عن سليمان بن مهران الأعمش، عن بعض أصحابه التابعين، قال: الروح خَلْقٌ مِن خَلْقِ الله، لهم أيد وأرجل١
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾، وهو مَلَك عظيم على صورة إنسان، أعظم من كل مخلوق غير العرش، فهو حافظ على الملائكة، وجهه كوجه الإنسان١
٣
قال يحيى بن سلّام: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ مِن وحي ربي١٢٣
٤
عن يزيد بن زيادٍ أنّه بلغه: أن رجلين اختلفا في هذه الآية: ﴿وما أوتيتُم مِّنَ العلم إلّا قليلًا﴾؛ فقال أحدهما: إنما أُريد بها أهلُ الكتابِ. وقال الآخرُ: بل أمَّة محمدٍ ﷺ. فانطلق أحدُهما إلى ابن مسعود، فسأله، فقال: ألست تقرأُ سورةَ البقرة؟ فقال: بلى. فقال: وأيُّ العلمِ ليس في سورة البقرة؟! إنما أُريد بها أهلُ الكتابِ١
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وما أوتيتُم من العلمِ إلا قليلًا﴾، يعني: اليهود١
٦
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ عندي، كثيرًا عندكم. وذلك أنّ اليهود قالوا للنبي ﷺ: إنّ في التوراة علم كل شيء. وقال الله -تبارك وتعالى- للنبي ﷺ: قل لليهود: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ عندي، كثيرًا عندكم، وعلم التوراة عندكم كثير. فقالوا للنبي ﷺ: مَن قال هذا؟ فواللهِ، ما قاله لك إلا عدوٌّ لنا. يعنون: جبريل عليه السلام، ثم قالوا للنبي ﷺ: خاصة لنا أنّا لم نؤت من العلم إلا قليلًا؟ فقال النبي ﷺ: «بل الناس كلهم عامة». فقالوا للنبي ﷺ: ولا أنت ولا أصحابك؟ فقال: «نعم». فقالوا: كيف تجمع بين هاتين؟ تزعم أنك أوتيت الحكمة، ومَن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، وتزعم أنك لم تؤت من العلم إلا قليلًا؟ فنزلت: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام﴾ إلى آخر الآية [لقمان:٢٧]، نزلت: ﴿قل لو كان البحر مدادا﴾ إلى آخر الآية [الكهف:١٠٩]١
٧
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج- في قوله: ﴿وما أُوتيتُم من العلمِ إلا قليلًا﴾، قال: يا محمدُ، والناس أجمعون١
٨
قال يحيى بن سلّام: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾، أي: إنّ علمكم الذي آتاكم الله قليلٌ في علم الله١٢
٩
عن سلمان الفارسي -من طريق عبد الرحمن بن سلمان- قال: الإنسُ والجنُّ عشرةُ أجزاءٍ؛ فالإنس جزءٌ، والجن تسعة أجزاءٍ، والملائكة والجنُّ عشرة أجزاءٍ؛ فالجنُّ من ذلك جزءٌ، والملائكة تسعةٌ، والملائكة والروحُ عشرةُ أجزاءٍ؛ فالملائكة من ذلك جزءٌ، والروح تسعة أجزاءٍ، والروح والكروبيُّون١ عشرة أجزاءٍ؛ فالروح من ذلك جزءٌ، والكروبيُّون تسعةُ أجزاءٍ٢
١٠
عن علي بن أبي طالب -من طريق أبي هزان يزيد بن سمرة صاحب قيسارية، عمَّن حدَّثه- في قوله: ﴿ويسألونَكَ عن الرُّوح﴾، قال: هو مَلَكٌ من الملائكة، له سبعونَ ألفَ وجه، لكلِّ وجه منها سبعون ألف لسانٍ، لكل لسان منها سبعون ألف لغةٍ، يُسَبِّح الله بتلك اللغاتِ كلِّها، يخلُقُ الله من كلِّ تسبيحةٍ ملكًا يطيرُ مع الملائكةِ إلى يوم القيامةِ١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ويسألونَكَ عن الرُّوح﴾، قال: الروحُ مَلَكٌ١
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- في قوله: ﴿ويسألونَكَ عن الرُّوح﴾، قال: هو مَلَكٌ واحدٌ له عشرةُ آلافِ جناح، جناحان منهما ما بين المشرق والمغرب، له ألفُ وجْهٍ، لكلِّ وجْهٍ لسانٌ وعينان وشفتان، يُسبِّحان الله تعالى إلى يوم القيامة١
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: الروحُ أمرٌ من أمر الله؛ خلقٌ من خلق الله، وصُورُهم على صور بني آدم، وما ينزِلُ من السماءِ من مَلَك إلا ومعه واحدٌ من الروحِ. ثم تلا: ﴿يوم يقُومُ الرُّوحُ والملائكةُ صفا﴾ [النبأ:٣٨]١
١٥
عن عكرمة، قال: سُئل عبد الله بن عباس في قوله: ﴿ويسألُونَكَ عنِ الرُّوح قُل الرُّوح من أمر ربي﴾: لا تنالوا هذه المنزلة، فلا تزيدوا عليها، قولوا كما قال الله وعلَّم نبيَّه: ﴿وما أُوتيتُم منَ العِلمِ إلّا قليلًا﴾١
١٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- ﴿ويسألونك عن الروح﴾، قال: هو جبريل، قال قتادة: وكان ابن عباس يكتمه١
١٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق هشام-: أنّ ابن عباس فسر الروح مرة واحدة ثم كف عن تفسيرها، قال يحيى بن سلّام: وأحسب أن هشامًا أو غيره ذكر أن قتادة فسرها مرة ثم كف١
١٨
قال سعيد بن جبير: لم يخلق الله تعالى خلقًا أعظم من الروح غير العرش، لو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومَن فيها بلقمة واحدة لفعل، صورة خلقه على صورة خلق الملائكة، وصورة وجهه على صورة الآدميين، يقوم يوم القيامة عن يمين العرش، وهو أقرب الخلق إلى الله عز وجل اليوم عند الحجب السبعين، وأقرب إلى الله يوم القيامة، وهو ممن يشفع لأهل التوحيد، ولولا أن بينه وبين الملائكة سِترًا من نور لاحترق أهل السموات من نوره١
١٩
عن مجاهد بن جبر، قال: الروحُ خلقٌ مع الملائكة، لا تراهم الملائكة، كما لا ترون أنتم الملائكة، والرُّوح حرفٌ استأثر الله تعالى بعلمِه، ولم يُطلِع عليه أحدًا من خلقه، وهو قوله تعالى: ﴿ويسألونَكَ عن الرُّوح قُلِ الرُّوح من أمرِ ربِّي﴾١
٢٠
قال مجاهد بن جبر: خَلْقٌ على صور بني آدم، لهم أيدٍ وأرجل ورؤوس، وليسوا بملائكة ولا ناس، يأكلون الطعام١
٢١
عن الحسن البصري -من طريق معمر- في قوله تعالى: ﴿ويسئلونك عن الروح﴾، قال: هو جبريل١
قال أبو صالح باذام: الروح كهيئة الإنسان، وليسوا بناس١
٢٤
قال إسماعيل السُّدِّيّ: الروح ملك من الملائكة في السماء السابعة، ووجهه على صورة الإنسان وجسده على صورة الملائكة، وذلك قوله في عم يتساءلون [٣٨]: ﴿يوم يقوم الروح﴾، يعني: ذلك الملك، وهو أعظم من كل مخلوق، وتحت العرش، وهو حافظ على الملائكة، يقوم على يمين العرش صفًّا واحدًا والملائكة صف، فذلك قوله: ﴿ويسألونك عن الروح﴾ يعني: ذلك الملك، ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ لم يحيطوا به علمًا١
نزول الآية
١٠ أقوال
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويسئلونك عن الروح﴾، نزلت في أبي جهل وأصحابه١
٢
عن عبد الله بن مسعود، قال: كنتُ أمشي مع النَّبي ﷺ في حرْثِ المدينةِ، وهو متَّكئ على عَسيبٍ، فمرَّ بقومٍ مِن اليهودِ، فقال بعضُهم لبعضٍ: سَلُوه عن الرُّوحِ. وقال بعضُهم: لا تسألوه. فسألوه، فقالوا: يا محمدُ، ما الروحُ؟ فما زال مُتَوَكِّئًا على العسيبِ، فظننتُ أنه يُوحى إليه، فقال: ﴿ويَسئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتيتُم مِّن العِلمِ إلا قَليلًا﴾١٢
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: قالت قريشٌ لليهود: أعطُونا شيئًا نسأل هذا الرجلَ. فقالوا: سلُوه عن الروح. فسألوه؛ فنزلت: ﴿ويسألُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوح مِن أمْر ربِّي وما أوتيتُم من العلمِ إلا قليلًا﴾. قالوا: أُوتينا علمًا كثيرًا؛ أوتينا التوراة، ومَن أوتيَ التوراةَ فقد أوتيَ خيرًا كثيرًا. فأنزل اللهُ: ﴿قُل لوْ كان البَحْرُ مدادًا لكلماتِ ربِّي لنفدَ البحرُ قبل أن تنفد كلماتُ ربِّي ولو جئنا بِمثلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]١٢
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفيِّ- أنّ اليهودَ قالوا للنبيِّ ﷺ: أخبرنا ما الروحُ؟ وكيف تُعذَّبُ الروحُ التي في الجسد؟ وإنما الروحُ من الله، ولم يكن نزل عليه فيه شيءٌ، فلم يُحِرْ١ إليهم شيئًا، فأتاه جبريلُ، فقال له: ﴿قُل الرُّوح مِن أمْر رَبي وما أوتيتُم مِن العلْم إلا قليلًا﴾. فأخبرهم النبيُّ ﷺ بذلك، فقالوا: مَن جاءك بهذا؟ قال: «جبريلُ». قالوا: واللهِ، ما قاله لك إلا عدوٌّ لنا. فأنزل اللهُ: ﴿قُلْ من كانَ عدُوًّا لجبريلَ﴾ الآية [البقرة:٩٧]٢
٥
عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أمِّ الحكم الثقفيِّ، قال: بينما رسولُ الله ﷺ في بعض سكك المدينة إذ عرض له اليهودُ، فقالوا: يا محمدُ، ما الروح؟ وبيده عسيبُ نخْلٍ، فاعتمد عليه، ورفع رأسه إلى السماءِ، ثم قال: ﴿ويسألونَكَ عن الرُّوح﴾ إلى قوله: ﴿قليلا﴾١
٦
عن عطاء بن يسار -من طريق محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه- قال: نزلت بمكةَ: ﴿وما أوتيتُم منَ العلمِ إلا قليلًا﴾. فلما هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة أتاه أحبارُ يهود، فقالوا: يا محمد، ألم يَبْلُغْنا أنك تقولُ: ﴿وما أُوتيتُم منَ العلمِ إلّا قليلًا﴾. أفعنَيتنا أم قومَك؟ قال: «كُلًّا قد عنيتُ». قالوا: فإنك تَتْلو أنّا أوتينا التوراة، وفيها تبيانُ كلِّ شيءٍ. فقال رسول الله ﷺ: «هي في علم الله قليلٌ، وقد آتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم». فأنزل الله: ﴿ولو أنّما في الأرض من شجرةٍ أقلام﴾. إلى قوله: ﴿إن الله سميعٌ بصيرٌ﴾ [لقمان ٢٧- ٢٨]١
٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿ويَسئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾، قال: يهودُ يسألونه١
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق الأعمش-: أنّ ناسًا من اليهود لقوا نبيَّ الله وهو على بغلته، فسألوه عن الروح؛ فأنزل الله: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾١
٩
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿ويسألونك عن الروح﴾: لقيت اليهودُ نبيَّ الله ﷺ، فتغشوه، وسألوه، وقالوا: إن كان نبيًّا عُلِّمَ فسيعلم ذلك. فسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين؛ فأنزل الله في كتابه ذلك كله: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾١
١٠
في تفسير محمد بن السائب الكلبي: أنّ المشركين بعثوا رسلًا إلى المدينة، فقالوا لهم: سلوا اليهود عن محمد، وصِفُوا لهم نعته وقوله، ثم ائتونا فأخبرونا. فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوا بها علماء اليهود من كل أرض قد اجتمعوا فيها لعيدٍ لهم، فسألوهم عن محمد، ونعتوا لهم نعته، فقال لهم حَبر من أحبار اليهود: إنّ هذا لنعت النبي الذي نتحدث أنّ الله باعثه في هذه الأرض. فقالت لهم رسل قريش: إنّه فقير، عائل، يتيم، لم يتبعه من قومه مِن أهل الرأي أحدٌ، ولا من ذوي الأسنان. فضحك الحبر، وقال: كذلك نجده. قالت لهم رسل قريش: فإنّه يقول قولًا عظيمًا؛ يدعو إلى الرحمن، ويقول: إنّ الذي باليمامة الساحر الكذاب. يعنون: مسيلمة. فقالت لهم اليهود: اذهبوا، فسلوا صاحبكم عن خلال ثلاث، فإن الذي باليمامة قد عجز عنهن، فأما اثنتان من الثلاث فإنه لا يعلمهما إلا نبي، فإن أخبركم بهما فقد صدق، وأما الثالثة فلا يجترئ عليها أحد. فقالت لهم رسل قريش: أخبرونا بهِنَّ. فقالت لهم اليهود: سلوه عن أصحاب الكهف والرقيم -فقصوا عليهم قصتهم-، وسلوه عن ذي القرنين -وحدثوهم بأمره-، وسلوه عن الروح، فإن أخبركم فيه بشيء فهو كاذب. فرجعت رسل قريش إليهم، فأخبروهم بذلك، فأرسلوا إلى النبي، فلقيهم، فقالوا: يا ابن عبد المطلب، إنا سائلوك عن خلال ثلاث، فإن أخبرتنا بهن فأنت صادق، وإلا فلا تذكرن آلهتنا بشيء. فقال لهم رسول الله: «وما هن؟». قالوا: أخبِرنا عن أصحاب الكهف، فإنا قد أخبرنا عنهم بآية بينة، وأخبرنا عن ذي القرنين، فإنا قد أخبرنا عنه بأمر بين، وأخبرنا عن الروح. فقال لهم رسول الله ×: أنظروني حتى أنظر ماذا يُحْدِث إلَيَّ فيه ربي. قالوا: فإنّا ناظروك فيه ثلاثًا. فمكث نبيُّ الله ثلاثة أيام لا يأتيه جبريل، ثم أتاه، فاستبشر به النبي ×، وقال: «يا جبريل، قد رأيت ما سأل عنه قومي ثم لم تأتني!». قال له جبريل: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا﴾ [مريم:٦٤]، فإذا شاء ربك أرسلني إليك. ثم قال له جبريل: إن الله قال: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾. ثم قال له: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم﴾ [الكهف:٩]، فذكر قصتهم. قال: ﴿ويسألونك عن ذي القرنين﴾ [الكهف: ٣]، فذكر قصته. ثم لقي رسول الله قريشًا في آخر اليوم الثالث، فقالوا: ماذا أحدث إليك ربك في الذي سألناك عنه؟ فقصَّه عليهم. فعجبوا، وغلب عليهم الشيطان أن يصدقوه١