سورة الأعراف | الآية ١٥٨

عرض السورة
التَّفسير

ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٨]

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)
لَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ أوصاف رسول الله صلّى الله عليه وَسَلَّمَ الْمَكْتُوبَةِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، أَمَرَهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ الْمُقْتَضِي لِعُمُومِ رِسَالَتِهِ إِلَى النَّاسِ، جَمِيعًا، لَا كَمَا كَانَ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُبْعَثُونَ إِلَى قَوْمِهِمْ خَاصَّةً، وجَمِيعاً مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ، أي: حال كونكم جميعا، والَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِمَّا فِي مَحَلِّ جَرٍّ عَلَى الصِّفَةِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَدْحِ، أَوْ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَجُمْلَةُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ، مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهَا مُبَيِّنٌ لَهَا، لأنّ من ملك السموات وَالْأَرْضَ وَمَا فِيهِمَا هُوَ الْإِلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَهَكَذَا مَنْ كَانَ يُحْيِي وَيُمِيتُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِتَفَرُّدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَنَفْيِ الشُّرَكَاءِ عَنْهُ، وَالْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُتَفَرِّعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ، وَهُمَا وَصْفَانِ لِرَسُولِهِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَصْفٌ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلِمَاتِ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِهِ أَوِ الْقُرْآنُ فَقَطْ، وَجُمْلَةُ وَاتَّبِعُوهُ مُقَرِّرَةٌ لِجُمْلَةِ فَآمِنُوا بِاللَّهِ، ولَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ عِلَّةٌ لِلْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ وَالِاتِّبَاعِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعْثُ الله محمدا صلّى الله عليه وَسَلَّمَ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ فَقَالَ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْكَثِيرَةُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَشْهُورَةٌ فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ قَالَ: آيَاتُهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَكَلِماتِهِ قال: عيسى.

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٩ الى ١٦٦]

وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)
— 290 —
قَوْلُهُ: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى لَمَّا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مَا وَقَعَ مِنَ السَّامِرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَمَا حَصَلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ التَّزَلْزُلِ فِي الدِّينِ، قَصَّ عَلَيْنَا سُبْحَانَهُ أَنَّ مِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةً مُخَالِفَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وَوَصْفُهُمْ بِأَنَّهُمْ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ أَيْ: يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الْهِدَايَةِ حَالَ كَوْنِهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بِالْحَقِّ وَبِهِ أَيْ: بِالْحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْحُكْمِ وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ. قَوْلُهُ: وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِ مُوسَى الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ، لَا إِلَى هَؤُلَاءِ الْأُمَّةِ مِنْهُمُ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ، وَالْمَعْنَى: صَيَّرْنَاهُمْ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً وَمَيَّزْنَا بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ مَيَّزَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى صَارُوا أَسْبَاطًا، كُلُّ سِبْطٍ مَعْرُوفٌ عَلَى انْفِرَادِهِ، لِكُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً «١» وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ:
اثْنَتَيْ عَشْرَةَ هو ثاني مَفْعُولَيْ قَطَّعْنَا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى التَّصْيِيرِ، وَأَسْبَاطًا: تَمْيِيزٌ له، أو بدل منه، وأُمَماً نَعْتٌ لِلْأَسْبَاطِ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، وَالْأَسْبَاطُ: جَمْعُ سِبْطٍ: وَهُوَ وَلَدُ الْوَلَدِ، صَارُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ وَلَدًا، وَأَرَادَ بِالْأَسْبَاطِ: الْقَبَائِلَ، وَلِهَذَا أُنِّثَ الْعَدَدُ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَإِنَّ قُرَيْشًا كُلَّهَا عَشْرُ أَبْطُنٍوَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قَبَائِلِهَا الْعَشْرِ
أَرَادَ بِالْبَطْنِ: الْقَبِيلَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْأَسْبَاطِ فِي الْبَقَرَةِ، وَرَوَى الْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ أَنَّهُ قَرَأَ قَطَّعْناهُمُ مُخَفَّفًا، وَسَمَّاهُمْ أُمَمًا، لِأَنَّ كُلَّ سِبْطٍ كَانَ جَمَاعَةً كَثِيرَةَ الْعَدَدِ، وَكَانُوا مُخْتَلِفِي الْآرَاءِ يَؤُمُّ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مَا يَؤُمُّهُ الْآخَرُ وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَيْ: وَقْتَ اسْتِسْقَائِهِمْ لَهُ لَمَّا أَصَابَهُمُ الْعَطَشُ فِي التِّيهِ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ الْإِيحَاءِ فَانْبَجَسَتْ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، أَيْ: فَضَرَبَ فَانْبَجَسَتْ، وَالِانْبِجَاسُ: الِانْفِجَارُ، أَيْ: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً بِعَدَدِ الْأَسْبَاطِ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنْهَا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ أَيْ: كُلُّ سِبْطٍ مِنْهُمُ الْعَيْنَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنِ الْإِعَادَةِ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ أَيْ: جَعَلْنَاهُ ظُلَلًا عَلَيْهِمْ فِي التِّيهِ، يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ، وَيُقِيمُ بِإِقَامَتِهِمْ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى أَيِ: التَّرَنْجَبِينَ وَالسَّمَّانِيَّ، كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي الْبَقَرَةِ كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ أَيْ: وَقُلْنَا لَهُمْ كُلُوا مِنَ الْمُسْتَلَذَّاتِ الَّتِي رَزَقْنَاكُمْ وَما ظَلَمُونا بِمَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُخَالَفَةِ وَكُفْرَانِ النِّعَمِ وَعَدَمِ تَقْدِيرِهَا حَقَّ قَدْرِهَا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أَيْ: كَانَ ظُلْمُهُمْ مُخْتَصًّا بِهِمْ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ، لَا يُجَاوِزُهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ أَيْ: وَاذْكُرْ وَقْتَ قِيلَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلُ وَهُوَ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ أي: ببيت المقدس أو أريحاء، وقيل:
(١). المائدة: ١٢.
— 291 —
غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَكُلُوا مِنْها أَيْ: مِنَ الْمَأْكُولَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِيهَا حَيْثُ شِئْتُمْ أَيْ: فِي أَيِّ مَكَانٍ شِئْتُمْ مِنْ أَمْكِنَتِهَا لَا مَانِعَ لَكُمْ مِنَ الْأَكْلِ فِيهِ وَقُولُوا حِطَّةٌ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي الْبَقَرَةِ وَادْخُلُوا الْبابَ أَيْ: بَابَ الْقَرْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ حَالَ كَوْنِكُمْ سُجَّداً أُمِرُوا بِأَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ قَوْلِهِمْ حِطَّةً، وَبَيْنَ الدُّخُولِ سَاجِدِينَ، فَلَا يُقَالُ كَيْفَ قَدَّمَ الْأَمْرَ بِالْقَوْلِ هُنَا عَلَى الدُّخُولِ وَأَخَّرَهُ فِي الْبَقَرَةِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَعْنَى السُّجُودِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ جَوَابُ الْأَمْرِ. وقرئ خطيتكم ثُمَّ وَعَدَهُمْ بِقَوْلِهِ: سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ أَيْ: سَنَزِيدُهُمْ عَلَى الْمَغْفِرَةِ لِلْخَطَايَا بِمَا يُتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَاذَا لَهُمْ بَعْدَ الْمَغْفِرَةِ؟ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْبَقَرَةِ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ أَيْ: عَذَابًا كَائِنًا مِنْهَا بِما كانُوا يَظْلِمُونَ أَيْ: بِسَبَبِ ظلمهم. قوله: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ مَعْطُوفٌ عَلَى عَامِلِ إِذِ الْمُقَدَّرِ، أَيِ: اذْكُرْ إِذْ قِيلَ لَهُمْ وَاسْأَلْهُمْ، وَهَذَا سُؤَالُ تَقْرِيعٍ وَتَوْبِيخٍ، وَالْمُرَادُ مِنْ سُؤَالِ الْقَرْيَةِ: سُؤَالُ أَهْلِهَا، أَيِ: اسْأَلْهُمْ عَنْ هَذَا الْحَادِثِ الَّذِي حَدَثَ لَهُمْ فِيهَا الْمُخَالِفِ لِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ. وَفِي ضِمْنِ هَذَا السُّؤَالِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وَهِيَ تَعْرِيفُ الْيَهُودِ بِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ، وَأَنَّ اطِّلَاعَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِخْبَارٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ: أَيُّ قَرْيَةٍ هِيَ؟ فَقِيلَ: أَيْلَةُ، وَقِيلَ: طَبَرِيَّةُ، وَقِيلَ: مَدْيَنُ، وَقِيلَ:
إِيلِيَا، وَقِيلَ: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى سَاحِلِ الشَّامِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ أَيِ: الَّتِي كَانَتْ بِقُرْبِ الْبَحْرِ، يُقَالُ كُنْتُ بِحَضْرَةِ الدَّارِ أَيْ: بِقُرْبِهَا. وَالْمَعْنَى: سَلْ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الْمَوْجُودِينَ عَنْ قِصَّةِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ. قُرِئَ «وَاسْأَلْهُمْ» وَقُرِئَ «سَلْهُمْ». إِذْ يَعْدُونَ أَيْ: وَقْتَ يَعْدُونَ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، لِأَنَّ السُّؤَالَ هُوَ عَنْ حَالِهِمْ وَقِصَّتِهِمْ وَقْتَ يَعْدُونَ وَقِيلَ: إِنَّهُ ظَرْفٌ لِكَانَتْ أَوْ لِحَاضِرَةٍ.
وَقُرِئَ «يُعِدُّونَ» بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ الْإِعْدَادِ لِلْآلَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَعْدُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الدَّالِ مُخَفَّفَةً، أَيْ: يَتَجَاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ الَّذِي نُهُوا عَنِ الِاصْطِيَادِ فِيهِ، وَقُرِئَ «يَعَدُّونَ» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْعَيْنِ وَضَمِّ الدال مشدّدة، وبمعنى يَعْتَدُونَ، أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ. وَالسَّبْتُ: هُوَ الْيَوْمُ الْمَعْرُوفُ، وَأَصْلُهُ السُّكُونُ، يُقَالُ سَبَتَ إِذَا سَكَنَ وَسَبَتَ الْيَهُودُ تَرَكُوا الْعَمَلَ فِي سَبْتِهِمْ، والجمع أسبت، وسبوت، وأسبات، وقرأ ابن السميقع فِي «الْأَسْبَاتِ» عَلَى الْجَمْعِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ. وَالْحِيتَانُ: جَمْعُ حُوتٍ وَأُضِيفَتْ إِلَيْهِمْ لِمَزِيدِ اخْتِصَاصٍ لَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الْإِتْيَانِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ ما عداه، ويَوْمَ سَبْتِهِمْ ظرف لتأتيهم. وقرئ «يوم أسباتهم» وشُرَّعاً حَالٌ، وَهُوَ جَمْعُ شَارِعٍ، أَيْ: ظَاهِرَةً عَلَى الْمَاءِ، وَقِيلَ: رَافِعَةً رُؤُوسَهَا، وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ تشرع على أبوابهم كَالْكِبَاشِ الْبِيضِ. قَالَ فِي الْكَشَّافِ: يُقَالُ: شَرَعَ علينا فلان: إذا أدنى مِنَّا، وَأَشْرَفَ عَلَيْنَا، وَشَرَعْتُ عَلَى فُلَانٍ فِي بَيْتِهِ، فَرَأَيْتُهُ يَفْعَلُ كَذَا، انْتَهَى وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ أَيْ: لَا يَفْعَلُونَ السَّبْتَ، وَذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ يَوْمِ السَّبْتِ لَا تَأْتِيهِمُ الْحِيتَانُ كَمَا كَانَتْ تَأْتِيهِمْ فِي يَوْمِ السَّبْتِ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ أَيْ:
— 292 —
مِثْلَ ذَلِكَ الْبَلَاءِ الْعَظِيمِ نَبْلُوهُمْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، وَالِابْتِلَاءُ: الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مَعْطُوفٌ عَلَى إِذْ يَعْدُونَ مَعْمُولٌ لِعَامِلِهِ دَاخِلٌ فِي حُكْمِهِ، وَالْأُمَّةُ: الْجَمَاعَةُ، أَيْ: قَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ صُلَحَاءِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ لِآخَرِينَ مِمَّنْ كَانَ يَجْتَهِدُ فِي وَعْظِ الْمُتَعَدِّينَ فِي السَّبْتِ حِينَ أَيِسُوا مِنْ قَبُولِهِمْ لِلْمَوْعِظَةِ، وَإِقْلَاعِهِمْ عَنِ الْمَعْصِيَةِ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَيْ: مُسْتَأْمَلٌ لَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً بِمَا انْتَهَكُوا مِنَ الْحُرْمَةِ، وَفَعَلُوا مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَقِيلَ: إِنَّ الْجَمَاعَةَ الْقَائِلَةَ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا؟ هُمُ الْعُصَاةُ الْفَاعِلُونَ لِلصَّيْدِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ، قَالُوا ذَلِكَ لِلْوَاعِظِينَ لَهُمْ حِينَ وَعَظُوهُمْ. وَالْمَعْنَى: إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ مُهْلِكُنَا كَمَا تَزْعُمُونَ فَلِمَ تَعِظُونَنَا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ أَيْ: قَالَ الْوَاعِظُونَ لِلْجَمَاعَةِ الْقَائِلِينَ لَهُمْ لِمَ تَعِظُونَ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ صُلَحَاءِ الْقَرْيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، أَوِ الْفَاعِلِينَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ قَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ مَعْذِرَةً
بِالنَّصْبِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ حَفْصٍ عَنْ عَاصِمٍ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: وَنَصْبُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَلَى الْمَصْدَرِ، وَالثَّانِي: عَلَى تَقْدِيرِ فَعَلْنَا ذَلِكَ مَعْذِرَةً، أَيْ: لِأَجْلِ الْمَعْذِرَةِ. وَالرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أَيْ: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرَةً إِلَى اللَّهِ حَتَّى لَا يُؤَاخِذَنَا بِتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ اللَّذَيْنِ أَوْجَبَهُمَا عَلَيْنَا، وَلِرَجَاءِ أَنْ يَتَّعِظُوا فَيَتَّقُوا وَيُقْلِعُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ.
قَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ عَصَتْ وَصَادَتْ وَكَانَتْ نَحْوَ سَبْعِينَ أَلْفًا، وَفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ فَلَمْ تَنْهَ وَلَمْ تَعْصِ، وَفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ وَنَهَتْ وَلَمْ تَعْصِ، فَقَالَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ وَلَمْ تَعْصِ لِلْفِرْقَةِ النَّاهِيَةِ: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً يُرِيدُونَ: الْفِرْقَةَ الْعَاصِيَةَ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ قَالُوا ذَلِكَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ اللَّهِ مِنْ إِهْلَاكِ الْعُصَاةِ أَوْ تَعْذِيبِهِمْ مِنْ دُونِ اسْتِئْصَالٍ بِالْهَلَاكِ، فَقَالَتِ النَّاهِيَةُ: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرَةً إِلَى اللَّهِ، وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، وَلَوْ كَانُوا فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ نَاهِيَةً غَيْرَ عَاصِيَةٍ، وَعَاصِيَةً، لَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
قَوْلُهُ: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَيْ: لَمَّا تَرَكَ الْعُصَاةُ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ مَا ذَكَّرَهُمْ بِهِ الصَّالِحُونَ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ تَرْكَ النَّاسِي لِلشَّيْءِ الْمُعْرِضِ عَنْهُ كُلِّيَّةَ الْإِعْرَاضِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ أَيِ: الَّذِينَ فَعَلُوا النَّهْيَ، وَلَمْ يَتْرُكُوهُ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَهُمُ الْعُصَاةُ الْمُعْتَدُونَ فِي السَّبْتِ بِعَذابٍ بَئِيسٍ أَيْ:
شَدِيدٍ، مِنْ بَؤُسَ الشَّيْءُ يَبْؤُسُ بَأْسًا إِذَا اشْتَدَّ، وَفِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ قِرَاءَةً لِلسَّبْعَةِ وَغَيْرِهِمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أَيْ: بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأَخَذْنَا فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ أَيْ: تَجَاوَزُوا الْحَدَّ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَمَرُّدًا وَتَكَبُّرًا قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً أَيْ: أَمَرْنَاهُمْ أَمْرًا كَوْنِيًا لَا أَمْرًا قَوْلِيًّا، أَيْ:
مَسَخْنَاهُمْ قِرَدَةً، قِيلَ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ عَذَّبَهُمْ أَوَّلًا بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ فَلَمَّا لَمْ يُقْلِعُوا مَسَخَهُمْ قِرَدَةً وَقِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ:
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّقْرِيرِ، وَأَنَّ الْمَسْخَ هُوَ الْعَذَابُ الْبَئِيسُ، وَالْخَاسِئُ: الصَّاغِرُ الذَّلِيلُ أَوِ الْمُبَاعَدُ الْمَطْرُودُ، يُقَالُ: خَسَأْتُهُ فَخُسِئَ، أَيْ: بَاعَدْتُهُ فَتَبَاعَدَ. وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ النَّظْمِ الْقُرْآنِيِّ هُوَ أَنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنَ الْعَذَابِ إِلَّا الْفِرْقَةُ النَّاهِيَةُ الَّتِي لَمْ تَعْصِ لِقَوْلِهِ: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَنَّهُ لَمْ يُعَذَّبْ بِالْمَسْخِ إِلَّا الطَّائِفَةُ الْعَاصِيَةُ لِقَوْلِهِ: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ فَإِنْ كَانَتِ الطَّوَائِفُ مِنْهُمْ ثَلَاثًا كَمَا تَقَدَّمَ فَالطَّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ وَلَمْ تَعْصِ يَحْتَمِلُ
— 293 —
أَنَّهَا مَمْسُوخَةٌ مَعَ الطَّائِفَةِ الْعَاصِيَةِ لِأَنَّهَا قَدْ ظَلَمَتْ نَفْسَهَا بِالسُّكُوتِ عَنِ النَّهْيِ وَعَتَتْ عَمَّا نَهَاهَا اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَرْكِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تُمْسَخْ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ ظَالِمَةً لِنَفْسِهَا عَاتِيَةً عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَنَهْيِهِ لَكِنَّهَا لَمْ تَظْلِمْ نَفْسَهَا بِهَذِهِ الْمَعْصِيَةِ الْخَاصَّةِ، وَهِيَ صَيْدُ الْحُوتِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ، وَلَا عَتَتْ عَنْ نَهْيِهِ لَهَا عَنِ الصَّيْدِ وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ نَاهِيَةً كَالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ طَائِفَةً مُسْتَقِلَّةً لِكَوْنِهَا قَدْ جَرَتِ الْمُقَاوَلَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى مِنَ النَّاهِينَ الْمُعْتَزِلِينَ، فَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ طَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي النَّهْيِ وَالِاعْتِزَالِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الْمَسْخِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ! أَجِدُ أُمَّةً أَنَاجِيلُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: يَا رَبِّ! أَجِدُ أُمَّةً يُصَلُّونَ الْخَمْسَ تَكُونُ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهُنَّ، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: يَا رَبِّ! أَجِدُ أُمَّةً يُعْطُونَ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ ثُمَّ تَرْجِعُ فِيهِمْ فَيَأْكُلُونَ، قَالَ: تِلْكَ بَعْدَكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: يَا رَبِّ! اجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ أَحْمَدَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ كَهَيْئَةِ الْمَرْضَاةِ «١» لِمُوسَى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ الْآيَةَ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَتَلُوا أَنْبِيَاءَهُمْ وَكَفَرُوا وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، تَبَرَّأَ سِبْطٌ مِنْهُمْ مِمَّا صَنَعُوا، وَاعْتَذَرُوا، وَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ، فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُمْ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ فَسَارُوا فِيهِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ وَرَاءِ الصِّينِ فَهُمْ هُنَالِكَ حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنَا. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً «٢» ووعد الآخرة: عيسى بن مَرْيَمَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَارُوا فِي السِّرْبِ سَنَةً وَنِصْفًا.
أَقُولُ: وَمِثْلُ هَذَا الْخَبَرِ الْعَجِيبِ وَالنَّبَأِ الْغَرِيبِ مُحْتَاجٌ إِلَى تَصْحِيحِ النَّقْلِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى بَعْدَ عِيسَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً، وَلَتَفْتَرِقَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً، فَأَمَّا الْيَهُودُ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ:
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وَأَمَّا النَّصَارَى فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ «٣» فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وَأَمَّا نَحْنُ فَيَقُولُ: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ «٤» فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا: أَنَّ زِيَادَةَ كُلُّهَا فِي النَّارِ لَمْ تَصِحَّ لَا مَرْفُوعَةً وَلَا مَوْقُوفَةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَانْبَجَسَتْ قَالَ: فَانْفَجَرَتْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عباس، وهو يقرأ هذه الآية وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ قَالَ: يَا عِكْرِمَةُ! هَلْ تَدْرِي أَيَّ قَرْيَةٍ هَذِهِ؟ قُلْتُ لَا، قَالَ: هِيَ أَيْلَةُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: هِيَ طَبَرِيَّةُ. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس
(١). أي: ترضية له.
(٢). الإسراء: ١٠٤.
(٣). المائدة: ٦٦.
(٤). الأعراف: ١٨١.
— 294 —

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

الشوكاني

عرض الكتاب