عن الربيع بن خُثَيْم: أنّه جاءه سائل في ليلة باردة، فخرج إليه فرآه كأنّه مقرور، قال: ﴿لَن تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، فنَزَع برتشًا١ له وأعطاه إياه، وذكر أنّه كساه عروة٢
٢
عن عائشة، قالت: أُتِي رسول الله ﷺ بضَبٍّ، فلم يأكله، ولم يَنْهَ عنه، قلت: يا رسول الله، أفلا نطعمه المساكين؟ قال: «لا تطعموهم مما لا تأكلون»١
٣
عن عمر بن الخطاب -من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد- أنّه كتب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سَبْيِ جَلُولاء١، فدعا بها عمر، فقال: إن الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. فأعتقها عمر. قال: وهي مثل قوله: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا﴾ [الإنسان:٨]، ومثل قوله: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر:٩]٢
٤
عن ميمون بن مِهران: أنّ رجلًا سأل أبا ذر: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة عماد الإسلام، والجهاد سَنام العمل، والصدقة شيء عجيب. فقال: يا أبا ذر، لقد تركت شيئًا هو أوثق عملي في نفسي، لا أراك ذكرته. قال: ما هو؟ قال: الصيام. فقال: قربة، وليس هنا. وتلا هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾١.٢
٥
عن رجل من بني سليم، قال: جاورتُ أبا ذر بالرَّبَذَة١، وله فيها قطيع إبل، له فيها راعٍ ضعيف، فقلت: يا أبا ذر، ألا أكون لك صاحبًا؛ أكْنُف راعِيَك٢، وأقتبس منك بعض ما عندك، لعل الله أن ينفعني به؟ فقال أبو ذر: إن صاحبي من أطاعني، فإما أنت مطيعي فأنت لي صاحب، وإلا فلا. قلت: ما الذي تسألني فيه الطاعة؟ قال: لا أدعوك بشيء من مالي إلا توخيت أفضله. قال: فلبثت معه ما شاء الله، ثم ذكر له في الماء حاجة، فقال: ائْتِنِي ببعير من الإبل، فتصفحت الإبل، فإذا أفضلها فحلها ذَلُول، فهممت بأخذه، ثم ذكرت حاجتهم إليه، فتركته، وأخذت ناقة ليس في الإبل بعد الفحل أفضل منها، فجئت بها، فحانت منه نظرة. فقال: يا أخا بني سليم، خُنتَني. فلما فهمتها منه خَلَّيْت سبيل الناقة، ورجعت إلى الإبل، فأخذت الفحل، فجئت به، فقال لجلسائه: مَن رجلان يحتسبان عملهما؟ قال رجلان: نحن. قال: أما لا فأَنيخاه٣، ثم اعْقِلاه، ثم انحراه، ثم عدوا بيوت الماء فجَزِّئُوا لحمه على عددهم، واجعلوا بيت أبي ذر بيتًا منها. ففعلوا، فلما فَرَّق اللحم دعاني، فقال: ما أدري، أحفظت وصيتي فظهرت بها، أم نسيت فأعذرك؟ قلت: ما نسيت وصيتك، ولكن لما تصفحت الإبل وجدت فحلها أفضلها، فهممت بأخذه، فذكرت حاجتكم إليه، فتركته. فقال: ما تركته إلا لحاجتي إليه. قلت: ما تركته إلا لذلك. قال: أفلا أخبرك بيوم حاجتي؟! إنّ يوم حاجتي يوم أوضع في حفرتي، فذلك يوم حاجتي، إن في المال ثلاثة شركاء: القدر لا ينتظر أن يذهب بخيرها أو شرها، والوارث ينتظر متى تضع رأسك ثم يستفيئها وأنت ذميم، وأنت الثالث، فإن استطعت أن لا تكونن أعجز الثلاثة فلا تكونن، مع أنّ الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، وإن هذا الجمل كان مما أُحب من مالي، فأحببت أن أقدمه لنفسي٤
٦
عن عبد الله بن عمر، قال: حضرتني هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إلي من مَرْجانة، جارية لي رومية، فقلت: هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها، فأنكحها نافعًا١٢
٧
عن عبد الله بن عمر -من طريق مجاهد- أنّه قرأ وهو يصلي، فأتى على هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، فأعتق جارية له وهو يصلي، أشار إليها بيده١
٨
عن عبد الله بن عمر -من طريق عن نافع- أنّه كان يشتري السكر فيتصدق به، فنقول له: لو اشتريت لهم بثمنه طعامًا كان أنفع لهم من هذا. فيقول: إني أعرف الذي تقولون، ولكن سمعت الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، وابن عمر يحب السكر١٢
٩
عن الربيع بن خُثَيْم: أنّه وقف سائل على بابه، فقال: أطعموه سُكَّرًا. فقيل: ما يصنع هذا بالسكّر، فنطعمه خبزًا فهو أنفع له. فقال: ويحكم أطعموه سكّرًا؛ فإنّ الربيع يحب السكّر١
تفسير
١٨ قولًا
١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- في قوله: ﴿لن تنالوا البر﴾، قال: التقوى١
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قال: أراد بهذه الآية الزكاة، يعني: حتى تخرجوا زكاة أموالكم١
٣
عن الحسن البصري -من طريق عباد- قوله: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، قال: من المال١
٤
قال الحسن البصري: كل شيء أنفقه المسلم من ماله يبتغي به وجه الله تعالى فإنّه من الذي عنى الله سبحانه بقوله: ﴿لَن تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، حتى التمرة١
٥
قال الحسن البصري، في قوله: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، يعني: الزكاة الواجبة١
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في الآية، قال: لن تنالوا بِرَّ ربكم حتى تنفقوا مما يعجبكم، ومما تَهْوَون من أموالكم، ﴿وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم﴾ يقول: محفوظ ذلك لكم، الله به عليم شاكر له١
٧
قال مقاتل بن سليمان: قوله سبحانه: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا﴾ يقول: لن تستكملوا التقوى حتى تنفقوا فى الصدقة ﴿مما تحبون﴾ من الأموال، ﴿وما تنفقوا من شيء﴾ يعني: من صدقة، ﴿فإن الله به عليم﴾ يعني: عالم به، يعني: بنِيّاتِكم١
٨
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي عبيدة- في قوله: ﴿لن تنالوا البر﴾، قال: الجنة١
عن عمرو بن ميمون -من طريق أبي إسحاق-، وإسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-، مثله١
١١
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿لَن تَنالُوا البِرَّ﴾، يعني: الجنّة١٢
١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قوله: ﴿البر﴾، قال: ما ثبت في القلوب من طاعة الله١
١٣
عن مجاهد بن جبر، في قوله: ﴿لَن تَنالُوا البِرَّ﴾، يعني: الجنّة١
١٤
عن الحسن البصري، في قوله: ﴿لَن تَنالُوا البِرَّ﴾: لن يكونوا أبرارًا١
١٥
عن عطاء: لن تنالوا شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحّاء أشحّاء، تأملون العيش وتخشون الفقر١
١٦
عن عطية العوفي، في قوله: ﴿لَن تَنالُوا البِرَّ﴾، يعني: الطاعة١
١٧
عن أبي رَوْق، في قوله: ﴿لَن تَنالُوا البِرَّ﴾، يعني: الخير١
١٨
قال مقاتل بن سليمان: قوله سبحانه: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا﴾، يقول: لن تستكملوا التقوى حتى تنفقوا فى الصدقة١
النسخ في الآية
قول واحد
١
عن مجاهد بن جبر، ومحمد بن السائب الكلبي: هذه الآية منسوخة، نسختها آية الزكاة١
نزول الآية
٩ أقوال
١
عن أنس بن مالك، قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، أو هذه الآية: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله، حائطي الذي بكذا وكذا صدقة، ولو استطعت أن أُسِرَّه لم أُعلنه. فقال رسول الله ﷺ: «اجعله في فقراء أهلك»١
٢
عن عبد الله بن عمر -من طريق مجاهد- أنّه لَمّا نزلت: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ دعا بجارية له، فأعتقها١
٣
عن محمد بن المنكدر -من طريق عمرو بن دينار- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ جاء زيد بن حارثة بفرس له يقال لها: سَبل، لم يكن له مال أحب اليه منها، فقال: هي صدقة. فقبلها رسول الله ﷺ، وحمل عليها ابنه أسامة، فرأى رسول الله ﷺ ذلك في وجه زيد، فقال: «إنّ الله قد قبِلها منك»١
عن أيوب [السِّخْتِياني] وغيره -من طريق معمر- أنّها حين نزلت: ﴿لن تنالوا البر﴾ الآيةَ؛ جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يُحِبُّها، فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله. فحمل عليها رسول الله ﷺ أسامة بن زيد، فكأنّ زيدًا وجد في نفسه، فلما رأى ذلك منه النبي ﷺ قال: «أما إن الله قد قبلها»١
٦
عن ثابت بن الحجاج، قال: بلغني: أنّه لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قال زيد: اللَّهُمَّ، إنّك تعلم أنّه ليس لي مال أحب إلي مِن فرسي هذه. فتصدق بها على المساكين، فأقاموها تباع، وكانت تعجبه، فسأل النبي ﷺ، فنهاه أن يشتريها١
٧
قال شهر بن حَوْشَب: لَمّا نزلت: ﴿لَن تَنالُوا البِرَّ﴾ قالت امرأة لجارية لها لا تملك غيرها: أأعتقك وتقيمين معي، غير أنّي لا أشترط عليك ذلك؟ فقالت: نعم. فلمّا أعتقتها ذهبت وتركتها، فأتت النبي ﷺ، فأخبرته بذلك، فقال النبي ﷺ: «دعيها؛ فقد حجبتك من النار، وإذا سمعتِ بشيءٍ قد جاءني فأتني، حتى أعطيك عوضها»١
٨
عن أنس بن مالك، قال: كان أبو طلحة أكثرَ أنصاريٍّ بالمدينة نخلًا، وكان أحبّ أمواله إليه بَيرَحاء١، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب مِن ماء فيها طيب، فلما نزلت: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، وإن أحب أموالي إلي بَيْرَحاء، وإنها صدقة لله؛ أرجو برها وذُخْرَها عند الله، فضعها -يا رسول الله- حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ: «بَخٍ، ذاك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين». فقال أبو طلحة: أفعل، يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه٢
٩
عن أنس بن مالك، قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قال أبوطلحة: يا رسول الله، إن الله يسألنا مِن أموالنا، أشهد أني قد جعلت أرضي بريحا لله. فقال رسول الله ﷺ: «اجعلها في قرابتك». فجعلها في حسان بن ثابت، وأبي بن كعب١