عن عكرمة مولى ابن عباس: أنّ النبي ﷺ قرأ على الوليد: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ إلى آخر الآية، فقال له: يا ابن أخي، أعِد. فعاد عليه، فقال: إنّ له -واللهِ- لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لَمُغْدِق، وما هو بقول البشر١
٢
عن ابن عمر: أنّ عمر بن الخطاب خرج ذات يوم إلى الناس، فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن، وأعدلها، وأخوفها، وأرجاها؟ فسكت القوم، فقال ابن مسعود: على الخبير سقطت؛ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «أعظم آية في القرآن: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة:٢٥٥]، وأعدل آية في القرآن: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى آخرها، وأخوف آية في القرآن: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة:٧-٨]، وأرجى آية في القرآن: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر:٥٣]»١
٣
عن عامر الشعبي، قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: إنّما الإحسان: أن تُحسن إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تُحسن إلى مَن أحسن إليك١
٤
عن عبد الله بن مسعود -من طريق مسروق، وشُتَيْر بن شَكَل- قال: أعظم آية في كتاب الله: ﴿الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم﴾ [البقرة:٢٥٥]، وأجمع آية في كتاب الله للخير والشرّ: الآية التي في النحل: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾، وأكثر آية في كتاب الله تفويضًا: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا * ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق:٢-٣]، وأشدّ آية في كتاب الله رجاءً: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ الآية [الزمر:٥٣]١
٥
عن الحسن البصري -من طريق جويرية بن بشير الهجيمي- أنّه قرأ هذه الآية: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى آخرها، ثم قال: إنّ الله عز وجل جمع لكم الخير كلَّه والشر كلَّه في آية واحدة، فواللهِ، ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئًا إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئًا إلا جمعه١
٦
عن محمد بن كعب القرظيّ، قال: دعاني عمر بن عبد العزيز، فقال: صِف لي العدل. فقلت: بَخٍ، سألتَ عن أمرٍ جسيم؛ كُن لصغيرِ الناس أبًا، ولكبيرهم ابنًا، وللمِثْل منهم أخًا، وللنساء كذلك، وعاقِبِ الناسَ على قَدْرِ ذنوبهم، وعلى قدر أجسادهم، ولا تضربنَّ لغضبك سوطًا واحدًا فتَعَدّى فتكون من العادين١
٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ الآية، قال: ليس من خُلُقٍ حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويُعَظِّمونه ويخشونه إلا أمَر الله به، وليس من خُلُقٍ سيِّءٍ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقَدَّم فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومَذامِّها١
٨
عن أبي بكرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من ذنب أجدر أن تُعَجَّل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يُدَّخر له في الآخرة مِن البغي وقطيعة الرحم»١
٩
عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن انتفى مِن والديه، أو أرى عينَه ما لم تَرَ؛ فليتبوأ مقعده من النار». وقال عبد الله: فلبثنا بذلك زمانًا نخاف الزيادة في الحديث إذ قال النبي ﷺ: «تحدَّثوا عني ولا حرج، كأنما أنتم في ذلك كما قلت لكم في بني إسرائيل: تحدثوا عنهم ولا حرج. فإنكم لن تبلغوا ما كانوا فيه من خير أو شر، ألا ومن قال كذبًا ليضل الناس بغير علم فإنه بين عيني جهنم يوم القيامة، وما قال من حسنة فالله ورسوله يأمران بها، قال: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾»١
١٠
عن عبد الملك بن عُمير، قال: بلغ أكثَمَ بن صَيفيَّ مَخرَجُ رسول الله ﷺ، فأراد أن يأتيَه، فأبى قومه، فانتدب رجلان، فأتيا رسول الله ﷺ، فقالا: نحن رسلُ أكْثَم، يسألك من أنت؟ وما جئت به؟ فقال النبيُّ ﷺ: «أنا محمد بن عبد الله، وأنا عبد الله ورسوله». ثم تلا عليهم: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى: ﴿تذّكرون﴾. قالوا: ارْدُد علينا هذا القول. فردَّده عليهم حتى حفِظوه، فأتيا أكثم، فأخبراه، فلما سمع الآية قال: إني أُراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوسًا، ولا تكونوا فيه أذنابًا، وكونوا فيه أوَّلًا، ولا تكونوا فيه آخرًا١
تفسير
٣٠ قولًا
١
عن الحسن البصري -من طريق إبراهيم بن قرة- في قوله تعالى: ﴿وينهى عن الفحشاء﴾، قال: الزنا...١
٢
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾، يعني: المعاصي١
٣
قال سفيان بن عيينة: والفحشاء: أن تكون علانيتُه أحسنَ من سريرته١
٤
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿وينهى عن الفحشاء﴾ المعاصي١
٥
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿والمنكر﴾، قال: الشرك١
٦
عن الحسن البصري -من طريق إبراهيم بن قرة- في قوله تعالى: ﴿والمنكر﴾، قال: الشِّرك١
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والمُنْكَرِ﴾، يعني: الشرك، وما لا يعرف من القول١
٨
قال سفيان بن عيينة: ﴿والمنكر﴾: أن تكون علانيته أحسن من سريرته١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والبَغْيِ﴾، يعني: ظلم الناس١
١٤
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿والبغي﴾ أن يبغي بعضهم على بعض، هو من المعاصي١
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿يعظكم﴾ قال: يوصيكم؛ ﴿لعلكم تذّكرون﴾١
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَعِظُكُمْ﴾ يعني: يؤدبكم؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يعني: لكي تذكروا؛ فتتأدبوا١
١٧
عن علي بن أبي طالب -من طريق الكلبيّ، عن أبيه- أنه مَرَّ بقوم يتحدّثون، فقال: فيم أنتم؟ فقالوا: نتذاكَر المروءة. فقال: أوَما كَفاكم الله عز وجل ذاك في كتابه إذ يقول: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾؟ فالعدل: الإنصاف، والإحسان: التفضُّلُ، فما بقي بعد هذا؟١٢
١٨
قال سفيان بن عيينة: سُئِل علي عن قول الله عز وجل: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾. قال: العدل: الإنصاف، والإحسان: التفضل. وسُئِل: لأي شيء سمّى الله عز وجل نفسه: المؤمن؟ قال: يُؤْمَن عذابُه بالطاعة١
١٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله١، ﴿والإحسان﴾ قال: أداء الفرائض٢٣
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء-: العدل: خلع الأنداد. والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه١
٢١
عن عبد الله بن عباس: ﴿الإحسان﴾: الإخلاص في التوحيد١
٢٢
عن الحسن البصري -من طريق إبراهيم بن قرة- في قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ قال: العدل: التوحيد، والإحسان: الصلاة، ﴿وإيتاء ذي القربى﴾ قال: مالُك في أقاربك، ﴿وينهى عن الفحشاء﴾ قال: الزنا، ﴿والمنكر﴾ قال: الشرك، ﴿والبغي﴾ قال: قطيعة الرَّحِم١
٢٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ بالتوحيد، ﴿والإحْسانِ﴾ يعني: العفو عن الناس١
٢٤
قال سفيان بن عيينة: العدل: استواء السريرة والعلانية مِن كل عامل لله عملًا، والإحسان: أن تكون سريرتُه أحسنَ من علانيته١
٢٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وإيتآء ذي القربى﴾، قال: إعطاء ذوي الأرحامِ الحقَّ الذي أوجبه الله عليك بسبب القرابة والرَّحِم١
٢٦
عن الحسن البصري -من طريق أبي الأشهب- قال: حق الرَّحِم ألا تحرمها، ولا تهجرها١
٢٧
عن الحسن البصري -من طريق إبراهيم بن قرة- في قوله تعالى: ﴿وإيتاء ذي القربى﴾، قال: مالُك في أقاربك...١
٢٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإيتاءِ﴾ يعني: وإعطاء ﴿ذِي القُرْبى﴾ المال، يعني: صلة قرابة الرجل. كقوله: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ [الإسراء:٢٦]، يعني: صلته١
٢٩
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿وإيتاء ذي القربى﴾ حق القرابة١٢
٣٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وينهى عن الفحشاء﴾، قال: الزّنا١٢
نزول الآية
٤ أقوال
١
قال مقاتل بن سليمان: لما نزلت هذه الآية بمكة قال أبو طالب بن عبد المطلب: يا آل غالب، اتَّبعوا محمدًا ﷺ تفلحوا وترشدوا؛ واللهِ، إنّ ابن أخي لَيأمر بمكارم الأخلاق، وبالأمر الحسن، ولا يأمر إلا بحسن الأخلاق، واللهِ، لئن كان محمد ﷺ صادقًا أو كاذبًا ما يدعوكم إلا إلى الخير. فبلغ ذلك الوليد بن المغيرة، فقال: إن كان محمد ﷺ قاله فنِعْمَ ما قال، وإن إلهه قاله فنعم ما قال، فأتنا بلسانه١. ولم يصدق محمدًا ﷺ بما جاء به، ولم يتبعه؛ فنزلت: ﴿أفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى وأَعْطى قَلِيلًا﴾ بلسانه، ﴿وأَكْدى﴾ [النجم:٣٣-٣٤] يعني: وقطع ذلك٢
٢
قال يحيى بن سلّام: بلغني: أنّه لما نزلت هذه الآية قال بعض المشركين: إنّ هذا الرجل ليأمر بمحاسن الأخلاق١
٣
عن عبد الله بن عباس، قال: بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته جالسًا إذ مَرَّ به عثمان بن مظعون، فجلس إلى رسول الله ﷺ، فبينما هو يُحَدِّثُه إذ شَخَص رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء، فأخذ يضع بصرَه حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتَحَرَّف رسول الله ﷺ عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ يُنغِضُ١ رأسه، كأنه يَسْتَفْقِهُ ما يُقال له، فلما قضى حاجته شَخَص بصرُ رسول الله ﷺ إلى السماء كما شَخَص أول مرة، فأتبَعه بصره حتى توارى في السماء، فأقبل إلى عثمان بجِلسته الأولى، فسأله عثمان، فقال: «أتاني جبريل آنفًا». قال: فما قال لك؟ قال: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى قوله: ﴿تذّكرون﴾. قال عثمان: فذلك حين استقرّ الإيمان في قلبي، وأحببتُ محمدًا ﷺ٢٣
٤
عن عثمان بن أبي العاصي، قال: كنت عند رسول الله ﷺ جالسًا إذ شخَص بصرُه، فقال: «أتاني جبريل، فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى قوله: ﴿لعلكم تذكَّرون﴾»١