قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يعني: إلى يوم القيامة ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ لقوله: ﴿لَئِن آتانا الله﴾ يعني: أعطاني الله، لَأَصَّدَّقَنَّ ولأَفْعَلَنَّ. ثم لم يفعل١
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قوله: ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾ حين قالوا: لَنَصَّدَّقَنَّ. فلم يفعلوا١٢
٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾، فسُمِّي منافقًا بغير جحودٍ بالله ورسوله، ولا شَكٍّ فيهما، ولا في شيء مِمّا جاء به، ولكن بخلفه وكذبه١٢
آثار متعلقة بالآية
٣ أقوال
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿بما أخلفُوا الله ما وعدوهُ وبما كانوا يكذبون﴾، قال: اجْتَنِبُوا الكَذِبَ؛ فإنّه بابٌ مِن النِّفاق، وعليكم بالصِّدق؛ فإنّه بابٌ مِن الإيمان. وذُكر لنا: أنّ نبيَّ الله ﷺ حدَّث: «أنّ موسى لَمّا جاء بالتوراة بني إسرائيل؛ قالت بنو إسرائيلَ: إنّ التوراة كثيرةٌ، وإنّا لا نفرغ لها، فسلْ لنا جِماعًا مِن الأمر نُحافِظْ عليه، ونتفرَّغ لمعايِشنا. قال: مهلًا مهلًا، أي قومِ، هذا كتابُ الله، وبيانُ الله، ونورُ الله، وعصمةُ الله. فردُّوا عليه مِثْلَ مقالتهم، فعلَ ذلك ثلاث مراتٍ، فقال الربُّ -تبارك وتعالى-: فإنِّي آمُرُهم بثلاثٍ، إن هم حافظوا عليهنَّ دخلوا الجنة بهنَّ؛ أن يتناهوا إلى قسمة مواريثهم ولا يتظالموا فيها، وألّا يُدْخِلوا أبصارهم البيوت حتى يؤذن لهم، وألّا يُطْعِموا طعامًا حتى يتوضئوا كوضوء الصلاةِ. فرجع موسى إلى قومه بِهِنَّ، ففرِحوا، ورأوْا أن سيقومون بهنَّ، فواللهِ، إن لَبِثَ القومُ إلّا قليلًا حتى جَنَحوا، فانقطع بهم». فلمّا حدَّث نبيُّ الله ﷺ هذا عن بني إسرائيل قال: «تكفَّلُوا لي بسِتٍّ أتكفَّل لكم بالجنةِ: إذا حدَّثتم فلا تكْذِبوا، وإذا وعدتم فلا تُخْلِفوا، وإذا ائْتُمِنتُم فلا تخونوا، وغُضُّوا أبصاركم، وكفُّوا أيْديَكم، وفرُوجكم». قال قتادةُ: شِدادٌ -واللهِ- إلا مَن عَصَم اللهُ١
٢
عن معتمر بن سليمان التيمي، يقول: ركِبْتُ البحرَ، فأصابنا ريحٌ شديدة، فنذر قومٌ مِنّا نذورًا، ونَوَيْتُ أنا، لم أتكلم به. فلما قدِمت البصرةَ سألت أبي سليمان، فقال لي: يا بُنَيَّ، فِ به١
٣
عن هارون بن رِئاب، عن عبد الله بن عمرو بن وائل أنّه لَمّا حضرته الوفاةُ قال: إنّ فلانًا خطب إلَيَّ ابنتي، وإنِّي كنتُ قلتُ له فيها قولًا شبيهًا بالعِدَة، واللهِ، لا ألقى اللهَ بثُلُث النفاق، وأُشْهِدُكم أنِّي قد زَوَّجْتُه١
نزول الآيات
١٠ أقوال
١
عن الحسن البصري -من طريق عمرو بن عبيد- ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله﴾ الآية: وكان الذي عاهد الله منهم ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، هما من بني عمرو بن عوف١
٢
عن الحسن البصري: أنّ رجلًا مِن الأنصار هو الذي قال هذا، فمات ابنُ عمٍّ له، فوَرِث منه مالًا، فبخِل به، ولم يَفِ اللهَ بما عاهد عليه، فأعْقَبَه بذلك نفاقًا إلى أن يلقاه. قال: ذلك ﴿بما أخلفُوا الله ما وعدُوهُ وبما كانوا يكذبون﴾١
٣
عن الحسن البصري -من طريق محمد المُحْرِمُ- يقول: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث مَن كُنَّ فيه فهو منافق، وإن صلى وصام وزعم أنّه مُسلِم: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤْتُمِن خان». فقلت للحسن: يا أبا سعيد، لَئِن كان لِرجل عَلَيَّ دَيْنٌ فلَقِيَني، فتقاضاني وليس عندي، وخفت أن يحبسني ويهلكني، فوعدته أن أقضيه رأس الهلال، فلم أفعل، أمنافق أنا؟ قال: هكذا جاء الحديث. ثم حدّث عن عبد الله بن عمرو أنّ أباه لَمّا حضره الموت قال: زوِّجوا فلانًا؛ فإنِّي وعدته أن أُزَوِّجه، لا ألقى اللهَ بثلث النفاق. قال: قلت: يا أبا سعيد، ويكون ثُلُثُ الرجلِ منافقًا، وثلثاه مؤمن؟ قال: هكذا جاء الحديث. قال: فحججتُ فلقيت عطاء بن أبي رباح، فأخبرته الحديث الذي سمعتُه من الحسن، وبالذي قلتُ له وقال لي، فقال لي: أعجزت أن تقول له: أخبرني عن إخوة يوسف عليه السلام، ألم يعدوا أباهم فأخلفوه، وحدثوه فكذبوا، وأْتَمَنهم فخانوه، أفمنافقين كانوا؟ ألم يكونوا أنبياء، أبوهم نبيٌّ وجدُّهم نبيٌّ؟ قال: فقلتُ لعطاء: يا أبا محمد، حدثني بأصل النفاق، وبأصل هذا الحديث، فقال: حدثني جابر بن عبد الله: أنّ رسول الله ﷺ إنّما قال هذا الحديث في المنافقين خاصَّةً الذَّين حدثوا النبي فكذَّبوه، وأتمنهم على سِرِّه فخانوه، ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه. قال: وخرج أبو سفيان من مكة، فأتى جبريلُ النبيَّ ﷺ، فقال: إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فقال النبيُّ ﷺ لأصحابه: «إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا». قال: فكتب رجلٌ من المنافقين إليه: أنّ محمدًا يريدكم، فخذوا حِذْرَكم. فأنزل الله: ﴿لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ [الأنفال:٢٧]. وأنزل في المنافقين: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله﴾ إلى ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾. فإذا لقيت الحسن فأَقْرِئْه السلامَ، وأخبِره بأصل هذا الحديث وبما قلتُ لك، قال: فقدِمت على الحسن، فقلت: يا أبا سعيد، إنّ أخاك عطاء يُقرِئك السلام. فأخبرتُه بالحديث الذي حَدَث، وما قال لي. فأخذ الحسن بيدي، فأشالها، وقال: يا أهل العراق، أعجزتم أن تكونوا مثل هذا؟ سمع مِنِّي حديثًا فلم يقبله حتى استنبط أصلَه، صدق عطاء، هكذا الحديث، وهذا في المنافقين خاصة١٢
٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾، قال: ذُكِر لنا: أنّ رجلًا من الأنصار أتى على مجلسٍ للأنصار، فقال: لَئِن آتاه الله مالًا لَيُؤْتِيَنَّ كُلَّ ذي حقٍّ حقَّه. فآتاه الله مالًا، فصنع فيه ما يسمعون: ﴿فلما آتاهم من فضله بخلوا﴾ إلى قوله: ﴿وبما كانوا يكذبون﴾١
٥
قال محمد بن السائب الكلبي: نزلت في حاطِب بن أبي ثعلبة، كان له مالٌ بالشام، [فأبطأ عليه] فجُهِدَ لذلك جَهْدًا شديدًا، فحلف بالله: لَئِن آتانا الله من فضله -من رزقه، يعني: المال الذي بالشام- لأَصَّدَّقَنَّ منه، ولَأَصِلَنَّ، ولآتِيَنَّ حقَّ الله منه. فآتاه الله ذلك المال، فلم يفعل ما قال؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿ومنهم من عاهد الله﴾١
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومِنهُمْ مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾... ، وذلك أنّ مولًى لعمر بن الخطاب قَتَل رجلًا مِن المنافقين خطأً، وكان حمِيمًا لحاطب، فدفع النبيُّ ﷺ دَيْنه١ إلى ثعلبة بن حاطب، فبَخِل، ومنع حقَّ الله، وكان المقتول قرابة بن٢ ثعلبة بن حاطب٣
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿ومنهُم من عاهد الله لئنْ آتانا من فضله لنصَّدقَنَّ ولنكونَنَّ من الصالحين﴾: وذلك أنّ رجلًا -كان يُقال له: ثعلبةُ- من الأنصار أتى مجلِسًا، فأَشْهَدهم، فقال: لَئِن آتاني اللهُ مِن فضله آتيتُ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وتصَدَّقْتُ منه، ووصَلْتُ منه للقرابة. فابتلاه اللهُ، فآتاه من فضله، فأخلف ما وعده، فأغضب اللهَ بما أخلفه ما وعده، فقصَّ اللهُ شأنه في القرآن١
٨
عن أبي أُمامة الباهليِّ، قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطِبٍ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرزقني مالًا. قال: «ويحك، يا ثعلبةُ، قليلٌ تُؤَدِّي شُكْرَه خيرٌ مِن كثيرٍ لا تُطِيقُه». قال: يا رسول الله، ادعُ اللهَ أن يرزقني مالًا. قال: «ويحك، يا ثعلبةُ، قليلٌ تُؤَدِّي شُكْرَه خيرٌ مِن كثيرٍ لا تُطِيقُه». قال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرزقني مالًا. قال: «ويحك، يا ثعلبة، أما تُحِبُّ أن تكون مثلي! فلو شِئْتُ أن يُسَيِّر ربي هذه الجبالَ معي ذَهَبًا لَسارَتْ». قال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرزقني مالًا، فوالَّذي بعثك بالحقِّ، إنْ آتاني اللهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذي حقَّ حقَّه. قال: «ويحك، يا ثعلبةُ، قليلٌ تُؤَدِّي شُكْرَه خيرٌ مِن كثيرٍ لا تُطِيقُه». فقال: يا رسول الله، ادعُ الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ، ارزقْه مالًا». فاتَّخذ أو اشْترى غنمًا، فبُورِك له فيها، ونمتْ كما ينمو الدُّود، حتى ضاقت به المدينةُ، فتنحّى بها، فكان يشهد الصلاة بالنهارِ مع رسول الله ﷺ ولا يشهدُها بالليل، ثُمَّ نَمَتْ كما ينمو الدودُ، فتنحّى بها، فكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار، إلا مِن جمعة إلى جمعة مع رسول الله ﷺ، ثُمَّ نَمَتْ كما ينمو الدُّود، فضاق به مكانُه، فتنحّى به، فكان لا يشهدُ جمعةً ولا جنازةً مع رسول الله ﷺ، فجعل يتلقّى الرُّكبان ويسألهم عن الأخبار، وفقده رسول الله ﷺ، فسأل عنه، فأخبروه أن اشترى غنمًا، وأنّ المدينة ضاقَت به، وأخبروه خبرَه، فقال رسول الله ﷺ: «ويْح ثعلبة بن حاطب». ثم إنّ الله تعالى أمرَ رسولَه ﷺ أن يأخُذ الصَّدقات، وأنزل اللهُ عز وجل: ﴿خُذْ مِن أموالهم صدقةً﴾ الآية. فبعث رسولُ الله ﷺ رجُلين؛ رجلًا مِن جُهينةَ، ورجلًا من بني سلمة، يأْخذانِ الصدقةَ، وكتب لهما أسْنان الإبل والغنمِ، كيف يَأخذانِها على وجهها، وأمرهما أن يَمُرّا على ثعلبة بن حاطب وبرجُل مِن بني سُلَيْم، فخرجا، فمَرّا بثعلبة، فسألاه الصدقة، فقال: أرياني كتابكما. فنظر فيه، فقال: ما هذا إلا جِزْيَةٌ، انطلِقا حتى تفرُغا، ثم مُرّا بي. قال: فانطلقا، وسمع بهما السُّلَمِيُّ فاستقبلهما بخيارِ إبله، فقالا: إنّما عليك دون هذا. فقال: ما كنت أتقرَّب إلى الله إلّا بخير مالي. فقَبِلا، فلمّا فَرَغا مرّا بثعلبة، فقال: أرِياني كتابَكما. فنظر فيه، فقال: ما هذا إلا جزيةٌ، انطلِقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى قدما المدينة، فلمّا رآهما رسولُ الله ﷺ قال قبْل أن يُكلمهما: «ويْح ثعلبة بن حاطبٍ». ودعا للسُّلَمِيِّ بالبركة، وأنزل اللهُ: ﴿ومنهم من عاهد الله لئنْ آتانا من فضله لنصَّدقن﴾ الثلاث آياتٍ. قال: فسمع بعضٌ مِن أقارب ثعلبة، فأتى ثعلبةَ، فقال: ويحك، يا ثعلبةُ، أنزلَ الله فيك كذا وكذا. قال: فقدم ثعلبة على رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، هذه صدقة مالي. فقال رسولُ الله ﷺ: «إنّ الله قد منعني أن أقبل منك». قال: فجعل يبكي، ويَحْثِي الترابَ على رأسه، فقال رسول الله ﷺ: «هذا عملُك بنفسك، أمرتك فلَمْ تُطِعْنِي». فلم يقبل منه رسولُ الله ﷺ حتى مضى، ثم أتى أبا بكرٍ، فقال: يا أبا بكرٍ، اقبل مِنِّي صدقتي، فقد عرفتَ منزلتي مِن الأنصار. فقال أبو بكر: لم يقبلْها رسول الله ﷺ، وأقبلها! فلم يقبلها أبو بكرٍ، ثم ولي عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه فأتاه، فقال: يا أبا حفص، يا أمير المؤمنين، اقبلْ مِنِّي صدقتي. وتثقَّل عليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج رسول الله ﷺ، فقال عمرُ: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكرٍ، أقبلها أنا! فأبى أن يقبلها، ثم ولي عثمانُ، فهلك في خلافة عثمان، وفيه نزلتْ: ﴿الذين يلمزون المطَّوعين من المؤمنينَ في الصَّدقات﴾. قال: وذلك في الصدقة١
٩
قال سعيد بن جبير: أتى ثعلبةُ مجلسًا من الأنصار، فأَشْهَدهم: لَئِن آتاني اللهُ من فضله آتيتُ منه كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وتصدَّقت منه، ووَصَلْتُ الرَّحِم، وأحسنت إلى القرابة. فمات ابنُ عمٍّ له، فوَرَّثه مالًا، فلم يَفِ بما قال؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية١
١٠
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله﴾: رجلان خرجا على ملإٍ قُعُود، فقالا: واللهِ، لئن رزقنا الله لَنَصَّدَّقَنَّ. فلمّا رزقهم بخلوا به، فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه حين قالوا: لَنَصَّدَّقَنَّ. فلم يفعلوا١