تفسير
٢٩ قولًاعن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قوله: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما﴾، ثم قال: ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا﴾ [الكهف:٥٣]، وقال: ﴿سمعوا لها تغيظا وزفيرا﴾ [الفرقان:١٢]، وقال: ﴿دعوا هنالك ثبورا﴾ [الفرقان:١٣]، أما قوله: ﴿عميا﴾ فلا يروْن شيئًا يَسرُّهم. وقوله: ﴿بكما﴾ لا ينطقون بحجة. وقوله: ﴿صما﴾ لا يَسمعون شيئًا يَسُرُّهم١
قال الحسن البصري: هذا حين تتوفاهم الملائكة، وحين يُساقُون إلى الموقف عمي العيون وزرقها، مسودة الوجوه إلى أن يدخلوا النار١
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿وبكما﴾، قال: الخُرْسُ١
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿عميا وبكما وصما﴾، وذلك إذا قيل لهم: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فصاروا فيها عميًا لا يبصرون أبدًا، وصمًا لا يسمعون أبدًا١
قال يحيى بن سلّام: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا﴾ إما عميا: فعموا في النار حين دخلوها فلم يبصروا فيها شيئًا، وهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها، ﴿وبكما﴾: خُرْسًا، انقطع كلامهم حين قال: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون:١٠٨]، ﴿وصما﴾: ذهب الزفير والشهيق بسمعهم، فلا يسمعون معه شيئًا. وقال في آية أخرى: ﴿وهم فيها لا يسمعون﴾ [الأنبياء:١٠٠]١٢
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تَغْبِطَنَّ فاجرًا بنعمةٍ؛ فإنّ مِن ورائه طالبًا حثيثًا». وقرأ رسول الله ﷺ: ﴿مَّأواهُم جهنَّم كلَّما خَبَتْ زدناهم سعيرًا﴾١
عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «الدنيا خَضِرةٌ حُلوةٌ، مَن اكتسب فيها مالًا من غير حِلِّه، وأنفَقه في غير حقِّه؛ أحلَّه دار الهوان، ورُبَّ متخوِّضٍ في مالِ الله ورسوله له النارُ يوم القيامة، يقول الله: ﴿كلَّما خَبَتْ زدناهُم سعيرًا﴾»١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿مأواهم جهنم﴾، يعني: أنهم وقودُها١
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿مأواهم﴾ يعني: مصيرهم ﴿جهنم﴾١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿كلما خَبتْ﴾، قال: سَكَنَتْ١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿كُلما خبت زدناهُم سعيرًا﴾، قال: كلما أحرقتْهم سعَّرتهم حطبًا، فإذا أحرَقتْهم فلم تُبقِ منهم شيئًا صارت جمرًا تتوهَّجُ، فذلك خَبْؤُها، فإذا بُدِّلوا خلقًا جديدًا عاودتْهم١
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿كُلَّما خَبَتْ﴾. قال: الخَبوُ: الذي يُطْفَأُ مرةً، ويَستعِرُ أخرى. قال: وهل تعرِفُ العربُ ذلك؟ قال: نعم، أما سمِعتَ الشاعرَ وهو يقولُ: وتخْبو النارُ عن أدْنى أذاهم وأضرِمُها إذا ابْتردوا سعيرا؟١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿كُلَّما خَبَتْ زدناهُم سعيرًا﴾، قال: كلَّما طُفِئت أُسْعِرَت وأُوقِدَتْ١
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جُوَيْبِر- ﴿كلما خبت﴾، قال: سَكَنَتْ١
عن أبي صالح باذام، في قوله: ﴿كُلَّما خَبَتْ﴾، قال: معناه: كُلَّما حَمِيَتْ١
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿كلما خبت زدناهم سعيرا﴾، قال: كلَّما لان منها شيء١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿كُلَّما خَبَتْ زدناهُم سعيرًا﴾، يقول: كلَّما احترقت جُلودُهم بُدِّلوا جلودًا غيرَها؛ ليذوقُوا العذابَ١
قال مقاتل بن سليمان: قوله سبحانه: ﴿كلما خبت﴾ وذلك إذا أكلتهم النار، فلم يبق منهم غير العظام، وصاروا فحمًا، سكنت النار، هو الخبت؛ ﴿زِدناهُم سعيرًا﴾ وذلك أنّ النار إذا أكلتهم بُدِّلوا جلودًا غيرها جددًا في النار، فتسعر عليهم، فذلك قوله سبحانه: ﴿زدناهم سعيرا﴾ يعني: وقودًا، فهذا أمرهم أبدًا١
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿كلما خبت﴾، وخُبوّها: أنها تأكل كل شيء؛ الجلد، والعظم، والشعر، والبشر، والأحشاء، حتى تهجم على الفؤاد، فلا يريد الله أن تأكل أفئدتهم، فإذا انتهت إلى الفؤاد خبت؛ سكنت، فلم تشعر بهم، وتركت فؤاده تصيح١، ثم يُجَدد خَلْقهم، فيعود فتأكلهم، فلا يزالون كذلك، وهو قوله: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها﴾ [النساء:٥٦]٢٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومن يهد الله﴾ لدينه ﴿فهو المهتد ومن يضلل﴾ عن دينه ﴿فلن تجد لهم أولياء من دونه﴾ يعني: أصحابًا من دون الله يهدونهم إلى الإسلام مِن الضلالة١
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿ومن يهد الله فهو المهتد﴾ ولا يستطيع أحد أن يُضِلَّه، ﴿ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه﴾، يمنعونهم من عذاب الله١
عن أبي ذرٍّ، أنّه تلا هذه الآية: ﴿ونحْشُرُهُم يَوْمَ القيامَةِ عَلى وُجُوههمْ عُميًا وبُكمًا وصُمًا﴾. فقال: حدَّثني الصادقُ المصدوقُ ﷺ: «إنّ الناسَ يُحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواجٍ: فوجٍ طاعمِين كاسِين راكبين، وفوجٍ يمشُون ويَسْعَوْن، وفوجٍ تسحبُهم الملائكةُ على وجوههم»١
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «يُحشرُ الناسُ يومَ القيامةِ على ثلاثة أصنافٍ: صِنفٌ مشاةً، وصِنفٌ ركبانًا، وصِنف على وجوههم». قيل: يا رسول الله، وكيف يمشُون على وجوههم؟ قال: «إنّ الذي أمشاهم على أقدامِهم قادرٌ أن يُمشِيَهم على وجوهِهم، أما إنهم يتَّقُون بوجوههم كلَّ حَدَبٍ١ وشَوكٍ»٢
عن معاويةَ بن حيدةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّكم تُحشَرون رجالًا وركبانًا، وتُجَرُّون على وجوهِكم هاهنا». ونحا بيده نحو الشام١
عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك أنّ رجلًا قال: يا نبيَّ الله، يُحْشَر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة». قال قتادة: بلى، وعِزَّة ربنا١
عن الحسن البصري، قال: قرأ رسولُ الله ﷺ هذه الآية: ﴿الَّذين يُحشرونَ على وُجُوههم إلى جهنَّمَ﴾ الآية [الفرقان:٣٤]، فقالوا: يا نبي الله، كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «أرأيت الذي أمشاهم على أقدامهم، أليس قادرًا على أن يُمِشيَهم على وجوههم؟»١
عن أبي هريرة -من طريق حميد بن مالك بن الخثيم- قال: إذا بنيت الجبّانة فاخرج إلى أرض المحشر والمنشر، فإن الناس يحشرون ثلاث أمم: أمة على وجوههم، وأمة على أقدامهم، وأمة على الإبل١
عن ذكوان [أبي صالح السمان] -من طريق الأعمش- قال: بلغني: أنّ الناس يحشرون يوم القيامة هكذا. ووضع رأسه، ووضع يده اليمني على كوع اليسرى، ونحى شيئًا١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ونحشرهم يوم القيامة﴾ بعد الحساب ﴿على وجوههم﴾، قالوا للنبي ﷺ: كيف يمشون على وجوههم؟ قال لهم النبي ﷺ: «مَن أمشاهم على أقدامهم؟». قالوا: الله أمشاهم. قال النبي ﷺ: «فإن الذي أمشاهم على أقدامهم هو الذي يمشيهم على وجوههم»١