عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجّاج-: كانوا أبَوُا التوراةَ أن يقبلوها أو يُؤْمِنوا بها، ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ قال: يقول: لَتُؤْمِنُنَّ بالتوراة ولَتَقْبَلُنَّها، أو لَيَقَعَنَّ عليكم١
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾، يقول: رفَعناه، وهو قوله: ﴿ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم﴾ [النساء:١٥٤]. فقال: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ وإلّا أرسلتُه عليكم١
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾، فقال لهم موسى: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾. يقول: من العمل بالكتاب، وإلا خَرَّ عليكم الجبلُ فأهلككم، فقالوا: بل نأخذ ما آتانا الله بقوة. ثُمَّ نَكَثوا بعد ذلك١
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾ قال: رفَعَتْه الملائكةُ فوق رءوسِهِم، فقيل لهم: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾. فكانوا إذا نظَرُوا إلى الجبل قالوا: سمِعنا وأطعْنا. وإذا نظَرُوا إلى الكتاب قالوا: سمِعْنا وعَصَينا١
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عامر- قال: إنِّي لَأعلمُ لِمَ تَسجُدُ اليهود على حرفٍ، قال الله: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم﴾. قال: لَتَأْخُذُنَّ أمري، أو لَأَرْمِينَّكم به. فسجَدُوا وهم ينظُرون إليه مخافةَ أن يَسقُطَ عليهم، فكانت سجدةً رَضِيَها اللهُ تعالى، فاتَّخَذُوها سُنَّةً١
٦
عن عكرمة، قال: أتى عبدَ الله بن عباس يهوديٌّ ونصرانيٌّ، فقال لليهوديِّ: ما دعاكُم أن تسجُدُوا بجباهِكم؟ فلم يدرِ ما يُجِيبُه، فقال: سجدتُم بجباهِكم لقول الله: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾. فخَرَرتُم لجِباهِكم تَنظُرون إليه. وقال للنصرانيِّ: سجدتُم إلى الشرق لقول الله: ﴿انتبذت من أهلها مكانا شرقيا﴾ [مريم:١٦]١
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق الشعبي- قال: إنما اتخذت النصارى المشرق قبلةً؛ لأن مريم اتخذت من أهلها مكانًا شرقيًّا، فاتخذوا ميلاده قبلةً، وإنما سجَدَت اليهود على حرْف، حين نتَق فوقهم الجبل، فجعلوا يتَخوَّفون وهم ينظرون إليه، يتخوَّفون أن يقَع عليهم، فسجدوا سجدةً رضِيَها الله، فاتخذوها سُنَّةً١
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق عامر-: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾، فأخذوا الكتاب بأيمانهم، وهم يعصون، ينظرون إلى الأرض، والكتاب الذي أخذوا بأيديهم، وهم ينظرون إلى الجبل مخافةَ أن يقع عليهم١
٩
عن الكلبي، قال: كتَب هِرَقْل مَلِكُ الرُّوم إلى معاوية يَسأله عن الشيء، وعن لا شيء، وعن دينٍ لا يَقبَلُ الله غيرَه، وعن مفتاح الصلاة، وعن غَرْس الجنة، وعن صلاة كلِّ شيء، وعن أربعةٍ فيهم الرُّوح ولم يرَكُضوا في أصلاب الرجال ولا أرحام النساء، وعن رجلٍ لا أبَ له، وعن رجلٍ لا قومَ له، وعن قبرٍ جرى بصاحبه، وعن قوسِ قُزَحَ، وعن بُقعةٍ طلَعت عليها الشمس مرةً لم تَطلُعْ عليها قبلَها ولا بعدها، وعن ظاعنٍ ظعَنَ مرةً لم يَظعَنْ قبلَها ولا بعدها، وعن شجرة نَبتَتْ بغير ماء، وعن شيءٍ يَتنفَّسُ لا رُوحَ له، وعن اليوم، وأمس، وغدٍ، وبعد غد، ما أجزاؤها في الكلام، وعن البرق والرعد وصوتِه، وعن المجَرَّة، وعن المحَو الذي في القمر. فقيل لمعاوية: لستَ هناك، وإنّك متى تُخطِئْ شيئًا في كتابك إليه يَغْتَمِزْ فيك١، فاكتُبْ إلى ابن عباس. فكتَب إليه فأجابَه ابن عباس: أمّا الشيءُ فالماء؛ قال الله: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [الأنبياء:٣]. وأما لا شيء فالدنيا تَبِيدُ وتَفنى، وأما الدِّين الذي لا يَقبلُ الله غيرَه فلا إله إلا الله، وأما مِفتاح الصلاة فالله أكبر، وأما غَرْسُ الجنة فلا حول ولا قوة إلا بالله، وأما صلاةُ كلِّ شيء فسبحان الله وبحمده، وأما الأربعة التي فيها الروح ولم يَرْكُضوا في أصلاب الرجال ولا أرحام النساء فآدمُ، وحواء، وعصا موسى، والكَبْشُ الذي فدى الله به إسحاق، وأما الرجلُ الذي لا أبَ له فعيسى ابن مريم، وأما الرجل الذي لا قَومَ له فآدم، وأما القبر الذي جرى بصاحبه فالحوت حيث سار بيونُس في البحر، وأما قوسُ قُزَح فأمانُ الله لعباده مِن الغَرق، وأما البقعةُ التي طلَعت عليها الشمس مَرَّةً ولم تَطلُعْ عليها قبلَها ولا بعدها فالبحر حيث انفَلَق لبني إسرائيل، وأما الظاعِنُ الذي ظعَنَ مرَّةً لم يظعَنْ قبلها ولا بعدها فجبلُ طُور سَيناء؛ كان بينه وبين الأرض المقدَّسة أربعُ ليالٍ، فلمّا عصَتْ بنو إسرائيل أطارَهُ الله بجناحَين من نور فيه ألوان العذاب، فأظلَّه الله عليهم، وناداهم منادٍ: إن قبِلتم التوراةَ كشفتُه عنكم، وإلا ألقيتُه عليكم. فأخذُوا التوراة مُعَذِّرينَ٢، فردَّه الله إلى موضِعه، فذلك قوله: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم﴾ إلى آخِر الآية. وأما الشجرة التي نبتَتْ مِن غير ماء فاليقطينة التي أُنبِتَت على يونس، وأما الذي يَتَنفَّسُ بلا رُوح فالصبح؛ قال الله: ﴿والصبح إذا تنفس﴾ [التكوير:١٨]. وأما اليوم فعملٌ، وأما أمسِ فمَثَلٌ، وأما غدٌ فأجَلٌ، وبعد غدٍ فأملٌ، وأما البرق فمَخارِيقُ٣ بأيدي الملائكة تَضْرِبُ بها السَّحاب، وأما الرعد فاسم الملَك الذي يَسوقُ السحاب، وصوتُه زجْرُه، وأما المجَرَّةُ فأبواب السماء، ومنها تُفْتحُ الأبواب، وأما المحْو الذي في القمر فقول الله: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل﴾ [الإسراء:١٢]، ولولا ذلك المَحْوُ لم يُعرَفِ الليلُ من النهار، ولا النهار من الليل. فبعَث بها معاويةُ إلى قَيصر، وكتَب إليه جوابَ مسائله، فقال قيصر: ما يعلمُ هذا إلا نبيٌّ، أو رجلٌ مِن أهل بيت نبي٤
١٠
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾، قال: كما تُنتَقُ الزُّبْدَةُ أخرجْنا الجبل١
١١
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق ابن جُرَيْج- قال: إنّ هذا الجبلَ جبل الطُّور هو الذي رُفِعَ على بني إسرائيل١
١٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾، قال: انتزَعه الله مِن أصلِه، ثم جعَله فوقَ رءوسِهم، ثم قال: لَتَأْخُذُنَّ أمري، أو لَأَرْمِيَنَّكم به١
١٣
عن ثابت بن الحجّاج -من طريق جعفر بن برقان- قال: جاءتْهم التوراة جملةً واحدةً، فكَبُر عليهم، فأبَوا أن يأخُذوه حتى ظلَّلَ الله عليهم الجبل، فأخَذُوه عند ذلك١
١٤
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾، قال: بطاعة١
١٥
عن أبي بكر بن عبد الله العامري -من طريق حجّاج- قال: هذا كتاب اللهِ، أتقبلونه بما فيه؟ فإنّ فيه بيانَ ما أحَلَّ لكم، وما حَرَّم عليكم، وما أمَرَكم، وما نهاكم. قالوا: انشر علينا ما فيها، فإن كانت فرائضُها يسيرةً وحدودُها خفيفةً قبلناها. قال: اقبلوها بما فيها. قالوا: لا، حتى نعلم ما فيها كيف حدودها وفرائضها. فراجعوا موسى مِرارًا، فأوحى الله إلى الجبل، فانقلع، فارتفع في السماء، حتى إذا كان بين رءوسهم وبين السماء قال لهم موسى: ألا ترون ما يقولُ ربي؟ لَئِن لم تقبلوا التوراةَ بما فيها لَأَرْمِيَنَّكم بهذا الجبل، قال: فحدَّثني الحسن البصري، قال: لَمّا نظروا إلى الجبل خَرَّ كُلُّ رجلٍ ساجدًا على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل فَرَقًا مِن أن يسقط عليه؛ فلذلك ليس في الأرض يهوديٌّ يسجد إلا على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدةُ التي رُفِعَتْ عَنّا بها العقوبةُ. قال أبو بكر: فلمّا نشر الألواحَ فيها كتابُ اللهِ كتبه بيده؛ لَمْ يبقَ على وجه الأرض جبلٌ ولا شجرٌ ولا حجرٌ إلا اهْتَزَّ، فليس اليومَ يهوديٌّ على وجه الأرض صغيرٌ ولا كبيرٌ تُقْرَأ عليه التوراةُ إلا اهْتَزَّ ونَغَضَ لها رأسَه١
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾ يعني: وإذ رفعنا ﴿الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾، وذلك أنّ موسى عليه السلام حين أتاهم بالتوراة، [ووجدوا] فيها القتلَ، والرجمَ، والحدودَ، والتغليظَ؛ أبَوْا أن يقبلوا التوراةَ، فأمر اللهُ الجبلَ عند بيت المقدس فانقطع من مكانه، فقام فوق رؤوسهم، فأوحى الله إلى موسى أن قُل لهم: إن لم يُقِرُّوا بالتوراةِ طَرَحْتُ عليهم الجبلَ، وأَرْضَخُ به رءُوسَهم. فلمّا رأوا ذلك أقرُّوا بالتوراة، ورجع الجبلُ إلى مكانه، فذلك قوله: ﴿وظنوا أنه واقع بهم﴾ يعني: وأيقنوا أنّ الجبل واقع بهم، يعني: عليهم١، ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾: ما أعطيناكم من التوراة بالجِدِّ والمواظبة، ﴿واذكروا ما فيه﴾ يقول: واحفظوا ما فيه من أمره ونهيه، ﴿لعلكم﴾ يعني: لكي ﴿تتقون﴾ المعاصي٢