سورة التوبة | الآية ٨٠

عرض السورة
التَّفسير

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ

التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
تفسير القرآن
الصنعاني
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير النسائي
النسائي
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ».
وانظر كيف جاء النظم القرآنى بقوله تعالى «وَما نَقَمُوا» ليكشف بذلك عما بلغه القوم من سفه وضلال، حتى إنهم ليجدون فى النعم التي بفضل الله سبحانه وتعالى عليهم بها، ما يحرك فى نفوسهم داعية الانتقام ممن أنعم عليهم، حتى لكأن هذه النعم شرّا قد سيق إليهم، وبلاء وقع بهم.. وهذا هو فى الواقع ما لنعم الله عندهم.. إنها لا تلبث حتى تتحول فى أيديهم إلى أسلحة مهلكة..
قوله تعالى: «فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ»..
هو تنبيه لهؤلاء الضالّين، وإشارة مضيئة تطلع فى ليلهم المطبق عليهم، رجاء أن يتوبوا إلى الله، ويستقيموا على طريق الحقّ، فإن فعلوا رشدوا وأمنوا، وإن أبوا، ضلوا وهلكوا، وأخذهم الله بالعذاب الأليم فى الدنيا، بما يصيبهم على يد المؤمنين من خزى وبلاء، وبعذاب السعير فى الآخرة، حيث لا ولىّ لهم، ولا نصير، يردّ عنهم بأس الله الواقع بهم.
الآيات: (٧٥- ٨٠) [سورة التوبة (٩) : الآيات ٧٥ الى ٨٠]
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠)
— 848 —
التفسير: هذا صنف آخر من أصناف المنافقين، ووجه كريه من وجوه النفاق.. يكشف عنه- اقوله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ».
إن هذا الصنف من المنافقين، يلقى الله فى حال العسر والضيق، مستكينا مستسلما، ويبسط إليه يده، ضارعا طامعا، يتمنى على الله أن يبسط له فى الرزق، وأن يملأ يديه من المال، وأنه إذا استجاب الله له فيما طلب، بسط يده بالعطاء والإنفاق فى وجوه الخير، وشغل قلبه ولسانه بالحمد والشكران لله ربّ العالمين..
هذا موقف من مواقف المنافقين مع الله.. حين يمسّهم الضرّ، وينزل بهم العوز، ويصيبهم الفقر..
فماذا يكون منهم إذا كشف الله ما بهم من ضرّ، وصرف عنهم العوز والفقر، ووسع لهم فى الرزق، وأفاء عليهم من فضله؟.
— 849 —
هنا يغلب عليهم طبعهم اللئيم، فإذا هم على طريق النفاق، ينقضون العهد الذي عقدوه مع الله، ويتحلّلون من الوفاء به! «فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به» أي ضنّوا بهذا الفضل الذي هو من عند الله، على الإنفاق منه فى سبيل الله.
«وتولّوا وهم معرضون» أي نكصوا على أعقابهم، وأعرضوا عن الحق الذي لزمهم.
«فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ» أي تبعهم النفاق، وركب معهم الطريق الذي ركبوه، مبعدين عن الله، مطرودين من رحمته «إلى يوم يلقونه» أي سيصحبهم هذا النفاق إلى يوم القيامة، حيث يطلع عليهم هذا النفاق بوجهه الكريه، ليقف معهم بين يدى الله، وليكون شاهد إدانتهم، ورفيق طريقهم إلى عذاب السعير «بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ» أي هذا النفاق الذي لبسهم، واشتمل عليهم، وأصبح بعضا منهم، هو الثمرة الخبيثة التي أثمرها إخلافهم وعدهم لله، وقولهم بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم، وهم يحسبون أن الله- سبحانه- محدود القدرة، محدود العلم، وأنه إذا لم يشهد شهود عيان هذا العهد الذي عاهدوه عليه، لم تقم عليهم حجة، وكان لهم أن يمكروا به، وينكروا العهد الذي أعطوه من أنفسهم له؟.
وهذا عدوان على الله، أوقعهم فيه سوء فهمهم وتقديرهم لجلال الله، وعظمته، وقدرته وعلمه.. ولهذا أنكر الله عليهم سوء ظنهم به، وخطأ تصورهم لكمال صفاته، فقال سبحانه: «أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ».. ولو أنهم علموا هذا واستيقنوه، لما كان منهم هذا الظنّ السيّء، الذي زيّن لهم التحلّل ممّا عاهدوا الله عليه، فيما حكاه القرآن عنهم من قولهم: «لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ»..
— 850 —
والسرّ: ما أسرّه الإنسان فى نفسه ولم يطلع عليه غيره، والنجوى:
ما ناجى به غيره من حديث، وأفضى به إليه فى سر.. وأصل النجوى، والنجوة: المكان المرتفع الظاهر للعيان.
ويذكر المفسّرون فى سبب نزول هذه الآيات، أن أحد أصحاب رسول الله، واسمه ثعلبة بن حاطب، كان من فقراء المسلمين، وممن يلزمون الجماعة والجمعة فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حدثته نفسه أنه لو كان من الموسرين لأرضى الله ورسوله بما ينفق فى سبيل الله، ولما فاته هذا الفضل الذي سبقه إليه أولئك الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله.. فقال يا رسول الله: ادع الله أن يرزقنى مالا!. فقال له رسول الله ﷺ «يا ثعلبة.. قليل تؤدّى شكره خير من كثير لا تطيقه. أمالك فى رسول الله أسوة؟» ثم عاد إلى النبي يسأله أن يدعو الله له أن يرزقه مالا، وأن لو استجاب الله له ورزقه المال الذي يطلب، لأعطى كل ذى حق حقه من هذا المال.. فقال الرسول- صلوات الله وسلامه عليه-: «اللهم ارزق ثعلبة مالا..»
قالوا: وقد رزق ثعلبة مالا كثيرا.. وكان ماله من الغنم، فتكاثر ونما حتى ضاقت به المدينة، فخرج إلى البادية، وشغله ذلك عن حضور الجماعة والجمعة فى مسجد رسول الله، وتفقّده رسول الله ﷺ فلم يجده فى أصحاب الجماعة والجمعة، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا ويح ثعلبة!» ثم بعث رسول الله ﷺ عمّال الصدقة ليأخذوها من أهلها، فلما جاء عامل الصدقة إلى ثعلبة، وعرف القدر المطلوب منه للصدقة استكثره، وأنكره وقال: ما هذه الصدقة، بل هى الجزية أو ردّ العامل، قائلا له: أنظرنى لأرى!! وحين لمغ رسول الله ﷺ ما كان من ثعلبة، قال:
— 851 —
«يا ويح ثعلبه.. يا ويح ثعلبة».. ثم نزلت هذه الآيات.
قيل، وجاء ثعلبة بعد ذلك إلى رسول الله ﷺ بالصدقة، فقال له رسول الله: «إن الله منعنى أن أقبل منك» فجعل يحثوا التراب على رأسه، فقال رسول الله: «هذا عملك! قد أمرتك فلم تطعنى».. ثم لما توفّى رسول الله، جاء بالصدقة إلى بكر، فلم يقبلها منه، ثم جاء بها إلى عمر فى خلافته فردّها.. ثم هلك فى خلافة عثمان!.
وليس ثعلبة وحده- إن صح ما روى فيه- هو الواقع تحت حكم هذه الآيات، بل هو حكم واقع على كل من نكث مع الله عهدا.. وما أكثر الناكثين عهود الله.. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» (٢١- ٢٣: يونس) قوله تعالى: «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» اللّمز: القرص، والغمز، بالكلمة الجارحة، يرمى بها فى موارية..
تلويحا لا تصريحا.
— 852 —
والمطوّعين: جمع متطوع، وهو الذي يأتى بعمل الخير من تلقاء نفسه، تطوعا، غير مطالب به.. وهو يثاب عليه إذا فعله، ولا يعاقب إذا تركه..
وأصل المطّوع- لغة- المتطوع.. قلبت التاء طاء وأدغمت فى الطاء.
والجهد: هو غاية ما فى وسع الإنسان، وطاقته، واحتماله..
والآية هنا، تكشف عن وجه آخر من وجوه المنافقين، وعن سلاح من أسلحتهم الخفية، التي يضربون بها فى كيان المجتمع الإسلامى..
فهذه الجماعة من المنافقين، لم يكفها أنها كفّت يدها عن الجهاد فى سبيل الله، وغلّتها عن الإنفاق فى وجوه الخير، بل جعلت تترصّد المنفقين فى سبيل الله، وتتخذ منهم مادة للهزء والسخرية، سواء المكثرون منهم والمقلّون..
فالذين بسط الله لهم فى الرزق من المؤمنين، فبسطوا أيديهم بالبذل فى سبيل الله، وجاءوا بالكثير من أموالهم إلى رسول الله، يضعها حيث يشاء- هؤلاء هم عند الجماعة المنافقة مراءون، لا يطلبون بما أنفقوا إلا أن يظهروا فى الناس، وإلا أن يكونوا حديث المتحدّثين! وأمّا الذين قصرت أيديهم عن العطاء الكثير من المؤمنين، فأعطوا ما وسعهم الجهد، وجاءوا بما ملكت أيديهم- فإنهم لم يسلموا من تلك الألسنة المنافقة، إذ جعلوا منهم مادّة سخرية واستهزاء وتندر، فيقولون فيما قالوا:
ماذا تغنى الحفنة من التمر التي جاء بها فلان؟ وما جدوى هذه الكسرات من الخبز التي قدمها فلان؟ وما هذا الثوب الخلق الذي بذله فلان؟.. إن هؤلاء لم يفعلوا ما فعلوا من هذا العبث إلا ليذكروا مع المتصدّقين، وإلا ليذكّروا بأنفسهم إذا وقعت للمسلمين غنيمة، وأصابهم خير!.
وهكذا، يكيد المنافقون للإسلام، ويحاولون جاهدين أن يفسدوا كل صالحة فيه.
— 853 —
وفى قوله تعالى: «سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» هو دفاع من الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين، الذين سخر منهم المنافقون.. وفى هذا تكريم للمؤمنين المنفقين، وإيذان منه- سبحانه- بأنّه تقبل صدقات المتصدقين، قليلها وكثيرها، وأنه- سبحانه- هو الذي يتولىّ حماية هذه الصدقات وحماية أصحابها من كل سوء.. فإذا سخر ساحر من الصدقات، واستهزأ بأهلها، سخر الله منه، واستهزأ به.. إنه عدوّ لله. محارب له، وحسب من يعادى الله ويحاربه، ضياعا، وهلاكا، وسوء مصبر!.
قوله تعالى: «اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» هو تيئيس لهؤلاء المنافقين من رحمة لله، وقطع لطريق النجاة من العذاب الذي أعدّه الله لهم..
إنّه لن ينقدهم من الله منقذ، ولن يشفع لهم شفيع.. حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو من هو عند الله- لن تقبل شفاعته فيهم، ولن يستجاب استغفاره لهم، ولو حرص النبىّ على هذا الاستغفار وبالغ فيه. وذلك لأنّهم كفروا بالله ورسوله، وحادوا الله ورسوله، ومن كان هذا موقفه مع الله ومع رسول الله، فلن يقبل الله فيه شفاعة، ولن يصرف عنه العذاب الذي رصده له..
وليس حصر الاستغفار بسبعين مرة، مرادا به أن النبي ﷺ لو جاوز هذا العدد، وخرج به عن قيد الشرط- جاز أن يغفر الله لهم..
وكلّا، فإن المراد بهذا العدد هو الدلالة على أن استغفار النبىّ لهم، لن يقبل من الله فيهم على أية حال، كثر العدد أو قلّ.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
— 854 —

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

عرض الكتاب