سورة التوبة | الآية ٣٨

عرض السورة
التَّفسير

ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
بإحلال الشهر الحرام، وتحريم شهر مكانه- تحقيق أربعة أشهر فى العام، دون التقيّد بالأشهر الأربعة المحرمة.. أي أنهم يتقيدون بها عددا، ولا يتقيدون بها ذاتا، على ما جاء به حكم الله فى بيانها بأعيانها.. والمواطأة: الموافقة، يقال واطأه على هذا الأمر، فتواطأ: أي اتفق معه فيه.
«زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ» أي أنهم اطمأنوا إلى هذا الزّيف الذي صنعوه، وساغ لهم هذا الباطل الذي جاءوا به.. والله سبحانه وتعالى يقول: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» (٨: فاطر).
«وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» أي أنه سبحانه وتعالى يخلى الكافرين وكفرهم، فلا يمنحهم هدايته، ولا يعدل بهم عن طريق الضلال الذي ركبوه، لأنهم استحبّوا العمى على الهدى، والبلاء على العافية، والكفر على الإيمان.!
الآيات: (٣٨- ٤١) [سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٨ الى ٤١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)
— 768 —
التفسير: بعد أن بينت الآيات السابقة حكم الله فى الأشهر الحرم، وموقف المشركين من حرمات الله عامة، ومن حرمة هذه الأشهر الحرم خاصة، وما ينبغى أن يكون عليه موقف المسلمين من رعاية حرمة هذه الأشهر، مع اليقظة والحذر من خيانة المشركين وغدرهم بحرمات الله، وحرمة العقود التي بينهم وبين المسلمين..
بعد هذا، جاءت هذه الآيات تستحثّ المسلمين على الجهاد فى سبيل الله، وتنكر على المترددين والمتلبّثين ترددهم وتلبثهم فى الاستجابة لدعوة الله، والنّفر إلى الجهاد فى سبيله، فى غير تراخ أو فتور، كما يقول الله سبحانه:
«انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ» الاستفهام هنا إنكارى، إذ ينكر على من آمن بالله، ولبس لباس المؤمنين به، ألّا يكون فى المجاهدين فى سبيل الله..
والنّفر إلى الحرب: السّعى إليها فى جدّ وعزم ومضاء..
وأصل المادّة من النفور، وهو الصدّ عن الشيء، ومنه قوله تعالى:
«وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً» (٦٠: الفرقان)
— 769 —
وعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى: «انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، أي فرّوا خفافا وثقالا.. ولكن الفرار من أين؟ وإلى أين؟
الفرار من حبّ الحياة، والتعلق بما للإنسان فيها من هوى إلى المال والأهل والولد.. ثم اللّجأ إلى الله، وإلى الجهاد فى سبيل الله!! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ»
(٥٠: الذاريات).
فالدعوة إلى الجهاد فى سبيل الله، الذي تحمله كلمة «الفرار» هى دعوة إلى أمرين معا:
الأول: الانخلاع من سلطان الدنيا، المستولى على النفوس، وذلك لا يكون إلا بمغالبة أهواء النفس، والوقوف منها موقف العدوّ الذي يتربص للإنسان على طريق الخير، ليحول بينه وبين الوصول إليه، فيفرّ المؤمن من دواعى الحياة الدنيا، فراره من العدوّ، الذي إن تلبّث أو فتر فى الفرار منه، هلك!! والثاني: التماس السّبل التي تخلّص الإنسان من الوقوع ليد هذا العدوّ، الذي يحول بينه وبين الخير المدعوّ إليه من قبل ربّه، وهو الجهاد فى سبيل الله.. وذلك لا يكون إلا بالفرار من وجه هذا العدوّ، واتخاذ وجهة أخرى غير الوجهة القائمة على سمته.. وتلك هى وجهة الجهاد فى سبيل الله.
وفى قوله تعالى: «اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ» كناية عمّا يستولى على الإنسان من مشاعر التحير والانهزام، حين يواجه امتحانا عسيرا، لم يكن مهيّأ له من قبل ولم يكن على نية صادقة، وعزيمة مجتمعة لخوض غماره..
وأصل «اثَّاقَلْتُمْ» تثاقلتم، فأدغمت التاء فى الثاء، لتقارب مخرجيهما، ثم جىء بهمزة الوصل، حتى لا يبدأ بحرف ساكن، الأمر الذي لا تستسغيه العربية..
— 770 —
و «التثاقل» : التباطؤ، والتحرك فى ثقل.. لأن شأن كل ثقيل أن يكون بطيء الحركة..
وفى التعبير بلفظ «التثاقل» الذي يدلّ على التصنع والادعاء، مثل «تباكى» أي ادعى البكاء، وتغافل أي ادّعى الغفلة- فى هذا ما يشير إلى أن هذا التثاقل من المتثاقلين، لا يستند إلى أسباب حقيقية تقوم فى نفس المؤمن بالله، وإنما هى تعلّات تقع فى بعض النفوس التي دخل على إيمانها شىء من الضعف والوهن.. فتتلمس المعاذير، وتصطاد الذرائع التي تثقل خطوها عن اللحاق بركب المجاهدين. وفى تعدية الفعل «اثّاقلتم» بحرف الجر «إلى» بدلا من حرف الجرّ «على» أو «فى» إذ يقال تثاقل على الأرض، أو تثاقل فى الأرض- فى هذه التعدية بإلى كما جاء عليه النظم القرآنى، ما يحقق أمرين:
أولهما: إشارة إلى أن هؤلاء المتثاقلين إنما ينحدرون انحدارا إلى الأرض، ويهوون هويّا من عل إليها.. وذلك لأنهم وهم المؤمنون بالله، هم بهذا الإيمان فى مستوى عال فى هذه الحياة التي يحياها الناس.. وأنهم وهذا شأنهم، ينبغى أن تكون وجهتهم دائما إلى السماء، وأن يكون متعلّقهم بها، وآمالهم فيها..
وأن تلفّتهم إلى الأرض، وانحدارهم إليها، هو رجعة إلى الوراء، ونكوص على الأعقاب..
وثانى الأمرين: أن التثاقل إلى الأرض يفيد الاختلاط بها، والامتزاج بترابها.. وأن هذا الإنسان المؤمن الذي كان يحلّق بإيمانه فوق هذا العالم الترابي، قد أصبح بهذا التثاقل فى عداد هذه الكائنات التي تدبّ على الأرض، من هوامّ وحشرات! ومن هذه الصورة التي ترتسم للمؤمن من كلمة «اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ» ما يريه المصير الذي هو صائر إليه، إن هو أمسك بنفسه مع هؤلاء المتثاقلين على
— 771 —
الأرض، حين يدعو داعى الحق: أن حىّ على الجهاد فى سبيل الله..
وفى قوله تعالى: «أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ» إنكار على هؤلاء الذين يفاضلون بين الحياة الدنيا والآخرة، بل ويفضّلون الحياة الدنيا على الآخرة، بعد أن رأوا بأعينهم ما انكشف لهم من قوله تعالى: «اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ..»
فذلك غبن فاحش لا يرضاه عاقل لنفسه، ولا يصبر عليه لحظة، إن هو وقع فيه.
ثم يجىء قوله تعالى: «فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ» حقيقة كاشفة مقررّة، يجدها بين يديه من لم ينكشف لبصره أو لبصيرته ما حملت من كلمات الله إليه من عرض هذا الوضع السيء الذي هو فيه من تثاقل إلى الأرض، ومن إيثار الحياة الدنيا على الآخرة، وما على هذه الأرض على ما فى السماء! يجىء بعد هذا قوله تعالى: «إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» - يجىء حاملا مقارع من حديد، يوقظ بها هؤلاء النيام الذين لا توقظهم العبرة ولا الموعظة الحسنة..
إنهم إن لم ينتزعوا أنفسهم من هذه الأرض التي لصقوا بها، وإن لم يخفّوا إلى القتال مسرعين، أخذهم الله بعذابه، وأنزلهم منازل الهوان والنقمة، وأقام مقامهم قوما آخرين، يجاهدون فى سبيل الله، ويأخذون هذا المقام الكريم الذي كان مهيأ لهم من قبل، فتخلّوا عنهم مختارين، حين تثاقلوا عن الجهاد، واستحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة.. وإنهم بهذا قد أوقعوا الضرر بأنفسهم، وأخذوا الطريق المؤدّى بهم إلى الهلاك، ولن يضروا الله شيئا.. فإن الله- سبحانه- غنىّ عن العالمين.. وإن له- سبحانه- أولياء كثيرين، ينصرون دينه، ويجاهدون فى سبيله: «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» (٣٨: محمد).
فتلك هى سنّة الله فى عباده «لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ»
— 772 —
فهناك منحرفون ضالون يتحولون إلى طريق الحق والإيمان.. وهناك مستقيمون مؤمنون ينحرفون إلى طريق الغواية والضلال.. وذلك ليظل الناس فى حركة، وعمل.. فمن كان على طريق الحق والتقوى، كان عليه- لكى يحتفظ بمكانه على هذا الطريق- أن يحرس نفسه من أهوائها ونزعاتها ووساوس الشيطان لها.. ومن كان على شعاب الظلام والضلال، كان له- إذا شاء- أن يتحول إلى طريق النور والهدى.. «وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».. ومن مظاهر قدرته، هذه الغير التي تقع بالناس، فتنقلهم من حال إلى حال، ومن أسفل إلى أعلا، ومن أعلا إلى أسفل.. فليحذر الإنسان- وخاصة إذا كان على الإيمان- أن يأخذ اتجاها منحرفا عما يدعوه إليه الإيمان.. فإن ذلك من شأنه أن يعرضه للخروج من الإيمان آخر الأمر، وليذكر دائما قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ».
قوله تعالى: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».
فى هذه الآية الكريمة أمور:
أولا: صلتها بالآيات التي قبلها.. حيث تبدو الصلة غير واضحة فى ظاهر الأمر بين هذه الآية، وما جاءت به الآيات قبلها من مقررات وأحكام..
والذي يمعن النظر فى الآية الكريمة يرى أنها تطبيق مؤسس على مقررات الآيات السابقة، حيث جاء فى قوله تعالى: «إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».. فقد قررت هذه الآية فيما قررت، أن الله إذا أراد نفاذ أمر فلن تقف دونه قوة فى هذا
— 773 —
الوجود، وأنه- سبحانه- قد أراد إعزاز دينه، وإظهاره على الدين كلّه، وأن المجاهدين الذين يجاهدون فى سبيل الله ما هم إلا أدوات عاملة فى مجال تلك الإرادة التي أرادها الله، ليكتب لهم عند الله الأجر العظيم، والمثوبة والرضوان، وأن إرادة نافذة على أي حال..
وفى قوله تعالى:
«إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ» شاهد قائم، رآه المسلمون رأى العين.. وهو أن الله قد نصر النبىّ الكريم، وخلّصه من يد المشركين الذين كانوا له بمرصد، على كل ثنيّة، وعلى كل طريقولم يكن مع النبىّ الكريم قوّة ظاهرة، لم يكن إلا هو وصاحبه أبو بكر.. وكانا أعزلين من كل سلاح، إلا سلاح الإيمان الذي يملأ قلبيهما، مجرّدين من كل قوة، إلا قوة الحقّ الذي فى يديهما، محرومين من كل نصير، إلا عون الله لهما، وحراسته القائمة عليهما.
ثانيا: لم يذكر النبىّ الكريم ذكرا صريحا، وإنما جاءت الإشارة إليه مضمرة فى ضمير الغائب.. هكذا «إِلَّا تَنْصُرُوهُ»..
وفى هذا إشارة مضيئة تشير إلى النبي الكريم، وتحيطه بهالة من نور ربانىّ، بحيث تشخص الأبصار كلّها إلى هذا النور العلوىّ الذي يفاض على النبىّ، ويحفّ به.. فليس هناك من تخلّى عنه الأنصار والأعوان- فى هذا الموقف بالذات- غير النبىّ، وليس هناك أيضا من أحاطت به العناية الربانية، وحفّت به أمداد العون والنصر الإلهي- فى هذا الموطن بالذات أيضا- غير النبىّ.. فكانت الإشارة إليه- فى هذا الموقف بالذات- مغنية عن كل ذكر، وكانت الإماءة إليه أبلغ من كل تصريح..
ثالثا: لم يذكر اسم الصاحب الذي صحب النبىّ فى هذه الحال، بل جاء
— 774 —
على النسق الذي جاء عليه ذكر النبىّ.. «إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا»..
وفى هذا تشريف لمقام أبى بكر- رضوان الله عليه- وتمجيد لتلك الصحبة المباركة، التي جعلت منه صاحب نبىّ، ورفيق رسول، يأخذ بنصيب طيّب من رعاية الله لنبيّه، ويستظل بما استظل به النبىّ من نصر الله وتأييده.
وأبو بكر فى هذا المقام هو القوة المادية الظاهرة، من الإنسانية كلها، التي كانت تسند النبىّ، وتشدّ أزره، وتؤنس وحدته، وتقتسم الضّراء- بل قل السّرّاء- معه! فقد كان النبىّ صلى الله عليه وسلم- فى هذا الموقف- جبهة يحاربها الشرك كلّه، ويكيد لها المشركون كلّهم.. وكان أبو بكر رضوان الله عليه، هو وحده كلمة الحقّ، والإيمان، التي أراد الله سبحانه وتعالى لها هذا المقام الكريم، إلى جانب النبىّ الكريم..
وإنه بحسب أبى بكر- رضوان الله عليه- من التكريم والتشريف أن يكون اليد الأخرى المباركة التي تحمل مع النبي الكريم رسالة السماء، ودعوة الحق، إلى حيث أراد الله لها أن تطلع بنورها، وتمنح الناس ما فيها من هدى ورحمة، وأمن وسلام..
ثالثا: فى قوله تعالى: «فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».
عاد الحديث عن النبي وحده، بضمير المفرد «فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها»... كما بدأ الحديث عنه وحده: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ».
— 775 —
وعدم ذكر أبى بكر فى هذين المقامين- البدء والختام- لا ينقص من قدر أبى بكر، ولا يزحزحه عن مقامه الكريم، الذي رفعه الله سبحانه وتعالى إليه بقوله: «إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا».. إذ لا شك أن الموقف هو موقف الرسول، وأن الرسالة هو صاحبها، والمدعوّ إليها من ربه، وإنه ليكفى أبا بكر شرفا أن ينفرد بهذا المقام الكريم، فيكون للنبىّ ردءا وعضدا، فى وقت كان النبىّ الكريم يواجه فيه وحده المشركين جميعا..
والسكينة، هى الطمأنينة التي تحلّ بالقلب، فيجد الإنسان المكروب ريح الأمن، وبرد السلامة والعافية.. وهى مأخوذة من السكون، أو السكن، بمعنى القرار.. «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها».. هى قوى من قوى الحق، أمدّه الله بها، فكانت عينا تحرسه، ويدا تردّ من يريد السّوء به..
وفى التعبير عن حلول السكينة قلب النبىّ بإنزالها عليه، إشارة إلى أنها منزلة من السماء، وأنها من قوى الحقّ التي أمدّ الله نبيّه بها، وليست من القوى التي يملكها الناس، ويستندون إليها..
«وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى» أي أن الله أبطل كيدهم، وأفسد تدبيرهم.. والمراد بالكلمة هنا، الحال والشأن والأمر.. بمعنى أن المشركين وقد فوّت الله عليهم ما أرادوا بالنبيّ من سوء، وأبطل ما دبروا من كيد، وما بيّتوا له من عدوان.. فإن ذلك يحدّث عن ضعفهم وهوانهم، أمام تلك القوة القادرة القاهرة.. وإذا كانت الكلمة تعبيرا عن إرادة المتكلم بها، وتصويرا لمشيئته التي يريد إمضاءها، فإن إنفاذ هذه الإرادة، وإمضاء تلك المشيئة، إنما يكون بحسب ما عند المتكلم من رصيد من القوى التي يحشدها وراء كلمته، ليقيم لها مكانا فى عالم الواقع المحقق.. وإنه حين تبطل الكلمة، ولا تجد لها مكانا فى الواقع المحقق، يكون ذلك دليلا قائما على ضعف صاحبها،
— 776 —
وسقوط همته.. وأن كلماته التي ينطق بها ليست إلا أصواتا ضائعة فى الهواء!.
وفى التعبير عن كلمة الله بالعلوّ، إشارة إلى أن كلمات الله سبحانه، هى فى المكان المتمكن، الذي تستولى به على كل شىء، بحيث لا تقف لها قوة، ولا يحول دونها حائل..
وفى وضع ضمير الفصل «هى» بين المبتدأ والخبر فى قوله سبحانه:
«وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا» إشارة أخرى إلى كلمة الله، وإلى تحقيقها، وإفرادها بهذه المنزلة دون غيرها من الكلام البشرى على أي مستوى.. فهى وحدها هى العليا، المتفردة بهذا المقام المتمكن من العلوّ..
ولهذا جاء بعدها الوصف المناسب لله سبحانه وتعالى، صاحب هذه الكلمة: «وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».. فهو العزيز الذي لا عزة لأحد مع عزّته، وهو الحكيم الذي- مع ماله من عزّة مطلقة، ومن سلطان لا ينازع- يضع الأمور مواضعها القائمة على ميزان الحكمة والعدل والإحسان..
أما هؤلاء المشركون، الذين يستشعرون العزّة والقوة من أنفسهم على غيرهم من الضعفاء، فإن عزّتهم عزة غاشمة جهولة، وقوتهم قوة عمياء حمقاء، تضرب بغير حساب، ولا تقدير! والغار الذي تشير إليه الآية الكريمة، هو غار ثور، فى أعلى جبل يقال له جبل ثور، على مسيرة ساعة من مكة، على يمين المتجه إلى المدينة.
قوله تعالى: «انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ».
— 777 —
هو دعوة عامة للمسلمين جميعا إلى الجهاد فى سبيل الله، حين تدعو دواعيه وتقوم أسبابه.
والخفاف: جمع خفيف، وهو الذي لا يعوّقه عن النّفر إلى الجهاد معوّق، مادىّ، أو نفسىّ، كالاشتغال بالحياة، وتثمير المال، ومعالجة التجارة، أو الزراعة ونحوها، أو كالحرص على الحياة، والخوف من الموت، أو الاستثقال لأعباء السّفر، ومشقّه الانتقال، والتعرض لمتاعب الطريق، وما يتعرض له المسافر من حر أو برد، أو جوع أو ظمأ..
والثقال: جمع ثقيل، وهو الذي تعرض له تلك العوارض التي تثقله، وتوهن عزمه على الجهاد، وتثقل خطوه فى السعى إليه..
والأمر بالنفر إلى الجهاد موجّه إلى الخفاف والثقال جميعا، من القادرين على حمل السلاح.. وليست هذه العوارض المادية أو المعنوية التي تعرض للمسلم بالتي تعفيه من أن يكون فى جبهة القتال مع إخوانه المجاهدين فى سبيل الله..
فهو آثم، خارج على أمر الله، إن هو لم يأخذ مكانه، ويؤدى الواجب المدعوّ إليه..
وفى قوله تعالى: «وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» توكيد لهذا الأمر بالنفرة إلى الجهاد.. لا بالنفس وحسب، بل وبالمال أيضا لمن يملك المال..
وقدّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، لأن المال عند من يحرص على المال، أحبّ إليه من نفسه، وهو القوة الغالبة التي تثقل الإنسان وتبطّئه عن الجهاد.
فإذا سخا بالمال، وبذله فى سبيل الله، خفّت نفسه إلى الجهاد، وانطلق من القيد الذي كان يمسك به عن أن يكون فى المجاهدين..
— 778 —
أمّا من لا يقدر على القتال، لمرض، أو شيخوخة، أو نحو هذا، فإنه وإن رفع الله عنه الحرج إذا لم يجاهد بنفسه، فإن الحرج قائم عليه إذا هو لم يجاهد بماله، إن كان له مال.. فإذا بذل المال، وأمدّ به المجاهدين، كان مجاهدا، وحسب فى المجاهدين..
وفى الحديث الشريف: «من جهّز غازيا فقد غزا».
فليس لمسلم- أيّا كان حاله ووضعه فى المجتمع- أن يتخلّف عن الجهاد فى سبيل الله، فلكل إنسان مكانه فى المعركة.. إذ ليست المعركة معركة سيف وحسب، بل هى معركة، سلاح، وعتاد، ومئونة.. بل هى قبل ذلك كله معركة مشاعر وأحاسيس، بمعنى أن الأمة كلها ينبغى أن تكون فى مواجهة المعركة على شعور واحد، ينتظم جميع أفرادها، هو شعور مواجهة العدوّ، والتصدّى له، وطلب الغلب عليه.. فهذا الشعور هو الذي يجعل الأمة الإسلامية كلها جيشا واحدا يحمل السلاح، ويضرب فى وجه العدو..
ومناسبة هذا الآية لما قبلها أنها أشبه بالتطبيق العملي لما تكشف عنه الآيات السابقة من نصر الله سبحانه وتعالى لنبيّه الكريم، وأن من كان من حزب الله فلن يغلب أبدا، ولو كان وحده.. فليأخذ المسلمون مكانهم فى الجهاد فى سبيل الله، فيكونوا من حزب الله.
هذا، ويلاحظ أن هذه الدعوة المشدّدة إلى القتال، واستنفار المسلمين جميعا للجهاد فى سبيل الله، إنما كانت إرهاصا بدعوة المسلمين إلى ابتلاء جديد، بلقاء عدو جديد، فى وطن جديد.. وذلك فى غزوة تبوك التي كانت آخر غزوة غزاها النبىّ.. كما سنعرض لها فيما بعد.. إن شاء الله..
— 779 —

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

عرض الكتاب