تفسير
٢٢ قولًاقال مقاتل بن سليمان: ﴿والملائكة باسطوا أيديهم﴾ عند الموت، تضرب الوجوه والأدبار، يعني: ملك الموت وحده، وهو يقول لهم: ﴿أخرجوا أنفسكم﴾ يعني: أرواحكم، منهم أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأبو قيس بن الفاكِه، والوليد بن المغيرة، وقريبًا من سبعين قتيلًا١٢
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿عذاب الهون﴾. قال: الهوان، الدائم، الشديد. قال: وهل تعرفُ العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعتَ الشاعر وهو يقول: إنّا وجَدنا بلادَ الله واسعةً تُنجِي من الذلِّ والمخْزاةِ والهُون١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿عذاب الهون﴾، قال: الهوان١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿عذاب الهون﴾، قال: الذي يُهينُهم١
قال مقاتل بن سليمان: لَمّا بُعِثوا في الآخرة، وصاروا في النار؛ قالت لهم خزنة جهنم: ﴿اليوم تجزون عذاب الهون﴾ يعني: الهوان، بغير رأفة ولا رحمة، نظيرها في الأنفال١، ﴿بما كنتم تقولون على الله﴾ في الدنيا ﴿غير الحق﴾ بأنّ معه شريكًا، ﴿وكنتم عن آياته تستكبرون﴾ يعني: وكنتم تتكبرون عن الإيمان بالقرآن٢
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجّاج- ﴿اليوم تجزون عذاب الهون﴾، قال: عذاب الهون في الآخرة بما كنتم تعملون١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾، قال: زعم أنّه لو شاء قال مثله، يعني: الشِّعْر١٢
قال عبد الله بن عباس: قوله: ﴿ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾، يريد: المستهزئين، وهو جواب لقولهم: ﴿لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾ [الأنفال:٣١]١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾، فلا أحد أيضًا أظلم منه١
عن عبد الله بن عباس، قال: بينا رسول الله ﷺ ذاتَ يوم قاعدًا، وتلا هذه الآية: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون﴾. ثم قال: «والَّذي نفسُ محمد بيده، ما من نفس تُفارِقُ الدنيا حتى تَرى مقعدَها من الجنة والنار». ثم قال: «إذا كان عندَ ذلك صَفَّ سِماطان١ من الملائكة نُظِموا ما بين الخافِقَين، كأنّ وجوههم الشمس، فينظُرُ إليهم ما يَرى غيرَهم، وإن كنتم ترَون أنّه ينظُرُ إليكم، مع كلِّ مَلَك منهم أكفان وحَنُوط، فإذا كان مؤمنًا بشَّرُوه بالجنة، وقالوا: اخْرُجي أيتها النفس الطيبة إلى رضوان الله وجنَّتِه، فقد أعدَّ الله لكِ من الكرامة ما هو خير لك من الدنيا وما فيها. فما يزالون يُبَشِّرُونه، ويحُفُّون به، فلَهم ألطفُ وأرأفُ من الوالدة بولدها، ويَسُلُّون رُوحَه من تحت كلِّ ظُفُر ومَفْصِل، ويموتُ الأولَ فالأول، ويبرُدُ كلُّ عضو الأول فالأول، ويُهَوَّنُ عليه، وإن كنتم ترَونه شديدًا، حتى تبلُغَ ذَقَنَه، فلَهو أشدُّ كراهةً للخروج حينئذ من الولد حينَ يخرُجُ من الرَّحِم، فيبتدِرُها كلُّ مَلَك منهم أيُّهم يقبِضُها، فيتولّى قبضَها ملك الموت». ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون﴾ [السجدة:١١]. قال: «فيتلقّاها بأكفان بيض، ثم يحتضِنُها إليه، فهو أشدُّ لها لزومًا من المرأة لولدِها، ثم يفوحُ لها فيهم ريحٌ أطيبُ من المسك، يتباشَرون بها، ويقولون: مرحبًا بالريح الطيبة، والروح الطيب، اللهم صلِّ عليه روحًا، وصلِّ عليه جسدًا خرَجَتْ منه. فيصعدون بها، ولله خلقٌ في الهواء لا يعلمُ عِدَّتَهم إلا هو، فيفوحُ لها فيهم ريحٌ أطيبُ من المسك، فيُصَلُّون عليها، ويتباشَرُون بها، وتُفتحُ لها أبواب السماء، ويُصَلِّي عليها كل مَلَك في كل سماء تمُرُّ به، حتى تُوقَفَ بينَ يدَي الملك الجبار، فيقول الجبار عز وجل: مرحبًا بالنفس الطيبة، وبجسدٍ خرَجتْ منه. وإذا قال الربُّ عز وجل للشيء: مرحبًا. رحُب له كلُّ شيء، وذهَب عنه كلُّ ضَيْق، ثم يقول: اذهبوا بهذه النفس الطيبة، فأدخِلوها الجنة، وأرُوها مقعدَها، واعرِضوا عليها ما أُعِدَّ لها من النعيم والكرامة، ثم اهبِطوا بها إلى الأرض، فإني قضيتُ أنِّي منها خلَقتُهم، وفيها أعيدُهم، ومنها أُخرجُهم تارةً أُخرى. فو الذي نفسُ محمد بيده، لَهِي أشدُّ كراهة للخروج منها حين كانت تخرُجُ من الجسد، وتقول: أين تَذهَبون بي؟ إلى ذلك الجسد الذي كنتُ فيه؟! فيقولون: إنّا مأمورون بهذا، فلا بدَّ لكِ منه. فيهبِطون به على قدر فراغِهم من غُسلِه وأكفانه، فيُدخِلون ذلك الروحَ بين الجسد وأكفانه، فما خلَق الله كلمةً تكلَّمها حميم ولا غير حميم إلا وهو يسمَعُها، إلا أنه لا يُؤذنُ له في المراجعة، فلو سمِع أشد الناس له حبًّا ومن أعزِّهم كان عليه يقول: على رِسْلِكم، ما يُعجِلُكم. وأُذن له في الكلام للَعَنه، وإنه لَيسمعُ خفقَ نِعالِهم ونفضَ أيديهم إذا ولَّوا عنه، ثم يأتيه عند ذلك مَلَكان فظّان غليظان، يُسميّان: منكرًا، ونكيرًا، ومعهما عصًا من حديد، لو اجتمَع عليها الجنُّ والإنس ما أقلُّوها، وهي عليهما يسير، فيقولان له: اقعُدْ بإذن الله. فإذا هو مستوٍ قاعدًا، فينظرُ عند ذلك إلى خلق ٍكريه فظيع يُنسيه ما كان رأى عندَ موته، فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: الله. فيقولان: فما دينُك؟ فيقول: الإسلام. ثم ينتهِرانِه عند ذلك انتهارةً شديدة، فيقولان: فمن نبيك؟ فيقول: محمد ﷺ. ويعرَقُ عند ذلك عرقًا يبتلُّ ما تحتَه من التراب، ويصير ذلك العرق أطيب من ريح المسك، وينادى عند ذلك من السماء نداءً خفيًّا: صدَق عبدي، فلينفعْه صدقُه. ثم يُفْسَحُ له في قبره مَدَّ بصره، ويُنبَذُ له فيه الريحان، ويُسترُ بالحرير، فإن كان معه من القرآن شيء كفاه نورُه، وإن لم يكن معه جُعِل له نورٌ مثلُ الشمس في قبره، ويُفتحُ له أبواب وكِوًى إلى الجنة، فينظرُ إلى مقعدِه منها مما كان عايَن حينَ صُعِد به، ثم يقال له: نمْ قريرَ العين. فما نومُه ذلك إلى يوم يقومُ إلا كنومةٍ ينامُها أحدُكم شهيةً لم يُرْوَ منها، يقوم وهو يمسحُ عينيه، فكذلك نومُه فيه إلى يوم القيامة، وإن كان غير ذلك إذا نزَل به ملك الموت صَفَّ له سِماطان من الملائكة نُظِموا ما بينَ الخافقين، فيُخطَفُ بصرُه إليهم ما يَرى غيرهم، وإن كنتم ترَون أنه ينظرُ إليكم، ويُشدَّدُ عليه، وإن كنتم ترَون أنه يهوَّنُ عليه، فيلعنونه، ويقولون: اخرُجي، أيَّتُها النفس الخبيثة، فقد أعدَّ الله لكِ من النكال والنِّقمة والعذاب كذا وكذا، وساء ما قدَّمتِ لنفسِك. ولا يزالون يسُلُّونها في تعَب وغِلَظ، وغضب وشدة، من كلِّ ظُفُرٍ وعُضْو، ويموتُ الأول فالأول، وتنشَطُ نفسُه كما يصنع السَّفُّودُ٢ ذو الشُّعَبِ بالصوف، حتى تقعَ الروحُ في ذَقَنِه، فلَهِي أشدُّ كراهيةً للخروج من الولد حينَ يخرج من الرحم، مع ما يبشِّرونه بأنواع النَّكال والعذاب، حتى تبلُغَ ذَقَنَه، فليس منهم ملكٌ إلا وهو يتحاماه كراهيةً له، فيتولّى قبضَها ملك الموت الذي وُكِّل بها، فيتلقّاها -أحسبُه قال-: بقطعةٍ من بِجاد٣ أنتنَ ما خلَق الله وأخشنَه، فتُلقى فيها، ويفوحُ لها ريحٌ أنتنُ ما خلَق الله، ويسُدُّ ملك الموت مَنخِريه، ويسُدُّون آنافَهم، ويقولون: اللَّهُمَّ، العَنْها من روح، والعَنْه جسدًا خرَجت منه. فإذا صُعِد بها غلِّقت أبوابُ السماء دونَها، فيرسلُها مَلَك الموت في الهواء، حتى إذا دنَت من الأرض انحدَر مسرعًا في أثرِها، فيقبضُها بحديدة معه، يفعلُ بها ذلك ثلاث مرات». ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ [الحج:٣١]. والسحيق: البعيد. «ثم يُنتَهى بها، فتُوقَفُ بين يدي الملك الجبار، فيقول: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، ولا بجسدٍ خرَجت منه. ثم يقول: انطلقوا بها إلى جهنم، فأرُوها مقعدَها منها، واعرِضوا عليها ما أعددتُ لها من العذاب والنِّقمة والنَّكال. ثم يقول الرب: اهبِطوا بها إلى الأرض، فإنِّي قضيتُ أنِّي منها خلقتُهم، وفيها أُعيدُهم، ومنها أُخرجُهم تارة أخرى. فيهبِطون بها على قدر فراغِهم منها، فيُدخِلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه، فما خلَق الله حميمًا ولا غيرَ حميم من كلمة يَتكلَّمُ بها إلا وهو يسمَعُها، إلا أنّه لا يؤذنُ له في المراجعة، فلو سمِع أحبَّ الناس إليه وأعزَّهم عليه يقول: اخرجوا به، وعجِّلوا. وأُذن له في المراجعة للعَنه، وودَّ أنه تُرِك كما هو لا يُبلَغُ به حفرتَه إلى يوم القيامة، فإذا دخَل قبرَه جاءه ملكان أسودان أزرقان فظّان غليظان، ومعهما مِرْزَبَةٌ٤ من حديد، وسلاسل، وأغلال، ومقامعُ٥ الحديد، فيقولان له: اقعُدْ بإذن الله. فإذا هو مستوٍ قاعدًا، قد سقَطت عنه أكفانُه، ويَرى عند ذلك خَلْقًا فظيعًا يَنسى به ما رأى قبل ذلك، فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: أنت. فيفزعان عندَ ذلك فزْعة، ويقبِضان، ويضربانِه ضربة بمطرقة الحديد، فلا يبقى منه عضو إلا وقَع على حِدَةٍ٦، فيصيحُ عند ذلك صيحة، فما خلَق الله من شيء مَلك أو غيره إلا يسمَعُها، إلا الجنَّ والإنس، فيلعَنونه عند ذلك لعنة واحدة، وهو قوله: ﴿أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ [البقرة:١٥٩]. والذي نفسُ محمد بيده، لو اجتمَع على مِطرقتِهما الجنُّ والإنسُ ما أقلُّوها، وهي عليهما يسير، ثم يقولان: عُدْ بإذن الله. فإذا هو مستوٍ قاعدًا، فيقولان: مَن ربُّك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: مَن نبيك؟ فيقول: سمعتُ الناس يقولون: محمد. فيقولان: فما تقولُ أنت؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: لا دَرَيتَ. ويعرَقُ عندَ ذلك عرقًا يبتلُّ ما تحتَه من التراب، فلَهو أنتنُ مِن الجيفة فيكم، ويضيقُ عليه قبرُه حتى تختلفَ أضلاعُه، فيقولان له: نَمْ نومةَ المُسْهَرِ. فلا يزالُ حيّات وعقارب أمثالُ أنياب البُخْت من النار ينهَشْنَه، ثم يُفتحُ له بابُه، فيَرى مقعدَه من النار، وتهُبُّ عليه أرواحُها وسَمومُها، وتلفَحُ وجهَه النار غُدُوًّا وعَشيًّا إلى يوم القيامة»٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق مقسم- قال: آيتان يُبَشَّرُ بهما الكافرُ عندَ موته: ﴿ولو ترى إذ الظالمون﴾ إلى قوله: ﴿تستكبرون﴾١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿غمرات الموت﴾، قال: سَكَرات الموت١
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- قال في قوله: ﴿في غمرات الموت﴾: يعني: سَكَرات الموت١
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿ولو ترى إذ الظالمون﴾ يعني: مشركي مكة ﴿في غمرات الموت﴾ يعني: في سكرات الموت إذ قُتِلوا ببدر١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿والملائكة باسطوا أيديهم﴾، قال: هذا عند الموت، والبسطُ: الضرب، يضرِبون وجوهَهم وأدبارَهم١
عن عبد الله بن عباس: ﴿والملائكة باسطوا أيديهم﴾، قال: مَلَك الموت عليه السلام١
عن أبي أمامة -من طريق بعض الكوفيين، عمَّن حدَّثه- قال: هذا عند الموت، يقبضون روح الكافر، ويَعِدونه بالنار، ويُشَدَّد عليه، وإن رأيتم أنه يُهوَّن عليه، ويقبضون روح المؤمن، ويعدونه بالجنة، ويهوَّن عليه، وإن رأيتم أنه يُشَدَّد عليه١
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جويبر- في قوله: ﴿والملائكة باسطوا أيديهم﴾، قال: بالعذاب١
عن أبي صالح باذام -من طريق إسماعيل بن أبي خالد-: ﴿والملائكة باسطو أيديهم﴾ بالعذاب١
عن وهب بن منبه -من طريق عبد الصمد- قال: إنّ الملائكة الذين يُقرَنون بالناس هم الذين يتوفَّونَهم، ويكتُبون لهم آجالَهم، فإذا كان يومُ كذا وكذا توفَّته. ثم نزَع: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾. فقيل لوهب: أليس قد قال الله: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ [السجدة:١١]؟ قال: نعم، إنّ الملائكة إذا تَوفَّوا نفسًا دفَعوها إلى ملك الموت، وهو كالعاقب. يعني: العَشّارَ١ الذي يؤدِّي إليه مَن تحتَه٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿والملائكة باسطو أيديهم﴾ يضربونهم١
عن محمد بن قيس -من طريق أبي معشر- قال: إنّ لِمَلك الموت أعوانًا من الملائكة. ثم تلا هذه الآية: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم﴾١