع المرض (فَهُوَ يَشْفِينِ) ليس غيره وبالنسبة للإطعام والسقي (هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) إلا مع الإماتة (يُمِيتُنِي) لم يقل والذي هو يميتني مع أن الموت حصراً لله فلماذا لم يحصر بالضمير؟(د.فاضل السامرائى) (الَّذِي خَلَقَنِي) مجمعين على أن ربنا خالق ليس فيها شك لكن مختلفين في الإطعام والإسقاء هل هو الذي يُطعم ويسقي؟ قد يسقي ويطعم غيره، أنت تشتغل وقد يطعمك ويسقيك آخر. الأرزاق بيد الله عامة، لكن عموم الناس. (الَّذِي خَلَقَنِي) حتى الكافر يقول خلقني الله لكن الإطعام والسقاية يقول أنت تشتغل قد يطعمك ويسقيك آخر، ليست كما خلقك الله. الخلقة من الله لكن الإطعام والسقاية قد تنسب إلى غيره، ممكن. (هو) توكيد معناه هو بالذات، فهو يهديني لا أحد يهدي غير الله، هذه ليس فيها شيء. (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) الحقيقة هو وإن كنت ترى أن غيره قد يطعمك ويسقيك لكنه في الحقيقة هو، (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) ليس الدواء وحده أو الطبيب. ما ليس فيه شك لا يقول (هو) لكن التي فيه شك يقول (هو) للتوكيد والتخصيص أيضاً. *هل نقول في العربية من هو مؤلف الكتاب؟ أم نقول من مؤلف الكتاب؟ من مؤلف الكتاب؟ هي اللغة الأعلى.
فاضل السامرائي
بلاغة القرآن
قوله تعالى:{اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم (6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين (7) }[الفاتحة6-7]. عبر عن المؤمنين بجملة:{ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ }التي جاءت صلة موصولها جملة فعلية، ولم يقل: (صراط المنعم عليهم)؛ لتكون متناسبة مع قوله:{ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ } ،وقوله:{ الضَّالِّين}؛ وإنما جاءت الآية على ما جاءت عليه لأن من شأن التعبير بالاسم الموصول أن يكون معهوداً نصب العين للسامع والقارئ ،وههنا دل التعبير عن المؤمنين بالاسم الموصول على علو شأنهم وتلألئهم في ظلمات البشر،كأنهم معهودون نصب العين لكل سامع. كما أسند الفعل الواقع في صلة الموصول، وهو (أنعم) إلى ضمير رب العزة والجلال، ولذلك فائدة دقيقة هي: أن المتأمل في النظم القرآني العظيم يجد أن الله سبحانه وتعالى يفصح عن فاعل أفعال الرحمة والجود والإحسان، فيبينها للمعلوم، ولا يبينها للمجهول، بخلاف أفعال العقوبة والجزاء، فيحذف فاعلها، ويبني الفعل معها للمجهول، وفي الآية التي بين أيدينا أسند الفعل (أنعم) إلى ضمير المخاطب العائد إلى الله سبحانه وتعالى، وعدل عنه في الغضب والضلال، ولهذه الآية نظائر كثيرة، تأمل قول الله سبحانه وتعالى على لسان إبراهيم – عليه السلام-: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين(78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِين (81)} [الشعراء78-81] ،حيث أسند إبراهيم –عليه السلام- الخلق والهداية والإطعام والإسقاء وغفران الخطايا إلى الله تعالى، أما المرض فأسنده إلى نفسه، ولم ينسبه إلى الله تعالى، فقال: { مَرِضْتُ }، ولم يقل: (أمرضني) . وتأمل قوله تعالى حكاية عن الجن: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا}[الجن:10]، حيث نسبوا إرادة الرشد إلى الله سبحانه وتعالى، وبنوا الفعل مع إرادة الشر إلى المجهول،فقالوا : { أَشَرٌّ أُرِيدَ} . بل تأمل قول الها تعالى:{فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ }[الأعراف:30] ، وقوله – عز وجل-: { فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ }[النحل:36] ، فالهداية نسبها إلى المولى جل جلاله، والضلالة جعلها حاقة عليهم. ويمكن أن يكون سبب الاختلاف في السياق أنه تعالى هو وحده المتفرد بالإنعام ، كما قال:{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُون}[النحل:53]، وإن نسبت نعمة إلى غيره فهي نسبة مجازية ؛ بكونه طريقاً ومجرًى للنعمة ، وأما الغضب على أعدائه فلا يختصّ به تعالى؛ بل ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه يغضبون لغضبه. وتأمل التعبير الخلاب بـ{ أَنْعَمْتَ }[النمل:19] حيث عبّر عن هدايتهم بالإنعام؛ لأن للنعمة لذة تميل النفس إليها، وعبر بالفعل الماضي ؛ لأن من شأن المنعم الكريم أن لا يسترد ما ينعم به ، فكأنه أراد أنهم ملكوا تلك النعمة وحازوها ، ولا سبيل إلى نزعها منهم. والله أعلم.
صالح العايد