سورة التوبة | الآية ٣٨

عرض السورة
التَّفسير

ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله اثاقلتم إِلَى الأرض أَرَضِيتُمْ﴾ الآية. لمَّا ذكر فضائح الكفار عاد إلى التَّرغيب في مقاتلتهم.
قال ابنُ عبَّاس: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك لأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لمَّا رجع من الطائف أقام بالمدينة أمر بجهاد الرُّوم وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر، حين طابت ثمار المدينة، واستعظم النَّاسُ غزو الرُّوم وهابوه، وكان ذلك في حر شديد، وسفر بعيد، ومفاوز، وعدُو كثير، وذلك حين طابت ثمار المدينة، وظلالها فأمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فشقَّ عليهم الخروج، وتثاقلُوا، فنزلت هذه الآية.
ومعنى: «إِذَا قِيلَ لَكُمُ» أي: قال لكم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «انفِرُوا» اخرجوا، واسم القوم الذين يخرجون النفير.
قوله: «اثاقلتم» أصله «تثَاقلْتُم» فلمَّا أريد الإدغام سكنت الثَّاءُ فاجتلبت همزةُ الوصل كما تقدَّم في ﴿فادارأتم﴾ [البقرة: ٧٢]، والأصل: «تَدَارَأتُم». وقرأ الأعمشُ «تثاقَلْتُم» بهذا الأصل و «ما» في قوله: «مَا لَكُمْ» استفهامية، وفيها معنى الإنكار.
وقيل: فاعله المحذوف هو الرسول. «اثَّاقَلْتُمْ» ماضي اللَّفظ، مضارع المعنى، أي: تتثاقلون، وهو في موضع الحالِ، وهو عاملٌ في الظَّرف، أي: ما لكم متثاقلين وقت القول.
وقال أبُو البقاءِ: «اثَّاقلتم: ماض بمعنى المضارع أي: ما لكم تتثاقلون، وهو في
— 91 —
موضع نصب، أي: أيُّ شيء لكم في التَّثاقل، أو في موضع جر على رأي الخليلِ. وقيل: هو في موضع حال».
قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد؛ لأنه يلزم منه حذفُ «أنْ» لأنه لا ينسبِكُ مصدرٌ إلاَّ من حرف مصدري والفعل وحذفُ «أنْ» في هذا قليلٌ جداً، أو ضرورة. وإذا كان التقديرُ في التثاقل، فلا يمكن عمله في «إذا» لأنَّ معمول المصدر الموصول لا يتقدَّمُ عليه، فيكون النَّاصب ل «إذا» والمتعلِّق به في التثاقل ما تعلَّق به «لَكُم» الواقعُ خبراً ل «ما» وقرىء «أثَّاقلْتُم» بالاستفهام الذي معناه الإنكار، وحينئذٍ لا يجوزُ أن يعمل في «إذا» ؛ لأنَّ ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله، فيكونُ العاملُ في هذا الظَّرف إمَّا الاستقرارُ المقدَّر في «لكم»، أو مضمرٌ مدلولٌ عليه باللَّفظ، والتقدير: ما تصنعون إذا قيل لكم، وإليه نحا الزمخرشي.
والظَّاهر أن يقدَّر: ما لكم تتثاقلون إذا قيل لكم، ليكون مدلولاً عليه من حيث اللفظُ والمعنى.
وقوله: «إِلَى الأرض» ضُمِّنَ اثَّاقلتم معنى المَيْلأ والإخلاء، فعدي ب «إلى» والمعنى: تباطأتم إلى الأرض، أي: لزمتم أرضكم ومساكنكم، وملتم إلى الدنيا وشهواتها، وكرهتم مشاق الجهاد ومتاعبه، ونظيره قوله ﴿أَخْلَدَ إِلَى الأرض واتبع هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] قال المفسِّرون: معناه: اثاقلتم إلى نعيم الأرض، وإلى الإقامة وبالأرض.
قوله
﴿أَرَضِيتُمْ
بالحياة
الدنيا﴾
أي: بخفض الدنيا ودعتها. وقوله: ﴿إِلَى الأرض أَرَضِيتُمْ﴾ جناس لفظي]، وكذا قوله: ﴿اصبروا وَصَابِرُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقوله: ﴿أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾ [هود: ٤٨] وقوله: ﴿ياأسفا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، وقوله: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤]، وقوله: ﴿أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١]، وقوله: ﴿على عِلْمٍ عَلَى العالمين﴾ [الدخان: ٣٢] وقوله ﴿مَالِكَ الملك﴾ [آل عمران: ٢٦].
قوله «مِنَ الآخرة» تظاهرت أقوالُ المعربين، والمفسرين على أنَّ «مِنْ» بمعنى «بدل» كقوله ﴿لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠]، أي: بدلكم؛ ومثلة قول الآخر: [الرجز]
٢٧٨٣ - جَارِيةٌ لَمْ تأكُلِ المُرقَّقَاولمْ تَذُقْ مِن البُقُولِ الفُسْتُقَا
وقول الآخر: [الطويل]
٢٧٨٤ - فَليْتَ لَنَا مِنْ ماءِ زَمْزمَ شَرْبَةٌمُبرَّدَةً باتَتْ على طَهَيَانِ
— 92 —
إلاَّ أنَّ أكثر النَّحويين لم يثبتُوا لها هذا المعنى، ويتأوَّلون ما أوهم ذلك، والتقدير هنا: اعتصمْتُمْ من الآخرة راضين بالحياةِ الدُّنيا، وكذلك باقيها.
وقال أبُو البقاءِ: «مِنَ الآخرة» في موضع الحال، أي: بدلاً من الآخرة. فقدَّر المتعلَّقَ كوناً خاصاً، ويجوز أن يكون أراد تفسير المعنى. ثم قال: «فما متاع الحياة الدنيا» أي: لذاتها. وقوله «فِي الآخرةِ» متعلقٌ بمحذوفٍ من حيثُ المعنى، تقديره: فما متاعُ الحياة الدنيا محسوباً في الآخرة ف «محسوباً» حالٌ مِنْ «متاعُ».
وقال الحوفي: إنَّه متعلق ب «قَلِيلٌ»، وهو خبر المبتدأ قال: «وجاز أن يتقدَّم الظَّرفُ على عامله المقترن ب» إلاَّ «؛ لأنَّ الظروف تعمل فيها روائحُ الأفعال، ولو قلت: ما زيدٌ عمراً إلاَّ يضرب، لم يَجُزْ».

فصل


الدَّليلُ على أنَّ متاع الدُّنيا في الآخرة قليل، أنَّ لذات الدُّنيا خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفاتِ والبليات، ومنقطعة عن قريبٍ لا محالة، ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفاتِ، ودائمة أبدية سرمدية، وذلك يوجب القطع بأنَّ متاع الدُّنيا في جنب متاع الآخرة قليل حقير.
قوله: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾.
في الآخرة، وقيل: هو احتباس المطر عنهم في الدنيا.
قال القرطبيُّ: «هذا شرطٌ، فلذلك حذفت منه النُّون. والجوابُ» يُعذِّبْكُم «و ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ وهذا تهديدٌ ووعيدٌ لتارك النَّفير». ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ خيراً منكم وأطوع.
قال ابنُ عبَّاسٍ: «هم التابعون».
وقال سعيدُ بن جبير: «هم أبناء فارس» وقيل: هم أهلُ اليمن. «وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً» بترككم النفير.
قال الحسنُ «الكناية راجعة إلى الله تعالى، أي: لا تضروا الله»، وقال غيره تعود إلى الرسول؛ لأنَّ الله عصمه من الناس، ولا يخذله إن تثاقلتم عنه.
﴿والله
على
كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
.
— 93 —
قال الحسنُ وعكرمةُ: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] وقال المحقِّقون: الصحيح أنَّ هذه الآية خطاب لمن استنفرهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلم ينفروا، وعلى هذا فلا نسخ.
قوله: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله﴾. هذا الشرط جوابه محذوف، لدلالة قوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ الله﴾ عليه، والتقدير: إلاَّ تنصروه فسينصره. وذكر الزمخشريُّ فيه وجهين:
أحدهما: ما تقدَّم. والثاني: قال «إنه أوجب له النُّصْرَة، وجعله منصوراً في ذلك الوقتِ، فلنْ يُخْذَلَ من بعده». قال أبُو حيَّان: «وهذا لا يظهرُ منه جوابُ الشَّرط؛ لأنَّ إيجابَ النصرة له أمْرٌ سبق، والماضي لا يترتَّب على المستقبل والذي يظهرُ الوجهُ الأول». وهذا إعلام من الله أنَّه المتكفلُ بنصر رسوله، وإعزاز دينه، أعانوه، أو لَمْ يُعينُوه، وأنه قد نصرهُ عند قلة الأولياءِ، وكثرة الأعداء، فكيف به اليوم وهو في كثرة من العَدَدِ والعُدَدِ.
وقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ﴾ أي: أنهم جعلوه كالمضطر إلى الخُروج من مكَّة، حين مكروا به وأرادوا تثبيته، وهمُّوا بقتله.
قوله «ثَانِيَ اثنين» منصوبٌ على الحالِ من مفعول «أخْرَجهُ» وقد تقدَّم معنى الإضافة في نحو هذا التَّركيب عند قوله: ﴿ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
وقرأت جماعة «ثَانِي اثنَيْنِ» بسكون الياء. قال أبُو الفَتْحِ: «حكاها أبو عمرو».
ووجهها أنَّ يكون سكَّن الياء تشبيهاً لها بالألفِ وبعضهم يخصُّه بالضرورة، والمعنى: هو أحد الاثنين، والاثنان أحدهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والآخر أبو بكر الصديق.
قوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الغار﴾. و «الغارُ» بيت يكون في الجبل، وهو هنا بيت في جبل ثور بمكَّة، ويجمع على «غِيران»، ومثله: «تاج وتِيجَان»، و «قاعٌ وقيعان»، والغارُ أيضاً: نَبْتٌ طيبُ الريح، والغارُ أيضاً: الجماعة والغاران: البطنُ والفرجُ. وألف «الغَارِ» عن واو.
قوله: «إِذْ يَقُولُ» بدل ثان من «إذْ» الأولى. وقال أبُو البقاءِ: أي: إذ هما في الغار، و «إذْ يَقُول» ظرفان ل «ثَانِي اثنَيْنِ».

فصل


عن ابن عمر أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لأبي بكر: «أنت صاحبي في الغارِ وصاحبِي
— 94 —
على الحَوْضِ». قال الحسينُ بن الفضل «من قال إنَّ أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله فهو كافر؛ لإنكاره نص القرآن، وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعاً لا كافراً».
فإن قيل: إنَّ الله تعالى وصف الكافر بكونه صاحباً للمؤمن في قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ﴾ [الكهف: ٣٧].
فالجوابُ: أنَّ هناك وإن وصفه بكونه صاحباً إلاَّ أنَّه أردفهُ بما يدلُّ على الإهانة والإذلال وهو قوله: «أكفرتَ» ؟ أمَّا ههنا فبعد أن وصفه بكون صاحباً ذكر بعده ما يدل على الإجلال والتعظيم وهو قوله ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ فأيّ مناسبة بين البابين؟.
روي أنَّ قريشاً لمَّا بيَّتُوا على قتل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وخرج رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأبو بكر أول الليل إلى الغار، وأمر عليّاً أن يضطجع على فراشه، ليمنعهم السواد من طلبه، جعل أبُو بكر يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، فقال له رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ما لك يا أبا بكر؟ فقال: أذكر الطلب؛ فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك؛ فلما انتهينا إلى الغار دخل أبو بكر أولاً، يلتمس ما في الغار، فقال له رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ما لك؟ فقال بأبي أنت وأمِّي، الغيرَانُ مأوى السِّباع والهوام، فإن كان فيه شيء كان بِي لا بِكَ وكان في الغارِ حجر، فوضع عقبه عليه، لئلا يخرج ما يؤذي الرسول، فلما طلب المشركون الأثر وقربوا، بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ» لا تَحْزَنْ إنَّ الله مَعَنَا «فقال أبو بكر: إن الله لمعنا، فقال الرسول» نعم «فجعل يمسح الدموع عن خدِّه، ولم يكن حزن أبي بكر جبناً منه، وإنَّما إشفاقاً على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وقال: إن أقتل فأناً رجلٌ واحدٌ، وإن قتلت هلكت الأمة.»
وروي أنَّ الله تعالى بعث حمامتين فباضتا في أسفل باب الغارِ، والعنكبوت نسجت عليه وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «اللَّهُمَّ أعْمِ أبصارهم» فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحداً.

فصل


دلَّت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه من وجوه:
أحدها: أنَّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لمَّا ذهب إلى الغار كان خائفاً من الكفار أن يقتلوه، فلولا أنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان قاطعاً بأنَّ أبا بكر من المؤمنين المحقين الصادقين الصِّيقين، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك؛ لأنه لو جوز أن يكون باطنُه بخلاف
— 95 —
ظاهره، لخافه أن يدل أعداءه عليه، أو لخافه أن يقدم هو على قتله، فلمَّا استخلصه لنفسه في تكل الحالة، دلَّ على أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان قاطعاً بأنَّ باطنه على وفق ظاهره.
وثانيها: أن الهجرة كانت بإذن الله، وكن في خدمة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جماعة من المخلصين، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول اله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، أقرب من أبي بكر، فلولا أنَّ الله تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في هذه الواقعة الصعبة، وإلاَّ لكان الظاهر ألاَّ يخصه بهذه الصُّحبة وتخصيص الله إيَّاه بهذا التشريف يدلُّ على علو منصبه في الدِّين.
وثالثها: أنَّ كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، أمَّا أبو بكر فما فارق رسول الله كغيره، ولا تخلَّف عنه كغيره، بل صبر على مؤانسته، وملازمته، وخدمته عند الخوفِ الشَّديد الذي لم يبق معه أحد، وذلك يوجب الفضل العظيم.
ورابعها: أنَّه تعالى سمَّاه: «ثَانِيَ اثْنَيْنِ» فجعله ثاني محمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في أكثر المناصب الدينية، فإنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا أرسل إلى الخلقِ وعرض الإسلام على أبي بكر فآمن؛ وذهب وعرض الإسلام على طلحة، والزبير، وعثمان، وجماعة من كبار الصحابة فآمن الكلُّ على يده، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعد أيام قلائل، فكان هو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «ثَانِي اثْنَيْن» في الدَّعوة إلى الله تعالى، وكلَّما وقف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في غزوة، كان أبو بكر يقف في خدمته، فكان «ثَانِيَ اثنين» في المواقف كلِّها، وكلما صلَّى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقف خلفه، وكلَّما جلسَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كان «ثَانِيَ اثنين» في مجلسه، ولمَّا مرض رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، قام مقامه في الإمامة، فكان «ثَانِيَ اثْنَيْنِ» ولمَّا مات دفن بجنبه، فكان «ثاني اثنين» هناك.
وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه وقال: كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية. ثم إن هذا الحكم عام في حق المؤمن والكافرن فلمَّا لم يكن هذا المعنى من الله دالاًّ على فضيلة الإنسان فلأن لا يدل من النبي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ على فضيلة الإنسان أولى؟.
والجوابُ: أنَّ هذا تعسف بارد؛ لأنَّ المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم والتدبير، وكونه مطلقاً على ضمير كل أحد، أمَّا هنا فالمراد بقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثنين﴾ تخصيصه بهذه الصِّفة في معرض التعظيم.
قوله: ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ فالضمير في «عَلَيْه» يعودُ على أبي بكر؛ لأنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان عليه السكينة دائماً، وقد تقدَّم القولُ في السكينة. والضميرُ في «أيَّدهُ» للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو إشارة إلى قصَّة بدر، وهو معطوف على قوله ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ الله﴾. وقرأ
— 96 —
مجاهد «وأيَدَه» بالتَّخفيف. و «لَمْ تَرَوْهَا» صفة ل «جُنُود».
قوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى﴾ كلمتهم: الشرك وهي السفلى إلى يوم القيامة، ﴿وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا﴾ إلى يوم القيامة. قال ابنُ عبَّاسٍ «هي قول: لا إله إلاَّ الله».
وقيل: كلمة الذين كفروا ما قدروا في أنفسهم من الكيدية، وكلمة الله: وعده أنه ناصره.
والجمهور على رفع «كَلِمة» على الابتداء، و «هي» يجوزُ أن تكون مبتدأ ثانياً، و «العُليا» خبرها، والجملة خبر الأوَّل. ويجز أن تكن «هي» فصلاً «، و» العُليا «الخبر. وقرأ يعقوب» وكلمةَ اللهِ «بالنَّصب، نسقاً على مفعولي» جعل «أي: وجعل كلمة الله هي العليا.
قال أبُو البقاء: وهو ضعيفٌ، لثلاثة أوجه:
أحدها: وضعُ الظَّاهر موضع المضمر، إذ الوجه أن يقول: وكلمته.
الثاني: أنَّ فيه دلالةً أنَّ كلمة الله كانت سُفْلَى، فصارت عليا، وليس كذلك.
الثالث: أنَّ توكيد مثل ذلك ب»
هي «بعيد، إذ القياسُ أن يكون» إياها «.
قال شهابُ الدِّين: أما الأولُ فلا ضعف فيه؛ لأنَّ القرآن ملآن من هذا النَّوعِ، وهو من أحسن ما يكون؛ لأنَّ فيه تعظيماً وتفخيماً.
وأمَّا الثاني فلا يلزمُ ما ذكر، وهو أن يكون الشَّيء المصيَّر على الضد الخاص، بل يدلُّ التَّصيير على انتقال ذلك الشيء المُصَيَّر عن صفةٍ ما إلى هذه الصفة.
وأمَّا الثالثُ ف»
هِيَ «ليست تأكيداً ألبتة، إنما هي ضمير فصل على حالها، وكيف يكونُ تأكيداً، وقد نصَّ النحويون على أنَّ المضمر لا يؤكد المظهر؟.
ثم قال: ﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: قاهر غالب» حَكِيمٌ «لا يفعل إلاَّ الصَّواب.
— 97 —

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل الحنبلي

عرض الكتاب