عن زيد بن أسلم -من طريق محمد بن إسحاق- قال: مَرَّ شَأْس بن قيس -وكان شيخًا قد عَسا١ في الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الضِّغْنِ على المسلمين، شديد الحسد لهم- على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قَيْلَة٢ بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر فتى شابًّا معه من يهود، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم ذَكِّرهم يوم بُعاث وما كان قبله، وأنشِدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار. وكان يوم بُعاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظَّفَر فيه للأوس على الخزرج، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا، وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحَيَّيْن على الرُّكَب؛ أوس بن قَيْظِيّ أحد بني حارثة من الأوس، وجَبّار بن صخر أحد بني سَلِمة من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم -واللهِ- رددناها الآن جَذَعَة٣. وغضب الفريقان جميعًا، وقالوا: قد فعلنا، السلاحَ السلاحَ، موعدكم الظاهرة. والظاهرة: الحَرَّة، فخرجوا إليها، وانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال: «يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألَّف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا؟!». فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوه لهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا، وعانق الرجال بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شَأْس، وأنزل الله في شأن شَأْس بن قيس وما صنع: ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون﴾ إلى قوله: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾، وأنزل في أوْس بن قَيْظِيٍّ وجَبّار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾ إلى قوله: ﴿وأولئك لهم عذاب عظيم﴾٤٥
٢
قال مقاتل بن سليمان: نزلت في حذيفة وعمار بن ياسر حين دعوهما إلى دينهم، فقالوا لهما: ديننا أفضل من دينكم، ونحن أهدى منكم سبيلًا. فقال عز وجل: ﴿لم تصدون عن سبيل الله﴾١
٣
عن عباد بن منصور، قال: سألت الحسن البصري عن قوله: ﴿والله شهيد على ما تعملون﴾. قال: هم اليهود والنصارى١
تفسير
٣ أقوال
١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله﴾: أما آيات الله فمحمد ﷺ١٢
٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله﴾، يقول: لِمَ تكفرون بالحج١
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله﴾ يعني: بالقرآن، ﴿والله شهيد على ما تعملون﴾١