سورة الأعراف | الآية ١٣٨

عرض السورة
التَّفسير

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير النسائي
النسائي
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
وَفِي قَوْلِهِ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَا يَقْلِبُ عَيْنًا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّخَيُّلِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ أَيْ أَرْهَبُوهُمْ وَاسْتَفْعَلَ هُنَا بِمَعْنَى أَفْعَلَ كَأَبَلَّ وَاسْتَبَلَّ وَالرَّهْبَةُ الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَأَرْهَبُوهُمْ إِرْهَابًا شَدِيدًا كَأَنَّهُمُ اسْتَدْعَوْا رَهْبَتَهُمُ انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ بِمَعْنَى وَأَرْهَبُوهُمْ فَكَانَ فِعْلُهُمُ اقْتَضَى وَاسْتَدَعَى الرَّهْبَةَ مِنَ النَّاسِ انْتَهَى وَلَا يَظْهَرُ مَا قَالَا لِأَنَّ الِاسْتِدْعَاءَ وَالطَّلَبَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُقُوعُ الْمُسْتَدْعَى وَالْمَطْلُوبِ وَالظَّاهِرُ هُنَا حُصُولُ الرَّهْبَةِ فَلِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّ اسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوَافِقُ أَفْعَلَ وَصَرَّحَ أَبُو الْبَقَاءِ بِأَنَّ مَعْنَى اسْتَرْهَبُوهُمْ طَلَبُوا مِنْهُمُ الرَّهْبَةَ وَوَصَفَ السِّحْرَ بِعَظِيمٍ لِقُوَّةِ مَا خُيِّلَ أَوْ لِكَثْرَةِ آلَاتِهِ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ
رُوِيَ أَنَّهُمْ جاؤوا بِحِبَالٍ مَنْ أَدَمٍ وَأَخْشَابٍ مجوفة مملوءة زيبقا وَأَوْقَدُوا فِي الْوَادِي نَارًا فَحَمِيَتْ بِالنَّارِ مِنْ تَحْتٍ وَبِالشَّمْسِ مِنْ فَوْقٍ فَتَحَرَّكَتْ وَرَكِبَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَهَذَا مِنْ بَابِ الشَّعْبَذَةِ وَالدَّكِّ
وَرُوِيَ غَيْرُ هَذَا مِنْ حِيَلِهِمْ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ قَالَ أَلْقُوا فَأَلْقَوْا فَلَمَّا أَلْقَوْا وَالْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ، وَقَالَ الْحَوْفِيُّ الْفَاءُ جَوَابُ الْأَمْرِ انْتَهَى، وَهُوَ لَا يُعْقَلُ مَا قَالَ وَنَقُولُ وُصِفَ بِعَظِيمٍ لِمَا ظَهَرَ مِنْ تَأْثِيرِهِ فِي الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي هِيَ الْأَعْيُنُ بِمَا لَحِقَهَا مِنْ تَخْيِيلِ الْعِصِيِّ وَالْحِبَالِ حَيَّاتٌ وَفِي الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي هِيَ الْقُلُوبُ بِمَا لَحِقَهَا مِنَ الْفَزَعِ وَالْخَوْفِ. وَلَمَّا كَانَتِ الرَّهْبَةُ نَاشِئَةً عَنْ رُؤْيَةِ الْأَعْيُنِ تَأَخَّرَتِ الْجُمْلَةُ الدَّالَّةُ عَلَيْهَا.

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١٧ الى ١٣٩]

وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١)
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)
وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦)
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)
— 136 —
لَقِفَ الشَّيْءَ لَقْفًا وَلَقَفَانًا أَخَذَهُ بِسُرْعَةٍ فَأَكَلَهُ أَوِ ابْتَلَعَهُ وَرَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ سَرِيعُ الْأَخْذِ وَلَقِيفٌ ثَقِيفٌ بَيِّنُ الثَّقَافَةِ وَاللَّقَافَةِ وَلَقِمَ وَلَهِمَ وَلَقِفَ بِمَعْنًى وَمِنْهُ التقفته وتلقفته تلقيفا. مَهْمَا اسْمٌ خِلَافًا لِلسُّهَيْلِيِّ إِذْ زَعَمَ أَنَّهَا قَدْ تَأْتِي حَرْفًا وَهِيَ أَدَاةُ شَرْطٍ وَنَدَرَ الِاسْتِفْهَامُ بِهَا فِي قَوْلِهِ:
مَهْمَا لِيَ الليلة مهماليهأَوْدَى بِنَعْلَيَّ وَسِرْبَالِيَهْ
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا إِذَا كَانَتِ اسْمَ شَرْطٍ قَدْ تَأْتِي ظَرْفَ زَمَانٍ وَفِي بَسَاطَتِهَا وتركيبها من ماما أَوْ مِنْ مَهْ مَا خِلَافٌ ذُكِرَ فِي النَّحْوِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَمَاوِيُّ مَهْ مَنْ يَسْتَمِعْ فِي صَدِيقِهِأَقَاوِيلَ هَذَا النَّاسِ مَاوِيُّ يَنْدَمِ
— 137 —
عَلَى أَنَّهُ لَا تَرْكِيبَ فِيهَا بَلْ مَهْ بِمَعْنَى اكْفُفْ وَمَنْ هِيَ اسْمُ الشَّرْطِ، الْجَرَادُ مَعْرُوفٌ وَاحِدُهُ جَرَادَةٌ بِالتَّاءِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَيُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا الْوَصْفُ وَذَكَرَ التَّصْرِيفِيُّونَ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَرَادِ قَالُوا وَالِاشْتِقَاقُ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ قَلِيلٌ جِدًّا. الْقُمَّلُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ الْحَمْنَانُ وَاحِدُهُ حَمْنَانَةٌ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْقِرْدَانِ وَسَتَأْتِي أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ فِيهِ. الضِّفْدَعُ هُوَ الْحَيَوَانُ الْمَعْرُوفُ وَتُكْسَرُ دَالَهُ وَتُفْتَحُ وَهُوَ مُؤَنَّثٌ وَشَذَّ جَمْعُهُمْ لَهُ بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ قَالُوا: ضِفْدَعَاتٌ.
النَّكْثُ النَّقْضُ. الْيَمُّ الْبَحْرُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
داوية وَدُجَى لَيْلٍ كَأَنَّهُمَايَمٌّ تَرَاطَنَ فِي حَافَاتِهِ الرُّومُ
وَتَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَادَّةُ فِي فَتَيَمَّمُوا إِلَّا أَنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ قَالَ: الْيَمُّ الْبَحْرُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. وَقِيلَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ. التَّدْمِيرُ الْإِهْلَاكُ وَإِخْرَابُ الْبِنَاءِ. التَّتْبِيرُ الْإِهْلَاكُ وَمِنْهُ التِّبْرُ لِتَهَالُكِ النَّاسِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْكِرْمَانِيُّ: التَّتْبِيرُ الْإِهْلَاكُ وَسُوءُ الْعُقْبَى وَأَصْلُهُ الْكَسْرُ وَمِنْهُ تِبْرُ الذَّهَبِ لِأَنَّهُ كِسَارُهُ.
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ. الظَّاهِرُ أَنَّهُ وَحْيُ إِعْلَامٍ كَمَا
رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَاهُ وَقَالَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ يَأْمُرُكَ أَنْ تُلْقِيَ عَصَاكَ
وَكَوْنُهُ وَحْيَ إِعْلَامٍ فِيهِ تَثْبِيتٌ لِلْجَأْشِ وَتَبْشِيرٌ بِالنَّصْرِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ وَحْيُ إِلْهَامٍ أُلْقِيَ ذَلِكَ فِي رُوعِهِ وَأَنْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُفَسِّرَةَ وَأَنْ تَكُونَ النَّاصِبَةَ أَيْ بِأَنْ أَلْقِ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ قَبْلَ الْجُمْلَةِ الْفُجَائِيَّةِ أَيْ فَأَلْقَاهَا فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ الْفُجَائِيَّةُ إِخْبَارًا بِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الْإِلْقَاءِ وَلَا يَكُونُ مُوحًى بِهَا فِي الذِّكْرِ وَمَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْفَاءَ فِي نَحْوِ خَرَجْتُ فَإِذَا الْأَسَدُ زَائِدَةٌ يُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُوحًى بِهَا فِي الذِّكْرِ إِلَّا أَنَّهُ يُقَدَّرُ الْمَحْذُوفُ بَعْدَهَا أَيْ فَأَلْقَاهَا فَلَقِفَتْهُ، وَقَرَأَ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِسُكُونِ اللَّامِ مِنْ لَقِفَ، وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ تَلْقَفُ مُضَارِعُ لَقَّفَ حُذِفَتْ إِحْدَى تَاءَيْهِ إِذِ الْأَصْلُ تَتَلَقَّفُ، وَقَرَأَ الْبَزِّيُّ بِإِدْغَامِ تَاءِ الْمُضَارِعَةِ فِي التَّاءِ فِي الْأَصْلِ، وَقَرَأَ ابْنُ جُبَيْرٍ تَلْقَمُ بِالْمِيمِ أَيْ تَبْلَعُ كَاللُّقْمَةِ وَمَا مَوْصُولَةٌ أَيْ مَا يَأْفِكُونَهُ أَيْ يَقْلِبُونَهُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ وَيُزَوِّرُونَهُ قَالُوا أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ تَلْقَفُ إِفْكَهُمْ تَسْمِيَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ.
رُوِيَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا كان يوم الجمع خَرَجَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصَاهُ وَيَدُهُ فِي يَدِ أَخِيهِ وَقَدْ صُفَّ لَهُ السَّحَرَةُ فِي عَدَدٍ عَظِيمٍ فَلَمَّا أَلْقَوْا وَاسْتَرْهَبُوا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فَأَلْقَى فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ عَظِيمٌ حَتَّى كَانَ كَالْجَبَلِ
، وَقِيلَ: طَالَ حَتَّى جَازَ النِّيلَ، وَقِيلَ:
طَالَ حَتَّى جَازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ الْقُلْزُمِ، وَقِيلَ كَانَ الْجَمْعُ بِإِسْكِنْدِرِيَّةَ وَطَالَ حَتَّى جَازَ مَدِينَةَ
— 138 —
الْبُحَيْرَةِ،
وَرُوِيَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا يَرْقَوْنَ وَحِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ تَعْظُمُ وَعَصَا مُوسَى تَعْظُمُ حَتَّى سَدَّتِ الْأُفُقَ وَابْتَلَعَتِ الْكُلَّ وَرَجَعَتْ بَعْدُ عَصًا وَأَعْدَمَ اللَّهُ الْعِصِيَّ وَالْحِبَالَ وَمَدَّ مُوسَى يَدَهُ فِي الثُّعْبَانِ فَعَادَ عَصًا كَمَا كَانَ فَعَلِمَ السَّحَرَةُ حِينَئِذٍ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ عِنْدِ الْبَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَعْدَمَ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ تِلْكَ الْأَجْرَامَ الْعَظِيمَةَ أَوْ فَرَّقَهَا أَجْزَاءً لَطِيفَةً وَقَالَتِ السَّحَرَةُ لَوْ كَانَ هَذَا سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبَالُنَا وَعِصِيُّنَا.
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ ظَهَرَ وَاسْتَبَانَ، وَقَالَ أَرْبَابُ الْمَعَانِي الْوُقُوعُ ظُهُورُ الشَّيْءِ بِوُجُودِهِ نَازِلًا إِلَى مُسْتَقَرِّهِ، قَالَ الْقَاضِي: فَوَقَعَ الْحَقُّ يُفِيدُ قُوَّةَ الظُّهُورِ وَالثُّبُوتِ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ فِيهِ الْبُطْلَانُ كَمَا لَا يَصِحُّ فِي الْوَاقِعِ أَنْ يَصِيرَ إِلَّا وَاقِعًا وَمَعَ ثبوت الحقّ بطلت وَزَالَتْ تِلْكَ الْأَعْيَانُ الَّتِي أَتَوْا بِهَا وَهِيَ الْحِبَالُ وَالْعِصِيُّ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمِنْ بِدَعِ التَّفَاسِيرِ فَوَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ أَيْ فَأَثَّرَ فِيهَا مِنْ قَوْلِهِمْ فَأْسٌ وَقِيعٌ أي مجرد انتهى، وما كانُوا يَعْمَلُونَ يَعُمُّ سِحْرَ السَّحَرَةِ وَسَعْيَ فِرْعَوْنَ وَشِيعَتِهِ.
فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ أَيْ غُلِبَ جَمِيعُهُمْ فِي مَكَانِ اجْتِمَاعِهِمْ أَوْ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَانْقَلَبُوا أَذِلَّاءَ وَذَلِكَ أَنَّ الِانْقِلَابَ إِنْ كَانَ قَبْلَ إِيمَانِ السَّحَرَةِ فَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ فِي ضَمِيرِ انْقَلَبُوا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِيمَانِ فَلَيْسُوا دَاخِلِينَ فِي الضَّمِيرِ وَلَا لِحَقَهُمْ صَغَارٌ يَصِفُهُمُ اللَّهُ بِهِ لِأَنَّهُمْ آمَنُوا وَاسْتَشْهَدُوا وَهَذَا إِذَا كَانَ الِانْقِلَابُ حَقِيقَةً أَمَّا إِذَا لُوحِظَ فِيهِ مَعْنَى الصَّيْرُورَةِ فَالضَّمِيرُ فِي وَانْقَلَبُوا شَامِلٌ لِلسَّحَرَةِ وَغَيْرِهِمْ وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ وَصَارُوا أَذِلَّاءَ مَبْهُوتِينَ.
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ لَمَّا كَانَ الضَّمِيرُ قَبْلُ مُشْتَرِكًا جُرِّدَ الْمُؤْمِنُونَ وَأُفْرِدُوا بِالذِّكْرِ وَالْمَعْنَى خَرُّوا سُجَّدًا كَأَنَّمَا أَلْقَاهُمْ مُلْقٍ لِشِدَّةِ خَرُورِهِمْ، وَقِيلَ: لَمْ يَتَمَالَكُوا مِمَّا رَأَوْا فَكَأَنَّهُمْ أَلْقَوْا وَسُجُودُهُمْ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى لَمَّا رَأَوْا مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَيَقَّنُوا نُبُوَّةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاسْتَعْظَمُوا هَذَا النَّوْعَ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: أَلْقَاهُمُ اللَّهُ سُجَّدًا سَبَّبَ لَهُمْ مِنَ الْهُدَى مَا وَقَعُوا بِهِ سَاجِدِينَ، وَقِيلَ سَجَدُوا مُوَافَقَةً لِمُوسَى وَهَارُونَ فَإِنَّهُمَا سَجَدَا لِلَّهِ شُكْرًا عَلَى وُقُوعِ الْحَقِّ فَوَافَقُوهُمَا إِذْ عَرَفُوا الْحَقَّ فَكَأَنَّمَا أَلْقَيَاهُمْ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَوَّلَ النَّهَارِ كُفَّارًا سَحَرَةً وَفِي آخِرِهِ شُهَدَاءَ بَرَرَةً، وَقَالَ الْحَسَنُ: تَرَاهُ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ وَنَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ يَبِيعُ دِينَهُ بِكَذَا وَكَذَا وهؤلاء كفار نشؤوا فِي الْكُفْرِ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى.
— 139 —
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ أَيْ سَاجِدِينَ قَائِلِينَ فَقَالُوا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي ساجِدِينَ أَوْ مِنَ السَّحَرَةِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَهُمْ مُلْتَبِسُونَ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ شُكْرًا عَلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْإِيمَانِ وَالْقَوْلِ الْمُنْبِئِ عَنِ التَّصْدِيقِ الَّذِي مَحَلُّهُ الْقُلُوبُ وَلَمَّا كَانَ السجود أعظم القرب إِذْ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ بَادَرُوا بِهِ مُتَلَبِّسِينَ بِالْقَوْلِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ عِنْدَ الْقَادِرِ عَلَيْهِ إِذِ الدُّخُولُ فِي الْإِيمَانِ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَقَالُوا رَبَّ الْعَالَمِينَ وِفَاقًا لِقَوْلِ مُوسَى إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَمَّا كَانَ قَدْ يُوهِمُ هَذَا اللَّفْظُ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى نَصُّوا بِالْبَدَلِ عَلَى أَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ وَأَنَّهُمْ فَارَقُوا فِرْعَوْنَ وَكَفَرُوا بِرُبُوبِيَّتِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ جَمِيعُ السَّحَرَةِ، وَقِيلَ:
بَلْ قَالَهُ رؤساؤهم وسمى بن إِسْحَاقَ مِنْهُمُ الرُّؤَسَاءَ فَقَالَ هُمْ سَابُورُ وَعَازُورُ وَخَطْخَطُ وَمُصَفَّى وَحَكَاهُ ابْنُ مَاكُولَا أَيْضًا، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَكْبُرُهُمْ شمعون وبدأوا بِمُوسَى قَبْلَ هَارُونَ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ سِنًّا مِنْ مُوسَى قِيلَ بِثَلَاثِ سِنِينَ لِأَنَّ مُوسَى هُوَ الَّذِي نَاظَرَ فِرْعَوْنَ وَظَهَرَتِ الْمُعْجِزَتَانِ فِي يَدِهِ وَعَصَاهُ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَهارُونَ فَاصِلَةٌ وَجَاءَ فِي طه بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى «١» لِأَنَّ مُوسَى فِيهَا فَاصِلَةٌ وَيُحْتَمَلُ وُقُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُرَتَّبًا مِنْ طَائِفَةٍ وَطَائِفَةٍ فَنَسَبَ فِعْلَ بَعْضٍ إِلَى الْمَجْمُوعِ فِي سُورَةٍ وَبَعْضٍ إِلَى الْمَجْمُوعِ فِي شورة أُخْرَى، قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى فَضِيلَةِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا كَامِلِينَ فِي عِلْمِ السِّحْرِ عَلِمُوا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى حَقٌّ خَارِجٌ عَنْ جِنْسِ السِّحْرِ وَلَوْلَا الْعِلْمُ لَتَوَهَّمُوا أَنَّهُ سِحْرٌ وَأَنَّهُ أَسْحَرُ مِنْهُمْ.
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ قَرَأَ حَفْصٌ آمَنْتُمْ عَلَى الْخَبَرِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ أَيْ فَعَلْتُمْ هَذَا الْفِعْلَ الشَّنِيعَ وَبَّخَهُمْ بِذَلِكَ وَقَرَّعَهُمْ، وَقَرَأَ العربين وَنَافِعٌ وَالْبَزِّيُّ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهَامٍ وَمَدَّةٍ بَعْدَهَا مُطَوَّلَةٍ فِي تَقْدِيرِ أَلِفَيْنِ إِلَّا وَرْشًا فَإِنَّهُ يُسَهِّلُ الثَّانِيَةَ وَلَمْ يُدْخِلْ أَحَدٌ أَلِفًا بَيْنَ الْمُحَقَّقَةِ وَالْمُلَيَّنَةِ وَكَذَلِكَ فِي طه وَالشُّعَرَاءِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ فِيهِنَّ بِالِاسْتِفْهَامِ وَحَقَّقَا الْهَمْزَةَ وَبَعْدَهَا أَلِفٌ وَقَرَأَ قُنْبُلٌ هُنَا بِإِبْدَالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَاوًا الضمة نُونِ فِرْعَوْنَ وَتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا أَوْ تَسْهِيلِهَا أَوْ إِبْدَالِهَا أَوْ إِسْكَانِهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ وَقَرَأَ فِي طه مِثْلَ حَفْصٍ وَفِي الشُّعَرَاءِ مِثْلَ الْبَزِّيِّ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ وَالِاسْتِبْعَادُ وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِمْ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ، وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى مُوسَى وَفِي طه وَالشُّعَرَاءِ يَعُودُ فِي قَوْلِهِ لَهُ عَلَى مُوسَى لِقَوْلِهِ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ «٢»، وَقِيلَ آمَنْتُ بِهِ
(١) سورة طه: ٢٠/ ٧٠.
(٢) سورة طه: ٢٠/ ٧١ والشعراء: ٢٦/ ٤٩.
— 140 —
وَآمَنْتُ لَهُ وَاحِدٌ فِي قَوْلِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ دَلِيلٌ عَلَى وَهَنِ أَمْرِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ ذَنْبَهُمْ بِمُفَارَقَةِ الْإِذْنِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِشَرْطٍ.
إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها أَيْ صَنِيعُكُمْ هَذَا لِحِيلَةٌ احْتَلْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَمُوسَى فِي مِصْرَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجُوا مِنْهَا إِلَى هَذِهِ الصَّحْرَاءِ وَتَوَاطَأْتُمْ عَلَى ذَلِكَ لِغَرَضٍ لَكُمْ وَهُوَ أَنْ تُخْرِجُوا مِنْهَا الْقِبْطَ وَتُسْكِنُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ هَذَا تَمْوِيهًا عَلَى النَّاسِ لِئَلَّا يَتَّبِعُوا السَّحَرَةَ فِي الْإِيمَانِ
رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَّحَرَةِ شَمْعُونَ فَقَالَ لَهُ مُوسَى أَرَأَيْتَ إِنْ غَلَبْتُكُمْ أَتُؤْمِنُونَ بِي فَقَالَ لَهُ نَعَمْ فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ فَقَالَ مَا قَالَ
انْتَهَى، وَلَمَّا خَافَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَكُونَ إِيمَانُ السَّحَرَةِ حُجَّةَ قَوْمِهِ أَلْقَى فِي الْحَالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبَهِ أَحَدَهُمَا إِنَّ هَذَا تَوَاطُؤٌ مِنْهُمْ لَا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ وَالثَّانِي إِنَّ ذَلِكَ طَلَبٌ منهم للمك.
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ وَمَفْعُولُ تَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ أَيْ مَا يَحِلُّ بِكُمْ أُبْهِمَ فِي مُتَعَلِّقِ تَعْلَمُونَ ثُمَّ عَيَّنَ مَا يُفْعَلُ بِهِمْ فَقَالَ مُقْسِمًا: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ لَمَّا ظَهَرَتِ الْحُجَّةُ عَادَ إِلَى عَادَةِ مُلُوكِ السُّوءِ إِذَا غُلِبُوا مِنْ تَعْذِيبِ مَنْ نَاوَأَهُمْ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَمَعْنَى مِنْ خِلافٍ أَيْ يَدٌ يُمْنَى وَرِجْلٌ يُسْرَى وَالْعَكْسُ، قِيلَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، وَقِيلَ الْمَعْنَى مِنْ أَجْلِ الْخِلَافِ الَّذِي ظَهَرَ مِنْكُمْ وَالصَّلْبُ التَّعْلِيقُ عَلَى الْخَشَبِ وَهَذَا التَّوَعُّدُ الَّذِي تَوَعَّدَهُ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ أَنْفَذَهُ وَأَوْقَعَهُ بِهِمْ وَلَكِنْ رُوِيَ فِي الْقِصَصِ أَنَّهُ قَطَعَ بَعْضًا وَصَلَبَ بَعْضًا وَتَقَدَّمَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ أَصْبَحُوا سَحَرَةً وَأَمْسَوْا شُهَدَاءَ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَحُمَيْدٌ الْمَكِّيُّ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ لَأُقَطِّعَنَّ مُضَارِعُ قَطَعَ الثُّلَاثِيِّ ولَأُصَلِّبَنَّكُمْ مُضَارِعُ صَلَبَ الثُّلَاثِيِّ بِضَمِّ لَامِ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ وَرُوِيَ بِكَسْرِهَا وَجَاءَ هُنَا ثُمَّ وَفِي السُّورَتَيْنِ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ «١» بِالْوَاوِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ أُرِيدَ بِهَا مَعْنًى ثُمَّ مِنْ كَوْنِ الصَّلْبِ بَعْدَ الْقَطْعِ وَالتَّعْدِيَةُ قَدْ يَكُونُ مَعَهَا مُهْلَةٌ وَقَدْ لَا يَكُونُ.
قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ هَذَا تَسْلِيمٌ وَاتِّكَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَثِقَةٌ بِمَا عِنْدَهُ وَالْمَعْنَى إِنَّا نَرْجِعُ إِلَى ثَوَابِ رَبِّنَا يَوْمَ الْجَزَاءِ عَلَى مَا نَلْقَاهُ مِنَ الشَّدَائِدِ أَوْ إِنَّا نَنْقَلِبُ إِلَى لِقَاءِ رَبِّنَا وَرَحْمَتِهِ وَخَلَاصِنَا مِنْكَ وَمِنْ لِقَائِكَ أَوْ إِنَّا مَيِّتُونَ مُنْقَلِبُونَ إِلَى اللَّهِ فَلَا نُبَالِي بِالْمَوْتِ إِذْ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَفْعَلَ بِنَا إِلَّا مَا لَا بُدَّ لَنَا مِنْهُ فَالِانْقِلَابُ الْأَوَّلُ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ يوم الجزاء وهذان
(١) سورة طه: ٢٠/ ٧١ والشعراء: ٢٦/ ٤٩.
— 141 —
الِانْقِلَابَانِ الْمُرَادُ بِهِمَا فِي الدُّنْيَا وَيَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ وإِنَّا ضَمِيرُ أَنْفُسِهِمْ وَفِرْعَوْنَ أَيْ نَنْقَلِبُ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا فَيَحْكُمَ بَيْنَنَا لِقَوْلِهِ وَما تَنْقِمُ مِنَّا فَإِنَّ هَذَا الضَّمِيرَ يَخُصُّ مُؤْمِنِي السَّحَرَةِ وَالْأَوْلَى اتِّحَادُ الضَّمَائِرِ وَالَّذِي أَجَازَ هَذَا الْوَجْهَ هُوَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَفِي قَوْلِهِمْ إِلى رَبِّنا تَبَرُّؤٌ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمِنْ رُبُوبِيَّتِهِ وَفِي الشُّعَرَاءِ لَا ضَيْرَ لِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ اخْتُصِرَتْ فِيهَا الْقِصَّةُ وَاتَّسَعَتْ فِي الشُّعَرَاءِ ذُكِرَ فِيهَا أَحْوَالُ فِرْعَوْنَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَبَدَأَ بِقَوْلِهِ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً «١» وَخَتَمَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ «٢» فَوَقَعَ فِيهَا زَوَائِدُ لَمْ تَقَعْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَلَا فِي طه قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ.
وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا قَالَ الضَّحَّاكُ: وَمَا تَطْعَنُ عَلَيْنَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَمَا تَكْرَهُ مِنَّا، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَا تَعِيبُ مِنَّا، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَا تَعُدُّ عَلَيْنَا ذَنْبًا وَتُؤَاخِذُنَا بِهِ وَعَلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ يَكُونُ قَوْلُهُ إِلَّا أَنْ آمَنَّا فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ وَيَكُونَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُفَرَّغِ مِنَ الْمَفْعُولِ وَجَاءَ هَذَا التَّرْكِيبُ فِي القرآن كقوله قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا «٣» وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا «٤» وَهَذَا الْفِعْلُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يَتَعَدَّى بِعَلَى تَقُولُ نَقَمْتُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْقِمُ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَعْدِيَتِهِ بِمِنْ أَنَّ الْمَعْنَى وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا أَيْ مَا تَنَالُ مِنَّا كَقَوْلِهِ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ أَيْ يَنَالُهُ بِمَكْرُوهٍ وَيَكُونُ فَعَلَ وَافْتَعَلَ فِيهِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَقَدَرَ وَاقْتَدَرَ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ إِلَّا أَنْ آمَنَّا «٥» مُفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ وَاسْتِثْنَاءً مُفَرَّغًا أَيْ مَا تَنَالُ مِنَّا وَتُعَذِّبُنَا لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا لِأَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَدُلُّ تَفْسِيرُ عَطَاءٍ، قَالَ عَطَاءٌ: أَيْ مَا لَنَا عِنْدَكَ ذَنْبٌ تُعَذِّبُنَا عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّا آمَنَّا، وَالْآيَاتُ الْمُعْجِزَاتُ الَّتِي أَتَى بِهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ جَعَلَ لَمَّا ظَرْفًا جَعَلَ الْعَامِلَ فِيهَا أَنْ آمَنَّا وَمَنْ جَعَلَهَا حَرْفًا جَعَلَ جَوَابَهَا مَحْذُوفًا لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ أَيْ لَمَّا جَاءَتْنَا آمَنَّا وَفِي كَلَامِهِمْ هَذَا تَكْذِيبٌ لِفِرْعَوْنَ فِي ادِّعَائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ وَانْسِلَاخٌ مِنْهُمْ عَنِ اعْتِقَادِهِمْ ذَلِكَ فِيهِ وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ هُوَ أَصْلُ الْمَفَاخِرِ وَالْمَنَاقِبِ وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْبِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَأَبُو حَيْوَةَ وَأَبُو الْيُسْرِ هَاشِمٌ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَما تَنْقِمُ بِفَتْحِ الْقَافِ مُضَارِعُ نَقِمَ بِكَسْرِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ وَالْأَفْصَحُ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ.
رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ لَمَّا أَوْعَدَهُمْ بِالْقَطْعِ وَالصَّلْبِ سَأَلُوا اللَّهَ
(١) سورة الشعراء: ٢٦/ ١٨.
(٢) سورة الشعراء: ٢٦/ ٦٦.
(٣) سورة المائدة: ٥/ ٥٩.
(٤) سورة البروج: ٨٥/ ٨.
(٥) سورة المائدة: ٥/ ٥٩.
— 142 —
تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُمُ الصَّبْرَ عَلَى مَا يَحُلُّ بِهِمْ إِنْ حَلَّ وَلَيْسَ فِي هَذَا السُّؤَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ هَذَا الْمُوعَدِ بِهِمْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا فِي قَوْلِهِ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحُلَّ بِهِمُ الْمَوْعُودُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَكُونَ تَوَفِّيهِمْ مِنْ جِهَتِهِ لَا بِهَذَا الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى جُمْلَةِ رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً سَأَلُوا الْمَوْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَمَا أَمَرَ بِهِ.
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا آمَنَتِ السَّحَرَةُ اتَّبَعَ مُوسَى سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،
قَالَ مُقَاتِلٌ: وَمَكَثَ مُوسَى بِمِصْرَ بَعْدَ إِيمَانِ السَّحَرَةِ عَامًا أَوْ نَحْوَهُ يُرِيهِمُ الْآيَاتِ
وَتَضَمَّنُ قَوْلُ الْمَلَأُ إِغْرَاءَ فِرْعَوْنَ بِمُوسَى وَقَوْمِهِ وَتَحْرِيضَهُ عَلَى قَتْلِهِمْ وَتَعْذِيبِهِمْ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُمْ خُرُوجٌ عَنْ دِينِ فِرْعَوْنَ وَيَعْنِي بِقَوْمِهِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُ الِاسْتِفْهَامُ عَلَى هَذَا اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ وَتَعَجُّبٍ، وَقِيلَ: هُوَ اسْتِخْبَارٌ وَالْغَرَضُ بِهِ أَنْ يَعْلَمُوا مَا فِي قَلْبِ فِرْعَوْنَ مِنْ مُوسَى وَمَنْ آمَنَ بِهِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: وَالْإِفْسَادُ هُوَ خَوْفُ أَنْ يَقْتُلُوا أَبْنَاءَ الْقِبْطِ وَيَسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَاصَّةِ مِنْهُمْ كَمَا فَعَلُوا هُمْ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقِيلَ الْإِفْسَادُ دُعَاؤُهُمُ النَّاسَ إِلَى مُخَالَفَةِ فِرْعَوْنَ وَتَرْكِ عِبَادَتِهِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَيَذَرَكَ بِالْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ عَطْفًا عَلَى لِيُفْسِدُوا أَيْ لِلْإِفْسَادِ وَلِتَرْكِكَ وَتَرْكِ آلِهَتِكَ وَكَانَ التَّرْكُ هُوَ لِذَلِكَ وبدؤوا أَوَّلًا بِالْعِلَّةِ الْعَامَّةِ وَهِيَ الْإِفْسَادُ ثُمَّ اتَّبَعُوهُ بِالْخَاصَّةِ لِيَدُلُّوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ التَّرْكَ مِنْ فِرْعَوْنَ لِمُوسَى وقومه هو أيضا يؤول إِلَى شَيْءٍ يَخْتَصُّ بِفِرْعَوْنَ قَدَحُوا بِذَلِكَ زَنْدَ تَغَيُّظِهِ عَلَى مُوسَى وَقَوْمِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْقَى عَلَيْهِمْ إِذْ هُمُ الْأَشْرَافُ وَبِتَرْكِ مُوسَى وَقَوْمِهِ بِمِصْرَ يَذْهَبُ مُلْكُهُمْ وَشَرَفُهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النُّصْبُ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْمَعْنَى أَنَّى يَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِكَ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِلْإِفْسَادِ وَبَيْنَ تَرْكِهِمْ إِيَّاكَ وَعِبَادَةِ آلِهَتِكَ أَيْ إِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، وَقَرَأَ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَالْحَسَنُ بِخِلَافٍ عَنْهُ وَيَذَرَكَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى أَتَذَرُ بِمَعْنَى أَتَذَرُهُ وَيَذَرُكَ أَيْ أَتُطْلِقُ لَهُ ذَلِكَ أَوْ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ أَوْ عَلَى الْحَالِ عَلَى تَقْدِيرِ وَهُوَ يَذَرُكَ، وَقَرَأَ الْأَشْهَبُ الْعُقَيْلِيُّ وَالْحَسَنُ بِخِلَافٍ عَنْهُ وَيَذَرَكَ بِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى التَّوَهُّمِ كَأَنَّهُ تَوَهَّمَ النُّطْقَ يُفْسِدُوا جَزْمًا عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ كَمَا قَالَ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ «١» أَوْ عَلَى التَّخْفِيفِ مِنْ وَيَذَرَكَ، وَقَرَأَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَنَذَرُكَ بِالنُّونِ وَرَفْعِ الرَّاءِ تَوَعَّدُوهُ بِتَرْكِهِ وَتَرْكِ آلِهَتِهِ أَوْ عَلَى مَعْنَى الْإِخْبَارِ أي إنّ الأمر يؤول إِلَى هَذَا، وَقَرَأَ أُبَيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَقَدْ تَرَكُوكَ أَنْ يَعْبُدُوكَ وَآلِهَتَكَ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَقَدْ تركك وآلهتك.
(١) سورة المنافقين: ٦٣/ ١٠.
— 143 —
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَآلِهَتَكَ عَلَى الْجَمْعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ لَهُ آلِهَةٌ يَعْبُدُهَا، وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَعْبُدُ الْبَقَرَ، وَقِيلَ: كَانَ يَعْبُدُ حَجَرًا يُعَلِّقُهُ فِي صَدْرِهِ كَيَاقُوتَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَقِيلَ: الْإِضَافَةُ هِيَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ شَرَعَ لَهُمْ عِبَادَةَ آلِهَةٍ مِنْ بَقَرٍ وَأَصْنَامٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَجَعَلَ نَفْسَهُ الْإِلَهَ الْأَعْلَى فَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «١» إِنَّمَا هُوَ بِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سِوَاهُ مِنَ الْمَعْبُودَاتِ، قِيلَ: كَانُوا قِبْطًا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَسْتَجِيبُ دُعَاءَ مَنْ دَعَاهَا وَفِرْعَوْنُ كَانَ يَدَّعِي أَنَّ الشَّمْسَ اسْتَجَابَتْ لَهُ وَمَلَّكَتْهُ عَلَيْهِمْ،
وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ وَإِلَهَتَكَ
وَفَسَّرُوا ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ الْمَعْنَى وَعِبَادَتَكَ فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ مَصْدَرًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمَعْنَى وَمَعْبُودَكَ وَهِيَ الشَّمْسُ الَّتِي كَانَ يَعْبُدُهَا وَالشَّمْسُ تُسَمَّى إِلَهَةً عَلَمًا عَلَيْهَا مَمْنُوعَةَ الصَّرْفِ.
قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ وَإِنَّمَا لَمْ يُعَاجِلْ مُوسَى وَقَوْمَهُ بِالْقِتَالِ لِأَنَّهُ كَانَ مَلِيءٌ مِنْ مُوسَى رُعْبًا وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ سَنُعِيدُ عَلَيْهِمْ مَا كُنَّا فَعَلْنَا بِهِمْ قَبْلُ مِنْ قَتْلِ أَبْنَائِهِمْ لِيَقِلَّ رَهْطُهُ الَّذِينَ يَقَعُ الْإِفْسَادُ بِوَاسِطَتِهِمْ وَالْفَوْقِيَّةُ هُنَا بِالْمَنْزِلَةِ وَالتَّمَكُّنِ فِي الدنيا وقاهِرُونَ يَقْتَضِي تَحْقِيرَهُمْ أَيْ قَاهِرُونَ لهم قهرا قلّ مِنْ أَنْ نَهْتَمَّ بِهِ فَنَحْنُ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الْغَلَبَةِ أَوْ أَنَّ غَلَبَةَ مُوسَى لَا أَثَرَ لَهَا فِي مُلْكِنَا وَاسْتِيلَائِنَا وَلِئَلَّا يَتَوَهَّمُ الْعَامَّةُ أَنَّهُ الْمَوْلُودُ الَّذِي تَحَدَّثَ الْمُنَجِّمُونَ عَنْهُ وَالْكَهَنَةُ بِذَهَابِ مُلْكِنَا عَلَى يَدِهِ فَيُثَبِّطُهُمْ ذَلِكَ عَنْ طَاعَتِنَا وَيَدْعُوهُمْ إِلَى اتِّبَاعِهِ وَإِنَّهُ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ وَشَدَّدَ سَنُقَتِّلُ وَيُقَتِّلُونَ الْكُوفِيُّونَ وَالْعَرَبِيَّانِ وَخَفَّفَهُمَا نَافِعٌ وَخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ سَنُقَتِّلُ وَشَدَّدَ وَيُقَتِّلُونَ.
قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا لَمَّا تَوَعَّدَهُمْ فِرْعَوْنُ جَزِعُوا وَتَضَجَّرُوا فَسَكَّنَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَمَرَهُمْ بِالِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ وَبِالصَّبْرِ وَسَلَّاهُمْ وَوَعَدَهُمُ النَّصْرَ وَذَكَّرَهُمْ مَا وَعَدَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِهْلَاكِ الْقِبْطِ وَتَوْرِيثِهِمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ.
إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ. أَيْ أَرْضُ مِصْرَ وَأَلْ فِيهِ لِلْعَهْدِ وَهِيَ الْأَرْضَ الَّتِي كَانُوا فِيهَا، وَقِيلَ: الْأَرْضَ أَرْضُ الدُّنْيَا فَهِيَ عَلَى الْعُمُومِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَرْضُ الْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ «٢» وَتَعَدَّى اسْتَعِينُوا هُنَا بِالْبَاءِ وَفِي وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ «٣» بِنَفْسِهِ وَجَاءَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ.
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قِيلَ: النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، وَقِيلَ: الدَّارُ الْآخِرَةُ، وَقِيلَ: السَّعَادَةُ وَالشَّهَادَةُ، وَقِيلَ: الْجَنَّةُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْخَاتِمَةُ الْمَحْمُودَةُ لِلْمُتَّقِينَ منهم ومن القبط
(١) سورة النازعات: ٧٩/ ٢٤.
(٢) سورة الزمر: ٣٩/ ٧٤.
(٣) سورة الفاتحة: ١/ ٥.
— 144 —
وَإِنَّ الْمَشِيئَةَ مُتَنَاوِلَةٌ لَهُمْ انْتَهَى، وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ يُورِثُها بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ يُورِثُها بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَرُوِيَتْ عَنْ حَفْصٍ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيٌّ وَالْعاقِبَةُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى إِنَّ الْأَرْضَ وَفِي وَعْدِ مُوسَى تَبْشِيرٌ لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ وَحُسْنِ الْخَاتِمَةِ وَنَتِيجَةُ طَلَبِ الْإِعَانَةِ تَوْرِيثُ الْأَرْضِ لَهُمْ وَنَتِيجَةُ الصَّبْرِ الْعَاقِبَةُ الْمَحْمُودَةُ وَالنَّصْرُ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ فَلِذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ بِشَيْئَيْنِ يَنْتِجُ عَنْهُمَا شَيْئَانِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : لم أُخْلِيتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَنِ الْوَاوِ وَأُدْخِلَتْ عَلَى الَّذِي قَبْلَهَا؟ (قُلْتُ) : هِيَ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وَأَمَّا وَقالَ الْمَلَأُ فَمَعْطُوفَةٌ عَلَى مَا سَبَقَهَا مِنْ قَوْلِهِ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ انْتَهَى.
قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا أَيْ بِابْتِلَائِنَا بِذَبْحِ أَبْنَائِنَا مَخَافَةَ مَا كَانَ يَتَوَقَّعُ فِرْعَوْنُ مِنْ هَلَاكِ مُلْكِهِ عَلَى يَدِ الْمَوْلُودِ الَّذِي يُولَدُ مِنَّا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنْ قَبْلِ مَوْلِدِ مُوسَى إِلَى أَنِ اسْتَنْبَأَ وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا إِعَادَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَزَادَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَا كَانُوا يُسْتَعْبَدُونَ وَيُمْتَهَنُونَ فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَدَمِ وَالْمِهَنِ وَيُمَسُّونَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالَّذِي مِنْ بَعْدِ مَجِيئِهِ يَعْنُونَ بِهِ وَعِيدَ فِرْعَوْنَ وَسَائِرَ مَا كَانَ خِلَالَ تِلْكَ الْمُدَّةِ مِنَ الْإِخَافَةِ لَهُمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ قَبْلَ بَعْثِ مُوسَى إِلَيْهِمْ وَبَعْدَ بَعْثِهِ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا يَضْرِبُونَ لَهُ اللَّبِنَ وَيُعْطِيهِمُ التِّبْنَ فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى غَرَّمَهُمُ التِّبْنَ وَكَانَ النِّسَاءُ يَغْزِلْنَ لَهُ الْكَتَّانَ وَيَنْسِجْنَهُ، وَقَالَ جَرِيرٌ: اسْتَسْخَرَهُمْ مِنْ قَبْلِ إِتْيَانِ مُوسَى فِي أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى اسْتَسْخَرَهُمُ النَّهَارَ كُلَّهُ بِلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى مِنْ قَبْلِ بِالِاسْتِعْبَادِ وَقَتْلِ الْأَوْلَادِ وَمِنْ بَعْدِ بِالتَّهْدِيدِ وَالْإِبْعَادِ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَقِيلَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بِعَهْدِ اللَّهِ بِالْخَلَاصِ وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا بِهِ قَالُوهُ فِي مَعْرِضِ الشَّكْوَى مِنْ فِرْعَوْنَ وَاسْتِعَانَةً عَلَيْهِ بِمُوسَى، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: قَالُوا ذَلِكَ حِينَ اتَّبَعَهُمْ وَاضْطَرَّهُمْ إِلَى الْبَحْرِ فَضَاقَتْ صُدُورُهُمْ وَرَأَوْا بَحْرًا أَمَامَهُمْ وَعَدُوًّا كَثِيفًا وَرَاءَهُمْ لَمَّا أَسْرَى بِهِمْ مُوسَى حَتَّى هَجَمُوا عَلَى الْبَحْرِ الْتَفَتُوا فَإِذَا هُمْ بِرَهْجِ دَوَابِّ فِرْعَوْنَ فَقَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَقَالُوا هَذَا الْبَحْرُ أَمَامَنَا وَهَذَا فِرْعَوْنُ وَرَاءَنَا قَدْ رَهِقَنَا بِمَنْ مَعَهُ انْتَهَى.
وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ وَسِيَاقُ الْآيَاتِ يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ هَذِهِ وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهُوَ كَلَامٌ يَجْرِي عَلَى الْمَعْهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ اضْطِرَابِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ وَقِلَّةِ يَقِينِهِمْ وَصَبْرِهِمْ عَلَى الدِّينِ انْتَهَى، قِيلَ وَلَا يَدُلُّ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى كَرَاهَةِ مَجِيءِ مُوسَى لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَإِنَّمَا قَالُوهُ لِأَنَّهُ كَانَ وَعَدَهُمْ بِزَوَالِ الْمَضَارِّ فَظَنُّوا أَنَّهَا نُزُولٌ عَلَى الْفَوْرِ فَقَوْلُهُمْ ذَلِكَ اسْتِعْطَافٌ لَا نَفْرَةٌ.
— 145 —
قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ هَذَا رَجَاءٌ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمِثْلُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُقَوِّي قُلُوبَ أَتْبَاعِهِمْ فَيَصْبِرُونَ إِلَى وُقُوعِ مُتَعَلِّقِ الرَّجَاءِ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا الرَّجَاءِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الرَّجَاءَ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِحُصُولِ مُتَعَلِّقِهِ وَالْإِخْبَارُ بِأَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ إِنْ كَانَتْ فِي الْآخِرَةِ فَظَاهِرٌ جِدًّا عَدَمُ التَّنَافِي وَإِنْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا فَلَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِعَاقِبَةِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمَخْصُوصِينَ فَسَلَكَ مُوسَى طَرِيقَ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ وَسَاقَ الْكَلَامَ مَسَاقَ الرَّجَاءِ، وَقَالَ التِّبْرِيزِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْحَى بِذَلِكَ إِلَى مُوسَى فَعَسَى لِلتَّحْقِيقِ أَوْ لَمْ يُوحِ فَيَكُونُ عَلَى التَّرَجِّي مِنْهُ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصْرِيحٌ بِمَا رَمَزَ إِلَيْهِ مِنَ الْبِشَارَةِ قَبْلُ وَكَشْفٌ عَنْهُ وَهُوَ إِهْلَاكُ فِرْعَوْنَ وَاسْتِخْلَافُهُمْ بَعْدَهُ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَاسْتِعْطَافُ مُوسَى لَهُمْ بِقَوْلِهِ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَوَعْدُهُ لَهُمْ بِالِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَدْعِي نُفُوسًا نَافِرَةً وَيُقَوِّي هَذَا الظَّنَّ فِي جِهَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَسُلُوكُهُمْ هَذَا السَّبِيلَ فِي غَيْرِ قِصَّةٍ وَالْأَرْضِ هُنَا أَرْضُ مِصْرَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ هَذَا الرَّجَاءِ بِوُقُوعِ مُتَعَلِّقِهِ فَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَمَلَّكَهُمْ مِصْرَ وَمَاتَ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ، وَقِيلَ: أَرْضُ الشَّامِ فَقَدْ فَتَحُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ وَمَلَكُوا الشَّامَ وَمَاتَ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانَ وَمَعْنَى فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ أَيْ فِي اسْتِخْلَافِكُمْ مِنَ الْإِصْلَاحِ وَالْإِفْسَادِ وَهِيَ جُمْلَةٌ تَجْرِي مَجْرَى الْبَعْثِ وَالتَّحْرِيضِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى
وَفِي الْحَدِيثِ «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ»
، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَيَرَى الْكَائِنَ مِنْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ حَسَنِهِ وَقَبِيحِهِ وَشُكْرِ النِّعْمَةِ وَكُفْرَانِهَا لِيُجَازِيَكُمْ عَلَى حَسَبِ مَا يُوجَدُ مِنْكُمْ انْتَهَى، وَفِيهِ تَلْوِيحُ الِاعْتِزَالِ وَدَخَلَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَهُوَ أَحَدُ كِبَارِ الْمُعْتَزِلَةِ وَزُهَّادِهِمْ عَلَى الْمَنْصُورِ ثَانِي خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ قَبْلَ الْخِلَافَةِ وَعَلَى مَائِدَتِهِ رَغِيفٌ أَوْ رَغِيفَانِ وطلب زيادة لعمر وفلم توجد فقرأ عمر وهذه الْآيَةَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا اسْتَخْلَفَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَ قَدْ بَقِيَ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ.
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ الْأَخْذُ التَّنَاوُلُ بِالْيَدِ وَمَعْنَاهُ هُنَا الِابْتِلَاءُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ أَقَامَ بَيْنَهُمْ مُوسَى يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَمَعْنَى بِالسِّنِينَ بِالْقُحُوطِ وَالْجُدُوبِ وَالسَّنَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْحَوْلِ وَتُطْلَقُ عَلَى الْجَدْبِ ضِدُّ الْخِصْبِ وَبِهَذَا الْمَعْنَى تَكُونُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْغَالِبَةِ كَالنَّجْمِ وَالدَّبَرَانِ وَقَدِ اشْتَقُّوا مِنْهَا بِهَذَا الْمَعْنَى فَقَالُوا أَسْنَتَ الْقَوْمُ إِذَا أَجْدَبُوا وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
وَرِجَالُ مكة مسنتوون عِجَافُ
— 146 —
وَقَالَ حَاتِمٌ:
فَإِنَّا نُهِينُ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ ضِنَّةٍولا يستكينا فِي السِّنِينَ ضَرِيرُهَا
وَفِي سِنِينَ لُغَتَانِ أَشْهُرُهُمَا إِعْرَابُهَا بِالْوَاوِ رَفْعًا وَالْيَاءِ جَرًّا وَنَصْبًا وَقَدْ تَكَلَّفَ النُّحَاةُ عِلَّةً لِكَوْنِهَا جُمِعَتْ هَذَا الْجَمْعَ وَالْأُخْرَى جَعْلُ الْإِعْرَابِ فِي النُّونِ وَالْتِزَامُ الْيَاءِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ نَقَلَهَا أَبُو زَيْدٍ وَالْفَرَّاءُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ فِي هَذِهِ اللُّغَةِ مَصْرُوفَةٌ عِنْدَ بَنِي وَغَيْرُ مَصْرُوفَةٍ عِنْدَ غَيْرِهِمْ وَالْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ أَمْعَنُ فِي كُتُبِ النَّحْوِ وَكَانَ هَذَا الْجَدَبُ سَبْعَ سِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: أَمَّا السُّنُونَ فَكَانَتْ لِبَادِيَتِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَأَمَّا نَقْصُ الثَّمَرَاتِ فَكَانَ فِي أَمْصَارِهِمْ وَهَذِهِ سِيرَةُ اللَّهِ فِي الْأُمَمِ يَبْتَلِيهَا بِالنِّقَمِ لِيَزْدَجِرُوا وَيَتَذَكَّرُوا بِذَلِكَ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ فَإِنَّ الشِّدَّةَ تَجْلِبُ الْإِنَابَةَ وَالْخَشْيَةَ وَرِقَّةَ الْقَلْبِ وَالرُّجُوعَ إِلَى طَلَبِ لُطْفِ اللَّهِ وَإِحْسَانِهِ وَكَذَا فَعَلَ بِقُرَيْشٍ حِينَ
دَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ
وَرُوِيَ أَنَّهُ يَبِسَ لَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى نِيلُ مِصْرَ وَنُقِصُوا مِنَ الثَّمَرَاتِ حَتَّى كَانَتِ النَّخْلَةُ تَحْمِلُ الثَّمَرَةَ الْوَاحِدَةَ
وَمَعْنَى لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ رَجَاءٌ لِتَذَكُّرِهُمْ وَتَنَبُّهِهِمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الِابْتِلَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ وَتَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَيَزْدَجِرُوا.
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ابْتُلُوا بِالْجَدْبِ وَنَقْصِ الثَّمَرَاتِ رَجَاءَ التَّذْكِيرِ فَلَمْ يَقَعِ الْمَرْجُوُّ وَصَارُوا إِذَا أَخْصَبُوا وَصَحُّوا قَالُوا:
نَحْنُ أَحِقَّاءُ بِذَلِكَ وَإِذَا أَصَابَهُمْ مَا يَسُوءُهُمْ تَشَاءَمُوا بِمُوسَى وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِهِ وَاللَّامُ فِي لَنا قِيلَ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا تَقُولُ السَّرْجُ لِلْفَرَسِ وَتَشَاؤُمُهُمْ بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْلَا كَوْنُهُمْ فِينَا لَمْ يُصِبْنَا كَمَا قَالَ الْكُفَّارُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ «١» وَأَتَى الشَّرْطُ بِإِذَا فِي مَجِيءِ الْحَسَنَةِ وَهِيَ لِمَا تَيَقَّنَ وُجُودُهُ لِأَنَّ إِحْسَانَ اللَّهِ هُوَ الْمَعْهُودُ الْوَاسِعُ الْعَامُّ لِخَلْقِهِ بِحَيْثُ إِنَّ إِحْسَانَهُ لِخَلْقِهِ عَامٌّ حَتَّى فِي حَالِ الِابْتِلَاءِ وَأَتَى الشَّرْطُ بِإِنْ فِي إِصَابَةِ السَّيِّئَةِ وَهِيَ لِلْمُمْكِنِ إِبْرَازًا أَنَّ إِصَابَةَ السَّيِّئَةِ مِمَّا قَدْ يَقَعُ وَقَدْ لَا يَقَعُ وَجْهُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : كَيْفَ قِيلَ فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ بِإِذَا وَتَعْرِيفِ الْحَسَنَةِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِإِنْ وَتَنْكِيرِ السَّيِّئَةِ (قُلْتُ) : لِأَنَّ جِنْسَ الْحَسَنَةِ وُقُوعُهُ كَالْوَاجِبِ لِكَثْرَتِهِ وَاتِّسَاعِهِ وَأَمَّا السَّيِّئَةُ فَلَا تَقَعُ إِلَّا فِي النُّدْرَةِ وَلَا يَقَعُ إِلَّا يَسِيرٌ مِنْهَا وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ وَقَدْ عَدَدْتَ أَيَّامَ الْبَلَاءِ فَهَلَّا عَدَدْتَ أيام الرجاء انْتَهَى، وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عَمْرٍو وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ تَطَيَّرُوا بِالتَّاءِ وَتَخْفِيفِ الطَّاءِ فِعْلًا ماضيا وهو جواب
(١) سورة النساء: ٤/ ٧٨.
— 147 —
وَإِنْ تُصِبْهُمْ وَهَذَا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ أَعْنِي أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الشَّرْطِ مُضَارِعًا وَفِعْلُ الْجَزَاءِ مَاضِيَ اللَّفْظِ نَحْوَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
من يكدني بسيىء كُنْتُ مِنْهُكَالشَّجَى بَيْنَ حَلْقِهِ وَالْوَرِيدِ
وَبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يُجَوِّزُهُ فِي الْكَلَامِ وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنْ مُجَاهِدًا قرأ تشاءموا مكان يَطَّيَّرُوا فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى التَّفْسِيرِ لَا عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخَالَفَتِهِ سَوَادَ الْمُصْحَفِ.
أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ طائِرُهُمْ مَا يُصِيبُهُمْ أَيْ مَا طَارَ لَهُمْ فِي الْقَدَرِ مِمَّا هُمْ لا قوه وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ زَجْرِ الطَّيْرِ سُمِّيَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْقَدَرِ لِلْإِنْسَانِ طَائِرًا لَمَّا كَانَ يُعْتَقَدُ أَنَّ كُلَّ مَا يُصِيبُهُ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ فِي الطَّائِرِ فَهِيَ لَفْظَةٌ مُسْتَعَارَةٌ قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ سَبَبُ خَيْرِهِمْ وَشَرِّهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ حُكْمُهُ وَمَشِيئَتُهُ وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَشَاءُ مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ وَلَيْسَ شُؤْمُ أَحَدِهِمْ وَلَا يُمْنُهُ بِسَبَبٍ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ «١» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَلَا إِنَّمَا سَبَبُ شُؤْمِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ عَمَلُهُمُ الْمَكْتُوبُ عِنْدَهُ يَجْرِي عَلَيْهِمْ مَا يَسُوءُهُمْ لِأَجْلِهِ وَيُعَاقَبُونَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ بِمَا وَعَدَهُمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها «٢» الْآيَةَ وَلَا طَائِرَ أَشْأَمُ مِنْ هَذَا، وَقَرَأَ الْحَسَنُ أَلَا إِنَّمَا طَيْرُهُمْ وَحَكَمَ بِنَفْيِ الْعِلْمِ عَنْ أَكْثَرِهِمْ لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُمْ عَلِمَ كَمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أن كَوْنَ الضَّمِيرِ فِي طائِرُهُمْ لِضَمِيرِ الْعَالَمِ وَيَجِيءُ تَخْصِيصُ الْأَكْثَرِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَيُحْتَمَلُ أن يريد وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَيْسَ قَرِيبًا أَنْ يُعْلَمَ لِانْغِمَارِهِمْ فِي الْجَهْلِ وَعَلَى هَذَا فِيهِمْ قَلِيلٌ مُعَدٌّ لِأَنْ يَعْلَمَ لَوْ وَفَّقَهُ اللَّهُ انْتَهَى، وَهُمَا احْتِمَالَانِ بَعِيدَانِ وَأَبْعَدُ مِنْهُ قَوْلُهُ وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ الْجَمْعُ وَتَجُوزُ فِي الْعِبَارَةِ.
وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ الضَّمِيرُ فِي وَقالُوا عَائِدٌ عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ لم يزدهم الأخذ بالجذوب وَنَقْصِ الثَّمَرَاتِ إِلَّا طُغْيَانًا وَتَشَدُّدًا فِي كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ وَلَمْ يَكْتَفُوا بِنِسْبَةِ مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى وَاجَهُوهُ بِهَذَا الْقَوْلِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِمَا أَتَى مِنَ الْآيَاتِ فَإِنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَأَتَوْا بِمَهْمَا الَّتِي تَقْتَضِي الْعُمُومَ ثُمَّ فَسَّرُوا بِآيَةٍ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ فِي تَسْمِيَتِهِمْ ذَلِكَ آيَةً كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ «٣» وتسميه لَهَا بِآيَةٍ أَيْ عَلَى زَعْمِكَ وَلِذَلِكَ عَلَّلُوا الْإِتْيَانَ بِقَوْلِهِمْ لِتَسْحَرَنا بِها وَبَالَغُوا فِي انْتِفَاءِ الْإِيمَانِ بِأَنْ
(١) سورة النساء: ٤/ ٧٨. [.....]
(٢) سورة غافر: ٤٠/ ٤٦.
(٣) سورة النساء: ٤/ ١٥٧.
— 148 —
صَدَّرُوا الْجُمْلَةَ بِنَحْنُ وَأَدْخَلُوا الْبَاءَ فِي بِمُؤْمِنِينَ أَيْ إِنَّ إِيمَانَنَا لَكَ لَا يَكُونُ أَبَدًا ومَهْما مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِدَاءِ أَوْ مُنْتَصِبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ فِعْلُ الشَّرْطِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يَحْضُرُ تَأْتِنَا بِهِ وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ عَائِدٌ عَلَى مَهْما وَفِي بِها عَائِدٌ أَيْضًا عَلَى مَعْنَى مَهْمَا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَيَّةُ آيَةٍ كَمَا عَادَ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها «١»، وَكَمَا قَالَ زُهَيْرٌ:
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍوَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ
فَأَنَّثَ عَلَى الْمَعْنَى، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي عِدَادِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي يُحَرِّفُهَا مَنْ لَا يَدَ لَهُ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ فَيَضَعُهَا غَيْرَ مَوْضِعِهَا وَيَحْسَبُ مَهْمَا بِمَعْنَى مَتَى مَا وَيَقُولُ مَهْمَا جِئْتَنِي أَعْطَيْتُكَ وَهَذَا مِنْ وَضْعِهِ وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ وَاضِعِ الْعَرَبِيَّةِ فِي شَيْءٍ ثُمَّ يَذْهَبُ فَيُفَسِّرُ مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ بِمَعْنَى الْوَقْتِ فَيُلْحِدُ فِي آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يُوجِبُ الْجُثُوَّ بَيْنَ يَدَيِ النَّاظِرِ فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ انْتَهَى، وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ أَنَّ مَهْمَا لَا تَأْتِي ظَرْفَ زَمَانٍ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ مَالِكٍ ذَكَرَهُ فِي التَّسْهِيلِ وَغَيْرِهِ مِنْ تَصَانِيفِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْصُرْ مَدْلُولُهَا عَلَى أَنَّهَا ظَرْفُ زَمَانٍ بَلْ قَالَ وَقَدْ تَرِدُ مَا وَمَهْمَا ظَرْفَيْ زَمَانٍ وَقَالَ فِي أُرْجُوزَتِهِ الطَّوِيلَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالشَّافِيَةِ الْكَافِيَةِ:
وَقَدْ أَتَتْ مَهْمَا وَمَا ظَرْفَيْنِ فِيشَوَاهِدَ مَنْ يَعْتَضِدْ بِهَا كُفِي
وَقَالَ فِي شَرْحِ هَذَا الْبَيْتِ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ يَجْعَلُونَ مَا وَمَهْمَا مِثْلَ مِنْ فِي لُزُومِ التَّجَرُّدِ عَنِ الظَّرْفِ مع أنّ استعمالها ظَرْفَيْنِ ثَابِتٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُصَحَاءِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا عَنِ الْعَرَبِ زَعَمَ مِنْهَا أَنَّ مَا وَمَهْمَا ظَرْفَا زَمَانٍ وَكَفَانَا الرَّدَّ عَلَيْهِ فِيهَا ابْنُهُ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ وَقَدْ تَأَوَّلْنَا نَحْنُ بَعْضَهَا وَذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ مِنْ تَأْلِيفِنَا وَكَفَاهُ رَدًّا نَقْلُهُ عَنْ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ خِلَافَ مَا قَالَهُ لَكِنَّ مَنْ يُعَانِي عِلْمًا يَحْتَاجُ إِلَى مُثُولِهِ بَيْنَ يَدَيِ الشُّيُوخِ وَأَمَّا مَنْ فَسَّرَ مَهْما فِي الْآيَةِ بِأَنَّهَا ظَرْفُ زَمَانٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مُلْحِدٌ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَأَمَّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ إِلَى آخَرِ كَلَامِهِ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَثَا بَيْنَ يَدَيِ النَّاظِرِ فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ رَحَلَ مِنْ خُوَارَزْمَ فِي شَيْبَتِهِ إِلَى مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِقِرَاءَةِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ كَانَ مُجَاوِرًا بِمَكَّةَ وَهُوَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُشَاوِرُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْدَلُسِيُّ مِنْ أَهْلِ بَابَرَةَ مِنْ بِلَادِ جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ جَمِيعَ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَأَخْبَرَهُ به قراءة عن
(١) سورة البقرة: ٢/ ١٠٦.
— 149 —
الْإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْغَسَّانِيِّ الْجَيَّانِيِّ قَالَ قَرَأْتُهُ عَلَى أَبِي مَرْوَانَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سِرَاجِ بن عبد الله بن سِرَاجٍ الْقُرْطُبِيِّ قَالَ قَرَأْتُهُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْإِفْلِيلِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَاصِمٍ الْعَاصِمِيِّ عَنِ الرَّبَاحِيِّ بِسَنَدِهِ، وَلِلزَّمَخْشَرِيِّ قَصِيدٌ يَمْدَحُ بِهِ سِيبَوَيْهِ وَكِتَابَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَاظِرٌ فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ بِخِلَافِ مَا كَانَ يَعْتَقِدُ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا نَظَرَ فِي نُتَفٍ مِنْ كَلَامِ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَابْنِ جِنِّي وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو الْحَجَّاجِ يُوسُفُ بْنُ مَعْزُوزٍ كِتَابًا فِي الرَّدُّ عَلَى الزَّمَخْشَرِيِّ فِي كِتَابِ الْمُفَصَّلِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَغْلَاطِهِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا إِمَامَ الصِّنَاعَةِ أَبَا بِشْرٍ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَ اللَّهُ جَمِيعَهُمْ.
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ قَالَ الْأَخْفَشُ الطُّوفانَ جَمْعُ طُوفَانَةٍ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَهُوَ عِنْدُ الْكُوفِيِّينَ مَصْدَرٌ كَالرُّجْحَانِ، وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ فِي مَصْدَرِ طَافَ طَوْفًا وَطَوَافًا وَلَمْ يَحْكِ طَوَفَانًا وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا فَلَا يُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَصْدَرُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ الْمَاءُ الْمُغْرِقُ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو مَالِكٍ وَمُقَاتِلٌ هُوَ الْمَطَرُ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ دَائِمًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ وَابْنُ قُتَيْبَةَ، وَقِيلَ ذَلِكَ مَعَ ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ لَا يَرَوْنَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِ. وَقِيلَ أُمْطِرُوا حَتَّى كَادُوا يَهْلِكُونَ وَبُيُوتُ الْقِبْطِ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مُشْتَبِكَةٌ فَامْتَلَأَتْ بُيُوتُ الْقِبْطِ مَاءً حَتَّى قَامُوا فِيهِ إِلَى تَرَاقِيهِمْ فَمَنْ جَلَسَ غَرِقَ وَلَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَطْرَةٌ وَفَاضَ الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ أَرْضِهِمْ وَرَكَدَ فَمَنَعَهُمْ مِنَ الْحَرْثِ وَالْبِنَاءِ وَالتَّصَرُّفِ وَدَامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ طَمَّ فَيْضُ النِّيلِ عَلَيْهِمْ حَتَّى مَلَأَ الْأَرْضَ سَهْلًا وَجَبَلًا. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَطُوفُ إِلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْعَرَبِ لَهُ أَكْثَرُ فِي الْمَاءِ وَالْمَطَرِ الشَّدِيدِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
غَيَّرَ الْجِدَّةَ مِنْ عِرْفَانِهِخُرُقُ الرِّيحِ وطوفان المطر
وَمَدَّ طُوفَانٌ مُبِيدٌ مَدَدًاشَهْرًا شَآبِيبَ وَشَهْرًا بَرَدَا
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَوَهْبٌ وَابْنُ كَثِيرٍ هُوَ هُنَا الْمَوْتُ الْجَارِفُ وَرَوَتْهُ عَائِشَةٌ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَلَوْ صَحَّ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ وَنُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَوَهْبٍ إِنَّهُ الطَّاعُونُ بِلُغَةِ الْيَمَنِ، وَقَالَ أَبُو قَلَابَةَ هُوَ الْجُدَرِيُّ وَهُوَ أَوَّلُ عَذَابٍ وَقَعَ فِيهِمْ فَبَقِيَ فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ هُوَ عَذَابٌ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فَطَافَ بِهِمْ،
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مُعَمًّى عُنِيَ بِهِ شَيْءٌ أَطَافَهُ اللَّهُ بِهِمْ فَقَالُوا لِمُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَكْشِفْ عَنَّا وَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ فَدَعَا فَرَفَعَ عَنْهُمْ فَمَا آمَنُوا فَنَبَتَ لَهُمْ فِي
— 150 —
تِلْكَ السَّنَةِ مِنَ الْكَلَأِ وَالزَّرْعِ مَا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ فَأَقَامُوا شَهْرًا فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْجَرَادَ فَأَكَلَتْ عَامَّةَ زَرْعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ ثُمَّ أَكَلَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْأَبْوَابَ وَسُقُوفَ الْبُيُوتِ وَالثِّيَابَ وَلَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْهَا شَيْءٌ فَفَزِعُوا إِلَى مُوسَى وَوَعَدُوهُ التَّوْبَةَ فَكَشَفَ عَنْهُمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَخَرَجَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْفَضَاءِ فَأَشَارَ بِعَصَاهُ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَرَجَعَ الْجَرَادُ إِلَى النَّوَاحِي الَّتِي جِئْنَ مِنْهَا وَقَالُوا مَا نَحْنُ بِتَارِكِي دِينِنَا فأقاموا شهرا وسلّط الله عَلَيْهِمُ الْقُمَّلَ
، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: هُوَ الدَّبَا وَهُوَ صِغَارُ الْجَرَادِ قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ لَهُ أَجْنِحَةٌ وَلَا يَطِيرُ، وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ السُّوسُ الَّذِي يَقَعُ فِي الْحِنْطَةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ جُبَيْرٍ: دَوَابُّ سُودٌ صِغَارٌ، وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ هُوَ الْجِعْلَانُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ الْحَمْنَانُ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْقِرْدَانِ، وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: هُوَ الْقُمَّلُ الْمَعْرُوفُ وَهُوَ لُغَةٌ فِيهِ وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَقِيلَ هُوَ الْبَرَاغِيثُ حَكَاهُ ابْنُ زَيْدٍ
وَرُوِيَ أَنَّ مُوسَى مَشَى إِلَى كَثِيبٍ أَهْيَلٍ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَانْتَشَرَ كُلُّهُ قُمَّلًا بِمِصْرَ فَأَكَلَ مَا أَبْقَاهُ الْجَرَادُ وَلَحِسَ الْأَرْضَ وَكَانَ يَدْخُلُ بَيْنَ جِلْدِ الْقِبْطِيِّ وقميصه ويمتلىء الطعام لَيْلَا وَيَطْحَنُ أَحَدُهُمْ عَشْرَةَ أَجْرِبَةٍ فَلَا يَرُدَّ مِنْهَا إِلَّا يَسِيرًا وَسَعَى فِي أَبْشَارِهِمْ وَشُعُورِهِمْ وَأَهْدَابِ عُيُونِهِمْ وَلَزِمَتْ جُلُودَهُمْ فَضَجُّوا وَفَزِعُوا إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَرَفَعَ عَنْهُمْ فَقَالُوا قَدْ تَحَقَّقْنَا الْآنَ أَنَّكَ سَاحِرٌ وَعِزَّةُ فِرْعَوْنَ لَا نُصَدِّقُكَ أَبَدًا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ شَهْرٍ الضَّفَادِعَ فَمَلَأَتْ آنيتهم وأطعمتهم وَمَضَاجِعَهُمْ وَرَمَتْ بِأَنْفُسِهَا فِي الْقُدُورِ وَهِيَ تَغْلِي وَفِي التَّنَانِيرِ وَهِيَ تَفُورُ وَإِذَا تَكَلَّمَ أَحَدُهُمْ وَثَبَتْ إِلَى فِيهِ
، قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَجْلِسُ فِي الضَّفَادِعِ إِلَى ذَقَنِهِ فَقَالُوا لِمُوسَى ارْحَمْنَا هَذِهِ الْمَرَّةَ وَنَحْنُ نَتُوبُ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ وَلَا نَعُودُ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَنَقَضُوا الْعَهْدَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ
، قَالَ الْجُمْهُورُ: صَارَ مَاؤُهُمْ دَمًا حَتَّى إِنَّ الْإِسْرَائِيلِيَّ لِيَضَعَ الْمَاءَ فِي فِيِّ الْقِبْطِيِّ فَيَصِيرُ فِي فِيهِ دَمًا وَعَطِشَ فِرْعَوْنُ حَتَّى أَشَفَى عَلَى الْهَلَاكِ فَكَانَ يَمُصُّ الْأَشْجَارَ الرَّطْبَةَ فَإِذَا مَضَغَهَا صَارَ مَاؤُهَا الطَّيِّبُ مِلْحًا أُجَاجًا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: سَالَ عَلَيْهِمُ النِّيلُ دَمًا، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الدَّمُ هُوَ الرُّعَافُ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
وَمَعْنَى تَفْصِيلِ الْآيَاتِ تَبْيِينِهَا وَإِزَالَةِ أَشْكَالِهَا وَالتَّفْصِيلُ فِي الْإِجْرَامِ هُوَ التَّفْرِيقُ وَفِي الْمَعَانِي يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهَا فَاسْتَبَانَتْ وَامْتَازَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فَلَا يُشْكِلُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنَّهَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ وَأَنَّهَا عِبْرَةٌ لَهُمْ وَنِقْمَةٌ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ سَمَّاهَا مُفَصَّلاتٍ لِأَنَّ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْآيَةِ فَصْلًا مِنَ الزَّمَانِ، قِيلَ كَانَتِ الْآيَةُ تَمْكُثُ مِنَ
— 151 —
السَّبْتِ إِلَى السَّبْتِ ثُمَّ يَبْقَوْنَ عُقَيْبَ رَفْعِهَا شَهْرًا فِي عَافِيَةٍ، وَقِيلَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَأْتِي الْآيَةُ الْأُخْرَى، وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ بَيْنَ كُلِّ آيَتَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا،
وَقَالَ نَوْفٌ الْبِكَالِيُّ مَكَثَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ إِيمَانِ السَّحَرَةِ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الْآيَاتِ
وَحِكْمَةُ التَّفْصِيلِ بِالزَّمَانِ أَنَّهُ يَمْتَحِنُ فِيهِ أَحْوَالَهُمْ أَيَفُونَ بِمَا عَاهَدُوا أَمْ يَنْكُثُونَ فَتَقُومُ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ وَانْتَصَبَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ عَلَى الْحَالِ وَالَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ أَنَّهُ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ مَا ذَكَرَ فِيهَا وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْإِرْسَالِ وَمَكْثُ مَا أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَزْمَانِ وَالْهَيْئَاتِ فَمَرْجِعُهُ إِلَى النَّقْلِ عَنِ الْأَخْبَارِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ إِذْ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ شَيْءٌ وَمَعَ إِرْسَالِ جِنْسِ الْآيَاتِ اسْتَكْبَرُوا عَنِ الْإِيمَانِ وَعَنْ قَبُولِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ إخبار منه تعالى عنهم بِاجْتِرَامِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى عِبَادِهِ.
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّ الرِّجْزُ هُنَا هُوَ مَا كَانَ أُرْسِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطُّوفَانِ وَالْجَرَادِ وَالْقُمَّلِ وَالضَّفَادِعِ وَالدَّمِ فَإِنْ كَانَ أُرِيدَ الظَّاهِرُ كَانَ سُؤَالُهُمْ مُوسَى بَعْدَ وُقُوعِ جَمِيعِهَا لَا بَعْدَ وُقُوعِ نَوْعٍ مِنْهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ نَوْعٌ مِنْ الرِّجْزُ فَيَكُونُ سُؤَالُهُمْ قَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ وَمَعْنَى وَقَعَ عَلَيْهِمُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ وَثَبَتَ وَقَالَ قَوْمٌ: الرِّجْزُ الطَّاعُونُ نَزَلَ بِهِمْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي لَيْلَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ قِبْطِيٍّ وَفِي قَوْلِهِمْ ادْعُ لَنا رَبَّكَ وَإِضَافَةُ الرَّبِّ إِلَى مُوسَى عَدَمُ إِقْرَارٍ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا ادْعُ لَنَا رَبَّنَا وَمَعْنَى بِما عَهِدَ عِنْدَكَ بِمَا اخْتَصَّكَ بِهِ فَنَبَّأَكَ أَوْ بِمَا وَصَّاكَ أَنْ تَدْعُوَ بِهِ لِيُجِيبَكَ كَمَا أَجَابَكَ فِي الْآيَاتِ أَوْ بِمَا اسْتَوْدَعَكَ مِنَ الْعِلْمِ وَالظَّاهِرُ تَعَلُّقُ بِما عَهِدَ بِادْعُ لَنَا رَبَّكَ وَمُتَعَلِّقُ الدُّعَاءِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ فِي كَشْفِ هذا الرّجز ولَئِنْ كَشَفْتَ جَوَابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ قَالُوا أَيْ قَالُوا ذَلِكَ مُقْسِمِينَ لَئِنْ كَشَفْتَ أَوْ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ أَيْ وَأَقْسَمُوا لَئِنْ كَشَفْتَ وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُمَا أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ فِي بِما عَهِدَ عِنْدَكَ بَاءُ الْقَسَمِ أَيْ قَالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ فِي كَشْفِ الرِّجْزِ مُقْسِمِينَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ أَوْ وَأَقْسَمُوا بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ وَالْمَعْنَى لَئِنْ كَشَفْتَ بِدُعَائِكَ وَفِي قَوْلِهِمْ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُمُ الْإِيمَانَ كَمَا أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُمْ إِرْسَالَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَدَّمُوا الْإِيمَانَ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ النَّاشِئُ مِنْهُ الطَّوَاعِيَةُ وَفِي إِسْنَادِ الْكَشْفِ إِلَى مُوسَى حَيْدَةٌ عَنْ إِسْنَادِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِعَدَمِ إِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ.
— 152 —
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى وَهُوَ فَدَعَا مُوسَى فَكَشَفَ عَنْهُمُ الرِّجْزَ وَأَسْنَدَ تَعَالَى الْكَشْفَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْكَاشِفُ حَقِيقَةً فَلَمَّا كَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَسْنَدُوهُ إِلَى مُوسَى وَهُوَ إِسْنَادٌ مَجَازِيٌّ وَلَمَّا كَانَ إِخْبَارًا مِنَ اللَّهِ أَسْنَدَهُ تَعَالَى إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِسْنَادٌ حَقِيقِيٌّ وَلَمَّا كَانَ الرِّجْزُ مِنْ جُمْلَةٍ أُخْرَى غَيْرِ مَقُولَةٍ لَهُمْ حَسُنَ إِظْهَارُهُ دُونَ ضَمِيرِهِ وَكَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ وَمَعْنَى إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِلَى حَدٍّ مِنَ الزَّمَانِ هُمْ بَالِغُوهُ لَا مَحَالَةَ فَيُعَذَّبُونَ فِيهِ لَا يَنْفَعُهُمْ مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ مِنَ الْإِمْهَالِ وَكَشْفِ الْعَذَابِ إِلَى حُلُولِهِ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ بِهِ غَايَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الْهَلَاكِ وَالْمَوْتِ هَذَا اللَّازِمُ مِنَ اللَّفْظِ كَمَا تَقُولُ أَخَّرْتُ كَذَا إِلَى وَقْتِ كَذَا وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ وَقْتًا بِعَيْنِهِ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ: الْأَجَلُ هَاهُنَا الْغَرَقُ قَالَ وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لِأَنَّهُ رَأَى جُمْهُورَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ قَدِ اتَّفَقَ أَنْ هَلَكَتْ غَرَقًا فَاعْتَقَدَ أَنَّ الْإِشَارَةَ هَاهُنَا إِنَّمَا هِيَ فِي الْغَرَقِ وَهَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْغَرَقِ عَالِمٌ وَمِنْهُمْ مَنْ أُخِّرَ وَكَشَفَ الْعَذَابَ عَنْهُمْ إِلَى أَجَلٍ بَلَغَهُ انْتَهَى.
وَفِي التَّحْرِيرِ إِلى أَجَلٍ إِلَى انْقِضَاءِ مدة إهمالهم وَهِيَ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ لِإِيمَانِهِمْ، وَقِيلَ: الْغَرَقُ، وَقِيلَ: الْمَوْتُ وَإِذَا فُسِّرَ الْأَجَلُ بِالْمَوْتِ أَوْ بِالْغَرَقِ فَلَا يَصِحُّ كَشْفُ الْعَذَابِ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ أَيْ وَقْتِ حُصُولِ الْمَوْتِ أَوِ الْغَرَقِ لِأَنَّهُ قَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الْكَشْفِ وَالْغَرَقِ أَوِ الْمَوْتُ زَمَانٌ وَهُوَ زَمَانُ النَّكْثِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا إِلَى أَقْرَبِ أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ أَمَّا إِذَا كَانَ الْأَجَلُ هُوَ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ لِإِيمَانِهِمْ وَإِرْسَالِهِمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى حذف مضاف وإِلى أَجَلٍ قَالُوا مُتَعَلِّقٌ بِ كَشَفْنا وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّعَلُّقِ بِهِ لِأَنَّ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمَّا تَرَتَّبَ جَوَابُهُ عَلَى ابْتِدَاءِ وُقُوعِهِ وَالْغَايَةُ تُنَافِي التَّعْلِيقَ عَلَى ابْتِدَاءِ الْوُقُوعِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعَقُّلِ الِابْتِدَاءِ وَالِاسْتِمْرَارِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ الْغَايَةُ وَلِذَلِكَ لَا تَصِحُّ الْغَايَةُ فِي الْفِعْلِ عَنِ الْمُتَطَاوَلِ لَا تَقُولُ لَمَّا قَتَلْتُ زَيْدًا إِلَى يَوْمِ الْخَمِيسِ جَرَى كَذَا وَلَا لَمَّا وَثَبْتُ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ اتَّفَقَ كَذَا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ إِلى أَجَلٍ مِنْ تَمَامِ الرِّجْزِ أَيِ الرِّجْزُ كَائِنًا إِلَى أَجَلٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَذَابَ كَانَ مُؤَجَّلًا وَيُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ كَوْنُ جَوَابِ لَمَّا جَاءَ بِإِذَا الْفُجَائِيَّةِ أَيْ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ الْمُقَرَّرَ عَلَيْهِمْ إِلَى أجل فاجأوا بِالنَّكْثِ وَعَلَى مَعْنَى تَغْيِيَتِهِ الْكَشْفَ بِالْأَجَلِ الْمَبْلُوغِ لَا تَتَأَتَّى الْمُفَاجَأَةُ إِلَّا عَلَى تَأْوِيلِ الْكَشْفِ بِالِاسْتِمْرَارِ الْمُغَيَّا، فَتَكُونُ الْمُفَاجَأَةُ بِالنَّكْثِ إِذْ ذَاكَ مُمْكِنَةً، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ جَوَابٌ لِمَا يُغَيَّا فَلَمَّا كَشَفْنَا عنهم فاجأوا النَّكْثَ وَبَادَرُوهُ وَلَمْ يُؤَخِّرُوهُ وَلَكِنْ لَمَّا كَشَفَ عَنْهُمْ نَكَثُوا انْتَهَى، وَلَا يُمْكِنُ التَّغْيِيَةُ مَعَ ظَاهِرِ
— 153 —
هذا التقدير وهم بَالِغُوهُ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأَجَلٍ وَهِيَ أَفْخَمُ مِنَ الْوَصْفِ بِالْمُفْرَدِ لِتَكَرُّرِ الضَّمِيرِ فَلَيْسَ فِي حُسْنِ التَّرْكِيبِ كَالْمُفْرَدِ لَوْ قِيلَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ إِلَى أَجَلٍ بَالِغِيهِ وَمَجِيءُ إِذَا الفجائية جوابا لما مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَمَّا حَرْفٌ وجوب لوجوب كَمَا يَقُولُ سِيبَوَيْهِ لَا ظَرْفٌ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ لِافْتِقَارِهِ إِلَى عَامِلٍ فِيهِ وَالْكَلَامُ تَامٌّ لَا يَحْتَمِلُ إِضْمَارًا وَلَا يَعْمَلُ مَا بَعْدَ إِذَا الْفُجَائِيَّةِ فِيمَا قَبْلَهَا، وَقَرَأَ أَبُو هَاشِمٍ وَأَبُو حَيْوَةَ يَنْكُثُونَ بِكَسْرِ الْكَافِ.
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أَيْ أَحْلَلْنَا بِهِمُ النِّقْمَةَ وَهِيَ ضِدُّ النِّعْمَةِ فَإِنْ كَانَ الِانْتِقَامُ هُوَ الْإِغْرَاقُ فَتَكُونُ الْفَاءُ تَفْسِيرِيَّةً وَذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ أَثْبَتَ هَذَا الْمَعْنَى لِلْفَاءِ وَإِلَّا كَانَ الْمَعْنَى فَأَرَدْنَا الِانْتِقَامَ مِنْهُمْ وَالْبَاءُ فِي بِأَنَّهُمْ سَبَبِيَّةٌ وَالْآيَاتُ هِيَ الْمُعْجِزَاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي عَنْها إِلَى الْآيَاتِ أَيْ غَفَلُوا عَمَّا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَاتُ مِنَ الْهُدَى وَالنَّجَاةِ وَمَا فَكَّرُوا فِيهَا وَتِلْكَ الْغَفْلَةُ هِيَ سَبَبُ التَّكْذِيبِ، وَقِيلَ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى النِّقْمَةِ الدَّالِّ عَلَيْهَا فَانْتَقَمْنا أَيْ كَانُوا عَنِ النِّقْمَةِ وَحُلُولِهَا بِهِمْ غَافِلِينَ وَالْغَفْلَةُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عُنِيَ بِهِ الْإِعْرَاضُ عَنِ الشَّيْءِ لِأَنَّ الْغَفْلَةَ عَنْهُ وَالتَّكْذِيبَ لَا يَجْتَمِعَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْغَفْلَةَ تَسْتَدْعِي عَدَمَ الشُّعُورِ بِالشَّيْءِ وَالتَّكْذِيبُ بِهِ يَسْتَدْعِي مَعْرِفَتَهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ صِفَةُ الْغَفْلَةِ لَكَانُوا مَعْذُورِينَ لِأَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ.
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها لَمَّا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ كَانَ كَمَا تَرَجَّى مُوسَى فَأَغْرَقَ أَعْدَاءَهُمْ فِي الْيَمِّ وَاسْتَخْلَفَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الأرض والَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ هُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ كَانَ فِرْعَوْنُ يَسْتَعْبِدُهُمْ وَيَسْتَخْدِمُهُمْ وَالِاسْتِضْعَافُ طَلَبُ الضَّعِيفِ بِالْقَهْرِ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى قِيلَ اسْتَضْعَفَهُ أَيْ وَجَدَهُ ضعيفا ومَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا قَالَتْ فِرْقَةٌ: هِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ لِأَنَّهُ تَعَالَى مَلَّكَهُمْ بِلَادًا كَثِيرَةً وَأَمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ مَلَّكَ ذَرِّيَّتَهُمْ وَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: مَشارِقَ الْأَرْضِ الشَّامُ وَمَغارِبَهَا دِيَارُ مِصْرَ مَلَّكَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا بِإِهْلَاكِ الْفَرَاعِنَةِ وَالْعَمَالِقَةِ وَقَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قَالَ: وَتَصَرَّفُوا فيها كيف شاؤوا فِي أَطْرَافِهَا وَنَوَاحِيهَا الشَّرْقِيَّةِ وَالْغَرْبِيَّةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا: هِيَ أَرْضُ الشَّامِ، وَفِي كِتَابِ النَّقَّاشِ عَنِ الْحَسَنِ: أَرْضُ مِصْرَ وَالْبَرَكَةُ فِيهَا بِالْمَاءِ وَالشَّجَرِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَذَيَّلَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ بِالْخِصْبِ وَالْأَنْهَارِ وَكَثْرَةِ الْأَشْجَارِ وَطَيِّبِ الثِّمَارِ، وَقِيلَ: الْبَرَكَةُ بِإِقْدَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَثْرَةِ مَقَامِهِمْ بِهَا وَدَفْنِهِمْ
— 154 —
فِيهَا وَهَذَا يَتَخَرَّجُ عَلَى مَنْ قَالَ أَرْضُ الشَّامِ، وَقِيلَ: بارَكْنا جَعَلْنَا الْخَيْرَ فِيهَا دَائِمًا ثَابِتًا وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا مِصْرُ. وَقَالَ اللَّيْثُ هِيَ مِصْرُ بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا بِمَا يَحْدُثُ عَنْ نِيلِهَا مِنَ الْخَيْرَاتِ وَكَثْرَةِ الْحُبُوبِ وَالثَّمَرَاتِ وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نِيلَ مِصْرَ سَيِّدُ الْأَنْهَارِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَتِ الْجَنَّاتُ بِحَافَّتَيْ هَذَا النِّيلِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فِي الْبَرَّيْنِ جَمِيعًا مَا بَيْنَ أَسْوَانَ إِلَى رَشِيدٍ وَكَانَتِ الْأَشْجَارُ مُتَّصِلَةً لَا يَنْقَطِعُ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَقَالَ أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ: مِصْرُ خَزَائِنُ الْأَرْضِ كُلِّهَا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ «١»
وَيُرْوَى أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقَامَ بِهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مَرْيَمَ أَنِ الْحَقِي بِمِصْرَ وَأَرْضِهَا
وَذَكَرَ أَنَّهَا الرَّبْوَةُ الَّتِي قَالَ تَعَالَى:
وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ «٢». وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْبَرَكَاتُ عَشْرٌ فَفِي مِصْرَ تِسْعٌ وَفِي الْأَرْضِ كُلِّهَا وَاحِدَةٌ، وَانْتِصَابُ مَشَارِقَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لأورثنا والَّتِي بارَكْنا نَعْتٌ لِمَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا وَقَوْلُ الْفَرَّاءِ إِنَّ انْتِصَابَ مَشارِقَ وَالْمَعْطُوفَ عَلَيْهَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَالْعَامِلَ فِيهِمَا هو يُسْتَضْعَفُونَ والَّتِي بارَكْنا هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي أَيِ الْأَرْضُ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا تَكَلُّفٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الظَّاهِرِ بِغَيْرٍ دَلِيلٍ وَمَنْ أَجَازَ أَنْ تَكُونَ الَّتِي نَعْتًا لِلْأَرْضِ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بِالْعَطْفِ بَيْنَ الْمَنْعُوتِ ونعته.
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا. أَيْ مَضَتْ وَاسْتَمَرَّتْ مِنْ قَوْلِهِمْ تَمَّ عَلَى الْأَمْرِ إِذَا مَضَى عَلَيْهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَعْنَى مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ وَكَلَامِهِ فِي الْأَزَلِ مِنَ النَّجَاةِ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَالظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ وَتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْكَلِمَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ- إِلَى قَوْلِهِ- مَا كانُوا يَحْذَرُونَ «٣». وَقِيلَ: هِيَ قَوْلُهُ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ «٤» الْآيَةَ، وَقِيلَ: الْكَلِمَةُ النِّعْمَةُ وَالْحُسْنَى تَأْنِيثُ الْأَحْسَنِ وَهِيَ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ وَكَانَتِ الْحُسْنَى لِأَنَّهَا وَعْدٌ بِمَحْبُوبٍ قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ وَالْمَعْنَى عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ مُؤْمِنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بِما صَبَرُوا أَيْ بِصَبْرِهِمْ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ كَلِمَاتٍ عَلَى الْجَمْعِ وَرُوِيَتْ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبِي عَمْرٍو، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَنَظِيرُهُ لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى «٥» انْتَهَى، يَعْنِي نَظِيرَ وَصْفِ الْجَمْعِ بِالْمُفْرَدِ الْمُؤَنَّثِ وَلَا يَتَعَيَّنُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الكبرى نعتا لِآيَاتِ رَبِّهِ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِقَوْلِهِ رَأَى أَيِ الْآيَةَ الْكُبْرَى فَيَكُونُ فِي الْأَصْلِ نَعْتًا لِمُفْرَدٍ مُؤَنَّثٍ لَا يُجْمَعُ وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْوَصْفِ.
(١) سورة المؤمنون: ٢٣/ ٥٠.
(٢) سورة يوسف: ١٢/ ٥٥.
(٣) سورة القصص: ٢٨/ ٥.
(٤) سورة الأعراف: ٧/ ١٢٩.
(٥) سورة النجم: ٥٣/ ١٨.
— 155 —
وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ أَيْ خَرَّبْنَا قُصُورَهُمْ وَأَبْنِيَتَهُمْ بِالْهَلَاكِ وَالتَّدْمِيرُ الْإِهْلَاكُ وَإِخْرَابُ الْأَبْنِيَةِ، وَقِيلَ: مَا كَانَ يَصْنَعُ مِنَ التَّدْبِيرِ فِي أَمْرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِخْمَادِ كَلِمَتِهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ إِهْلَاكُ أَهْلِ الْقُصُورِ وَالْمَوَاضِعِ الْمَنِيعَةِ وَإِذَا هَلَكَ السَّاكِنُ هَلَكَ الْمَسْكُونُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ أَيْ يَرْفَعُونَ مِنَ الْأَبْنِيَةِ الْمُشَيَّدَةِ كَصَرْحِ هَامَانَ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُرَادُ عُرُشُ الْكُرُومِ وَمِنْهُ وجَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ «١»، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَبَاقِي السَّبْعَةِ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو رَجَاءٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ هُنَا وَفِي النَّحْلِ وَهِيَ لُغَةُ الْحِجَازِ، وَقَالَ الْيَزِيدِيُّ: هِيَ أَفْصَحُ، وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ يَعْرِشُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتَحَ الْعَيْنَ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَانْتَزَعَ الْحَسَنُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْرَجَ عَلَى مُلُوكِ السَّمَاءِ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ نَصْبِرَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُدَمِّرُهُمْ، وَرُوِيَ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ إِذَا قَابَلَ النَّاسُ الْبَلَاءَ بِمِثْلِهِ وَكَلَهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَإِذَا قَابَلُوهُ بِالصَّبْرِ وَانْتِظَارِ الْفَرَجِ أَتَى الْفَرَجُ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ قَرَأَ بَعْضُ النَّاسِ يَغْرِسُونَ مِنْ غَرَسَ الْأَشْجَارَ وَمَا أَحْسَبُهُ إِلَّا تَصْحِيفًا وَهَذَا آخِرُ مَا اقْتَصَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نَبَأِ فِرْعَوْنَ وَالْقِبْطِ وَتَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَظُلْمِهِمْ وَمُعَارَضَتِهِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ اقْتِصَاصَ نَبَأِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَا أَحْدَثُوهُ بَعْدَ إِنْقَاذِهِمْ مِنْ مَمْلَكَةِ فِرْعَوْنَ، وَاسْتِعْبَادِهِ، وَمُعَايَنَتِهِمُ الْآيَاتِ الْعِظَامَ وَمُجَاوَزَتِهِمُ الْبَحْرَ مِنْ عِبَادَةِ الْبَقَرِ، وَطَلَبِ رُؤْيَةِ الله جهرة، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي لِيُعْلَمَ حَالُ الْإِنْسَانِ وَأَنَّهُ كَمَا وَصَفَ ظَلُومٌ كَفَّارٌ جَهُولٌ كَفُورٌ إِلَّا مَنْ عصمه الله تَعَالَى وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ «٢» وَلِيُسَلِّيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا رَأَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْمَدِينَةِ.
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ لَمَّا بَيَّنَ أَنْوَاعَ نِعَمِهِ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِإِهْلَاكِ عَدُوِّهِمْ أَتْبَعَ بِالنِّعْمَةِ الْعُظْمَى مِنْ إِرَاءَتِهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ الْعَظِيمَةَ وَقَطْعِهِمُ الْبَحْرَ مَعَ السَّلَامَةِ وَالْبَحْرُ بَحْرُ الْقُلْزُمِ، وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ نِيلُ مِصْرَ وَمَعْنَى جاوَزْنا قَطَعْنَا بِهِمُ الْبَحْرَ يُقَالُ جَاوَزَ الْوَادِيَ إِذَا قَطَعَهُ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ بقال جَاوَزَ الْوَادِيَ إِذَا قَطَعَهُ، وَجَاوَزَ بِغَيْرِهِ الْبَحْرَ عَبَرَ بِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَجُزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْ أَجَزْنَاهُمُ الْبَحْرَ وَفَاعَلَ بِمَعْنَى فَعَلَ الْمُجَرَّدِ يُقَالُ جَاوَزَ وَجَازَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَأَبُو رَجَاءٍ وَيَعْقُوبُ وَجَوَّزْنَا وَهُوَ مِمَّا جَاءَ فِيهِ فَعَّلَ بِمَعْنَى فَعَلَ المجرد نحو قدر وقدر وَلَيْسَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ
رُوِيَ أَنَّهُ عَبَرَ بِهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ بعد ما أَهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فَصَامُوا شُكْرًا لِلَّهِ وَأُعْطِيَ مُوسَى التَّوْرَاةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَبَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَحَدَ عَشَرَ شهرا.
(١) سورة الأنعام: ٦/ ١٤١.
(٢) سورة سبأ: ٣٤/ ١٣.
— 156 —
فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو عَمْرٍو الْجَوْنِيُّ: هُمْ مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ كَانُوا يَسْكُنُونَ الرِّيفَ، وَقِيلَ: كَانُوا نُزُولًا بِالرِّقَّةِ رِقَّةِ مِصْرَ وَهِيَ قَرْيَةٌ بِرِيفِ مِصْرَ تُعْرَفُ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ يُتَوَصَّلُ مِنْهَا إِلَى الْفَيُّومِ، وَقِيلَ: هُمُ الْكَنْعَانِيُّونَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسَى بِقِتَالِهِمْ وَمَعْنَى فَأَتَوْا فَمَرُّوا يُقَالُ أَتَتْ عَلَيْهِ سُنُونَ، وَمَعْنَى يَعْكُفُونَ يُقِيمُونَ وَيُوَاظِبُونَ عَلَى عِبَادَةِ أَصْنَامٍ، وَقَرَأَ الْأَخَوَانِ وَأَبُو عَمْرٍو في رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ بِكَسْرِ الْكَافِ وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّهَا وَهُمَا فَصِيحَتَانِ وَالْأَصْنَامُ قِيلَ: بَقَرٌ حَقِيقَةً. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ كَانَتْ تَمَاثِيلَ بَقَرٍ مِنْ حِجَارَةٍ وَعِيدَانٍ وَنَحْوِهِ وَذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ فِتْنَةِ الْعِجْلِ.
قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ الظَّاهِرُ أَنَّ طَلَبَ مِثْلِ هَذَا كُفْرٌ وَارْتِدَادٌ وَعِنَادٌ جَرَوْا فِي ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي تَعَنُّتِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ وَطَلَبِهِمْ مَا لَا يَنْبَغِي وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِمْ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً «١» وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ كُفْرٌ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
الظَّاهِرُ أَنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا مَا رَأَوْا مِنْ آلِهَةِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ فَأَرَادُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي شَرْعِ مُوسَى وَفِي جُمْلَةِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا فَبَعِيدٌ أَنْ يَقُولُوا لِمُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً نُفْرِدُهُ بِالْعِبَادَةِ انْتَهَى
وَفِي الْحَدِيثِ مَرُّوا فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ عَلَى رَوْحِ سِدْرَةٍ خَضْرَاءَ عَظِيمَةٍ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ وَكَانَتْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ سَرْحَةً لِبَعْضِ الْمُشْرِكِينَ يُعَلِّقُونَ بِهَا أسحلتهم وَلَهَا يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهَا فَأَرَادَ قَائِلُ ذَلِكَ أَنْ يَشْرَعَ الرَّسُولُ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ وَرَأَى الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى عِبَادَةِ تِلْكَ السَّرْحَةِ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ «اللَّهُ أَكْبَرُ قُلْتُمْ وَاللَّهِ كَمَا قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ»
اجْعَلْ لَنا إِلهاً خَالِقًا مُدَبِّرًا لِأَنَّ الَّذِي يَجْعَلُهُ مُوسَى لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِقًا لِلْعَالَمِ وَمُدَبِّرًا فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ طَلَبُوا أَنْ يُعَيِّنَ لَهُمْ تَمَاثِيلَ وَصُوَرًا يَتَقَرَّبُونَ بِعِبَادَتِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ حُكِيَ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ قَوْلُهُمْ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى «٢» وَأَجْمَعَ كُلُّ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَلَى أَنَّ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ كُفْرٌ سَوَاءٌ اعْتُقِدَ كَوْنُهُ إِلَهًا لِلْعَالَمِ أَوْ أَنَّ عِبَادَتَهُ تُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ انْتَهَى، وَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ جَمِيعِهِمْ فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِمُ السَّبْعُونَ الْمُخْتَارُونَ وَمَنْ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ هَذَا السُّؤَالُ الْبَاطِلُ لَكِنَّهُ نُسِبَ ذَلِكَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا وَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ وما فِي كَما قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَافَّةٌ لِلْكَافِ وَلِذَلِكَ وَقَعَتِ الْجُمْلَةُ بَعْدَهَا وَقَالَ غَيْرُهُ مَوْصُولَةٌ حَرْفِيَّةٌ أَيْ كَمَا ثَبَتَ لَهُمْ آلِهَةٌ فَتَكُونُ قَدْ حُذِفَ صِلَتُهَا عَلَى حَدِّ مَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ إِذَا حُذِفَتْ صِلَةُ مَا فَلَا بُدَّ مِنْ إِبْقَاءِ مَعْمُولِهَا كَقَوْلِهِمْ لَا أُكَلِّمُكَ مَا إن في السماء نجما أَيْ مَا ثَبَتَ أَنَّ فِي السَّمَاءِ نَجْمًا وَيَكُونُ آلِهَةٌ
(١) سورة البقرة: ٢/ ٥٥.
(٢) سورة الزمر: ٣٩/ ٣.
— 157 —

البحر المحيط في التفسير

أبو حيان الأندلسي

عرض الكتاب