سورة التوبة | الآية ١٧

عرض السورة
التَّفسير

ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

تفسير المنار
رشيد رضا
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون( ١٧ ) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين( ١٨ )﴾
للتناسب والاتصال بين هاتين الآيتين ( وما بعدهما إلى الآية ٢٢ ) وما قبلهما وجه وجيه واضح، وإن غفل عنه الرازي وأبو السعود وأمثالهما ممن يعنون بالغوص على التناسب بين الآيات، وهاك بيانه :
قال الله تعالى :﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين﴾ [آل عمران: ٩٦] وقال :﴿وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقص علينا تعالى في سورة البقرة خبر بناء إبراهيم وإسماعيل لهذا البيت وما كانا يدعوان به عند رفع قواعده من جعلهما مسلمين ومن ذريتهما أمة مسلمة له، وبعث رسول منهم يتلو عليهم آياتهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وقد استجاب الله تعالى دعاءهما كله فكان من ذريتهما أمة مسلمة موحدة له تعالى تقيم دينه في بيته وفي غيره كما أمر، ثم طال عليهم الأمد فطرأت عليهم الوثنية، وترك جماهيرهم ملة إبراهيم الحنيفية، حتى بعث فيهم منهم محمدا رسول الله وخاتم النبيين، تكملة لدعوة جده إبراهيم، فقاوم المشركون دعوته، وصدوه ومن آمن به عن المسجد الحرام وأخرجوهم من ديارهم بجواره، ثم ما زالوا يقاتلونهم في دار هجرتهم إلى أن صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، ومكنهم من فتح مكة، وأدال للتوحيد من الشرك، وللحق من الباطل.
فلما زالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام، وطهره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي أن يطهره من العبادة الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه، وأن يبين لهم الوجه في كون المسلمين أحق به منهم، فلما آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليا كرم الله وجهه أن يتلو أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم في يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، كان من مقاصد هذا البلاغ العام أن يعلموا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام بالتبع لزوال ولايتهم العارضة عليه، فكان علي وأعوانه ينادون في يوم النحر بمنى : لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وإنما أمهلهم إلى موسم السنة التالية لفتح مكة لسببين فيما يظهر :
أحدهما : أنه كان فيهم أصحاب عهد مع المسلمين من قبل الفتح، كان من شروطه أن لا يمنع من المسجد الحرام أحد من الفريقين، والوفاء بالعهد من أهم أحكام الإسلام فأمهلهم إلى انقضاء عهودهم بنبذ ما جاز نبذه، وإتمام ما وجب إتمامه، ولم يمكن إعلامهم بذلك إلا في موسم السنة التاسعة كما أمر الله تعالى.
وثانيهما : أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم في موسمي العامين الثامن والتاسع بدون قتال في أرض الحرم ؛ لأنهم كانوا بمقتضى التقاليد يأتون للحج من كل فج وهم، كثيرون ولا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم، ولا المعاهد وغير المعاهد، إلا بعد وصولهم إلى البيت، وشروعهم في الطواف فيه، فكيف السبيل إلى منع المشرك منهم بعد ذلك بغير قتال فيه فضلا عن سائر الحرم، والقتال محرم فيه ؟
وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : إنها أحلت له ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده ؟ فعلم من هذا أن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام، وإبطال ما كان المشركون يدعونه ويفخرون به من حق عمارته الحسية، وإيئاسهم من الاشتراك فيها، كان يتوقف على ما ذكر من نبذ عهودهم، ومن العدل الواجب في الإسلام إعلامهم بذلك قبل تنفيذه بزمن طويل يكفي لعلم الجماهير منهم به، وهذا المنع هو ما تضمنته هاتان الآيتان على أكمل وجه، وفسره علي كرم الله وجهه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجهة الخاصة، فحسن أن يوضع هو وما يتلوه بعد آيات ذلك النبذ والأذان، وما تلاه من التهديد بالقتال بعد عود حالته إلى ما كانت عليه قبل العهود، وهو المقصود بالذات بقسميه السلبي والإيجابي. وسيأتي النهي عن تمكينهم من القرب من المسجد الحرام أيضا في الآية ( ٢٨ )
قال تعالى :
﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله﴾ النفي في مثل هذا التعبير يسمى نفي الشأن كما سبق بيانه في نظائره، مع بيان أنه أبلغ من نفي الفعل طبعا أو شرعا ؛ لأنه نفي له بالدليل. والمساجد جمع مسجد، وهو في اللغة مكان السجود، وقد صار اسما للبيوت التي يعبد فيها الله تعالى وحده، كما قال تعالى :﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ [الجن: ١٨].
قرأ أبو عمرو ويعقوب وابن كثير﴿مسجد الله﴾ بالإفراد، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير وهم أكبر مفسري السلف.
وقرأ باقي السبعة وآخرون﴿مساجد الله﴾ بالجمع.
والمتبادر من الإفراد إرادة المسجد الحرام ؛ لأنه المفرد العلم الأكمل الأفضل من المساجد، وكلها لله، وإن كان المفرد المضاف يفيد العموم في الأصل، والمراد من المساجد جنسها الذي يصدق بأي فرد من أفرادها، كما يقولون فلان يخدم الملوك وإن لم يخدم إلا واحدا منهم، وفلان يركب البراذين أو الحمير وإن لم يركب إلا واحدا منها، ومنه ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها﴾ [النحل: ٨]، على أن بعضهم زعم أن المراد بالجمع المسجد الحرام أيضا، وعللوه بقول الحسن : إنما قال مساجد لأنه قبلة المساجد كلها، وهو ضعيف وركيك، ويقتضي أن النفي وما يتضمنه من المنع خاص به، وهو باطل إجماعا. وتفسير المفرد بالجمع لإفادته العموم بالإضافة أصح لفظا ومعنى، لولا أنهما تكرار لا تظهر له فائدة، فالحق أن كلا من القراءتين مقصود، وفائدة ذكر المفرد مع الجمع التنويه بمكانته، وكونه محل النزاع، وسبب القتال بين المؤمنين والمشركين.
وعمارة المسجد في اللغة لزومه والإقامة فيه للعبادة أو لخدمته بالترميم والتنظيف ونحوهما، وعبادة الله فيه، وزيارته للعبادة، ومنها الحج والعمرة. قال في اللسان : عمر الرجل ماله وبيته يعمر [ بالضم ] عمارة وعمورا وعمرانا لزمه... ويقال لساكن الدار : عامر، والجمع عمار. ( وهنا ذكر البيت المعمور وما روي في تفسيره، وقال : والمعمور المخدوم )، ثم ذكر : عمر الرجل الله بمعنى عبده، قال : والعمارة [ بالكسر ] ما يعمر به المكان، والعمارة [ بالضم ] أجرة العمارة. [ قال ] : والعمرة [ بالضم ] طاعة الله عز وجل، والعمرة في الحج معروفة مأخوذة من الاعتمار، وهو الزيارة والقصد... وهو في الشرع زيارة البيت الحرام بالشروط المخصوصة المعروفة. قال الزمخشري : ولم يجئ فيما أعلم عمر بمعنى اعتمر، ولكن عمر الله إذا عبده، وعمر فلان ركعتين إذا صلاهما، وهو يعمر ربه يصلي ويصوم اه ملخصا.
وقال الراغب : العمارة نقيض الخراب، يقال : عمر أرضه يعمرها عمارة. وقوله :﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ إما من العمارة التي هي حفظ البناء، أو من العمرة التي هي الزيارة، أو من قولهم : عمرت بمكان كذا أي أقمت به، لأنه يقال : عمرت المكان وعمرت بالمكان انتهى. وظاهره أنه يقال : عمر بمعنى اعتمر فليحرر.
فعلم من هذه النصوص أن عمارة المسجد تطلق على عبادة الله فيه مطلقا، وعلى النسك المخصوص المسمى بالعمرة وهي خاصة بالمسجد الحرام، وعلى لزومه والإقامة فيه لخدمته الحسية، وعلى بنيانه وترميمه. وكل ذلك مراد هنا ؛ لأن اللفظ يدل عليه والمقام يقتضيه. والمختار عندنا استعمال المشترك في معانيه التي يقتضيها المقام تبعا للشافعي وابن جرير.
روي عن ابن عباس أنه لما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي له القول، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ؟ فقال له علي رضي الله عنه : ألكم محاسن ؟ فقال : نعم، إننا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، فأنزل الله عز وجل ردا على العباس ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله﴾ الخ، والمراد أنها تتضمن الرد على ذلك القول الذي كان يقوله ويفخر به هو وغيره من كبراء المشركين أيضا، لا أنها نزلت عند ما قال ذلك القول لأجل الرد عليه في أيام بدر من السنة الثانية من الهجرة ؛ بل نزلت في ضمن السورة بعد الرجوع من غزوة تبوك كما تقدم.
ومعنى الجملة : ما كان ينبغي ولا يصح للمشركين- ولا من شأنهم الذي يقتضيه شركهم، أو الذي يشرعه، أو يرضاه الله منهم، أو يقرهم عليه- أن يعمروا مسجد الله الأعظم وبيته المحرم بالإقامة فيه للعبادة أو الخدمة والولاية عليه، ولا أن يزوروه حجاجا ومعتمرين، ولا شيئا من سائر مساجده كذلك.
﴿شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾ أي ما كان لهم ذلك في حال كونهم كافرين شاهدين على أنفسهم بالكفر قولا وعملا ؛ لأن هذا جمع بين الضدين، فإن عمارة مساجد الله الحسية إنما تكون لعمارتها المعنوية بعبادته فيها وحده، ولا تصح ولا تقع إلا من المؤمن الموحد له، وذلك ضد الكفر به، وأي كفر بالله أظهر وأشد من الشرك به ومساواته ببعض خلقه في العبادة ؟ وهو ما كانوا يفعلونه من عبادة الأصنام بالاستشفاع بها، والسجود لما وضعوه في البيت منها عقب كل شوط من طوافهم فيه، وأي اعتراف به أصرح من نص تلبيتهم له تعالى وهي قولهم بأفواههم : لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وكانوا يكفرون بالبعث والجزاء أيضا، ولما بعث فيهم محمد رسول الله وخاتم النبيين كفروا به وبما جاء به من البينات والهدى، كفر سادتهم وكبراؤهم جحودا وعنادا، وتبعهم دهماؤهم خضوعا لهم وتقليدا. ومن النصوص الدالة على جحودهم آية﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ [الأنعام: ٣٣]، ومن الأدلة على عنادهم آية ﴿وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم﴾ [الأنفال: ٣٢].
فقوله تعالى :[ شاهدين ] الخ قيد للنفي قبله مبين لعلته، والعلة الحقيقية هي نفس الكفر لا الشهادة به، ونكتة تقييده بها بيان أنه كفر صريح معترف به لا تمكن المكابرة فيه. وقد قيل : إنه لا يجوز للمسلمين أن يستخدموا الكفار في بناء المساجد ؛ لأنه من العمارة الحسية الممنوعة، وفيه نظر ؛ لأن الممنوع منها إنما هو الولاية عليها، والاستقلال بالقيام بمصالحها، كأن يكون ناظر المسجد وأوقافه كافرا. وأما استخدام المسلمين للكافر في عمل لا ولاية فيه كنحت الحجارة، والبناء والنجارة، فلا يظهر دخوله في المنع، ولا فيما ذكر من نفي الشأن، فإن نفي الشأن المذكور دليل على التشريع في هذه المسألة، وكونه حقا مبنيا على أساس ثابت في فطرة البشر وليس تشريعا لها. والدلالة فيه عقلية علمية كما علم من تفسيرنا له.
[ فإن قيل ] قد وقع من بعض الحكام والأفراد من غير المسلمين أن بنى مسجدا للمسلمين، ومنهم من أوصى بمال لعمارة مسجد لهم لمصلحة له في ذلك. [ قلت ] : إن هذا لا يعارض ما فسرنا به نفي الشأن، ولا ما بني عليه من الحكم، وللمسلمين أن يقبلوا مثل هذا المسجد وهذه الوصية بشرط أن لا يكون فيهما ضرر آخر ديني ولا سياسي، لأنه حينئذ يكون كمسجد الضرار الذي يأتي ذكره في هذه السورة، فلو عرض اليهود على المسلمين في هذا العصر أن يعمروا المسجد الأقصى بترميم ما كان تداعى أو ضعف من بنائه، أو بذلوا لهم مالا لذلك لما جاز لهم أن يقبلوا هذا ولا ذاك وإن لم يتول اليهود العمل، لما علم من طمعهم في الاستيلاء على هذا المسجد والتوسل له بما يجعلونه ذريعة لادعاء حق ما لهم فيه، على كفرهم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وكتابيهما، وقولهم على مريم بهتانا عظيما.
﴿أولئك حبطت أعمالهم﴾ أي أولئك المشركون الكافرون بالله وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم قد حبطت أعمالهم التي يفخرون بها من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج وغيرهما من أعمال البر كقري الضيف وصلة الرحم، أي بطلت وفسدت حتى لم يبق لها أدنى تأثير في صلاح أنفسهم مع الشرك والكفر ومفاسدهما، وأصله من الحبط، وهو بالتحريك أن تأكل البهيمة حتى تنتفخ ويفسد جوفها. قال تعالى :﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾ [الأنعام: ٨٨] ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾[الكهف: ١٠٥].
﴿وفي النار هم خالدون﴾ أي وهم مقيمون في دار العذاب التي تسمى النار دون غيرها، إقامة خلود وبقاء لكفرهم المحبط لأعمالهم الحسنة حتى لا أثر لها في تزكية أنفسهم وإحاطة خطيئاتهم بها وتدسيتها لها، فلم يبق فيها أدنى استعداد لجوار الله تعالى في دار الكرامة، وما ثمة إلا الجنة أو النار ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ [الشورى: ٧].
﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون( ١٧ ) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين( ١٨ )﴾
للتناسب والاتصال بين هاتين الآيتين ( وما بعدهما إلى الآية ٢٢ ) وما قبلهما وجه وجيه واضح، وإن غفل عنه الرازي وأبو السعود وأمثالهما ممن يعنون بالغوص على التناسب بين الآيات، وهاك بيانه :
قال الله تعالى :﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين﴾ [آل عمران: ٩٦] وقال :﴿وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقص علينا تعالى في سورة البقرة خبر بناء إبراهيم وإسماعيل لهذا البيت وما كانا يدعوان به عند رفع قواعده من جعلهما مسلمين ومن ذريتهما أمة مسلمة له، وبعث رسول منهم يتلو عليهم آياتهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وقد استجاب الله تعالى دعاءهما كله فكان من ذريتهما أمة مسلمة موحدة له تعالى تقيم دينه في بيته وفي غيره كما أمر، ثم طال عليهم الأمد فطرأت عليهم الوثنية، وترك جماهيرهم ملة إبراهيم الحنيفية، حتى بعث فيهم منهم محمدا رسول الله وخاتم النبيين، تكملة لدعوة جده إبراهيم، فقاوم المشركون دعوته، وصدوه ومن آمن به عن المسجد الحرام وأخرجوهم من ديارهم بجواره، ثم ما زالوا يقاتلونهم في دار هجرتهم إلى أن صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، ومكنهم من فتح مكة، وأدال للتوحيد من الشرك، وللحق من الباطل.
فلما زالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام، وطهره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي أن يطهره من العبادة الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه، وأن يبين لهم الوجه في كون المسلمين أحق به منهم، فلما آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليا كرم الله وجهه أن يتلو أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم في يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، كان من مقاصد هذا البلاغ العام أن يعلموا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام بالتبع لزوال ولايتهم العارضة عليه، فكان علي وأعوانه ينادون في يوم النحر بمنى : لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وإنما أمهلهم إلى موسم السنة التالية لفتح مكة لسببين فيما يظهر :
أحدهما : أنه كان فيهم أصحاب عهد مع المسلمين من قبل الفتح، كان من شروطه أن لا يمنع من المسجد الحرام أحد من الفريقين، والوفاء بالعهد من أهم أحكام الإسلام فأمهلهم إلى انقضاء عهودهم بنبذ ما جاز نبذه، وإتمام ما وجب إتمامه، ولم يمكن إعلامهم بذلك إلا في موسم السنة التاسعة كما أمر الله تعالى.
وثانيهما : أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم في موسمي العامين الثامن والتاسع بدون قتال في أرض الحرم ؛ لأنهم كانوا بمقتضى التقاليد يأتون للحج من كل فج وهم، كثيرون ولا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم، ولا المعاهد وغير المعاهد، إلا بعد وصولهم إلى البيت، وشروعهم في الطواف فيه، فكيف السبيل إلى منع المشرك منهم بعد ذلك بغير قتال فيه فضلا عن سائر الحرم، والقتال محرم فيه ؟
وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : إنها أحلت له ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده ؟ فعلم من هذا أن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام، وإبطال ما كان المشركون يدعونه ويفخرون به من حق عمارته الحسية، وإيئاسهم من الاشتراك فيها، كان يتوقف على ما ذكر من نبذ عهودهم، ومن العدل الواجب في الإسلام إعلامهم بذلك قبل تنفيذه بزمن طويل يكفي لعلم الجماهير منهم به، وهذا المنع هو ما تضمنته هاتان الآيتان على أكمل وجه، وفسره علي كرم الله وجهه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجهة الخاصة، فحسن أن يوضع هو وما يتلوه بعد آيات ذلك النبذ والأذان، وما تلاه من التهديد بالقتال بعد عود حالته إلى ما كانت عليه قبل العهود، وهو المقصود بالذات بقسميه السلبي والإيجابي. وسيأتي النهي عن تمكينهم من القرب من المسجد الحرام أيضا في الآية ( ٢٨ )

تفسير المنار

رشيد رضا

عرض الكتاب