قَالَ تَعَالَى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) (٨١).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِمَقْعَدِهِمْ) : أَيْ: بِقُعُودِهِمْ.
وَ (خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) : ظَرْفٌ بِمَعْنَى خَلْفَ؛ أَيْ: بَعْدَهُ، وَالْعَامِلُ فِيهِ «مَقْعَدِ». وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ «فَرِحَ». وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ؛ فَعَلَى هَذَا هُوَ مَصْدَرٌ؛ أَيْ: لِمُخَالَفَتِهِ، وَالْعَامِلُ الْمَقْعَدُ أَوْ فَرِحَ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ؛ لِأَنَّ مَقْعَدَهُمْ عَنْهُ تَخَلَّفَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (٨٢).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَلِيلًا) : أَيْ: ضِحْكًا قَلِيلًا، أَوْ زَمَنًا قَلِيلًا.
وَ (جَزَاءً) : مَفْعُولٌ لَهُ أَوْ مَصْدَرٌ عَلَى الْمَعْنَى.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) (٨٣).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ) : هِيَ مُتَعَدِّيَةٌ بِنَفْسِهَا، وَمَصْدَرُهَا رَجَعَ، وَتَأْتِي لَازِمَةً، وَمَصْدَرُهَا الرُّجُوعُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) (٨٤).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْهُمْ) : صِفَةٌ لِأَحَدٍ، وَ «مَاتَ» صِفَةٌ أُخْرَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مِنْهُمْ» حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي مَاتَ.
(أَبَدًا) : ظَرْفٌ لِـ «تُصَلِّ».
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) (٨٦).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِمَقْعَدِهِمْ) : أَيْ: بِقُعُودِهِمْ.
وَ (خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) : ظَرْفٌ بِمَعْنَى خَلْفَ؛ أَيْ: بَعْدَهُ، وَالْعَامِلُ فِيهِ «مَقْعَدِ». وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ «فَرِحَ». وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ؛ فَعَلَى هَذَا هُوَ مَصْدَرٌ؛ أَيْ: لِمُخَالَفَتِهِ، وَالْعَامِلُ الْمَقْعَدُ أَوْ فَرِحَ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ؛ لِأَنَّ مَقْعَدَهُمْ عَنْهُ تَخَلَّفَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (٨٢).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَلِيلًا) : أَيْ: ضِحْكًا قَلِيلًا، أَوْ زَمَنًا قَلِيلًا.
وَ (جَزَاءً) : مَفْعُولٌ لَهُ أَوْ مَصْدَرٌ عَلَى الْمَعْنَى.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) (٨٣).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ) : هِيَ مُتَعَدِّيَةٌ بِنَفْسِهَا، وَمَصْدَرُهَا رَجَعَ، وَتَأْتِي لَازِمَةً، وَمَصْدَرُهَا الرُّجُوعُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) (٨٤).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْهُمْ) : صِفَةٌ لِأَحَدٍ، وَ «مَاتَ» صِفَةٌ أُخْرَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مِنْهُمْ» حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي مَاتَ.
(أَبَدًا) : ظَرْفٌ لِـ «تُصَلِّ».
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) (٨٦).
— 653 —
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ آمِنُوا) : أَيْ آمِنُوا؛ وَالتَّقْدِيرُ: يُقَالُ فِيهَا آمِنُوا. وَقِيلَ: إِنَّ هُنَا مَصْدَرِيَّةٌ؛ تَقْدِيرُهُ: أُنْزِلَتْ بِأَنْ آمِنُوا؛ أَيْ: بِالْإِيمَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ) (٨٧).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَعَ الْخَوَالِفِ) : هُوَ جَمْعُ خَالِفَةٍ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ، وَقَدْ يُقَالُ لِلرَّجُلِ خَالِفٌ وَخَالِفَةٌ، وَلَا يُجْمَعُ الْمُذَكَّرُ عَلَى خَوَالِفَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٩٠).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ) : يُقْرَأُ عَلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي قَوْلِهِ: (بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) [الْأَنْفَالِ: ٩].
قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٩١).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا نَصَحُوا) : الْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الْكَلَامِ؛ أَيْ: لَا يَخْرُجُونَ حِينَئِذٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (٩٢).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضُّعَفَاءِ، فَيَدْخُلُ فِي خَبَرِ لَيْسَ، وَإِنْ شِئْتَ عَطَفْتَهُ عَلَى الْمُحْسِنِينَ، فَيَكُونُ الْمُبْتَدَأُ مِنْ سَبِيلٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفًا؛ أَيْ: وَلَا عَلَى الَّذِينَ... إِلَى تَمَامِ الصِّلَةِ حَرَجٌ أَوْ سَبِيلٌ، وَجَوَابُ إِذَا: «تَوَلَّوْا»، وَفِيهِ كَلَامٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا) [آلِ عِمْرَانَ: ٣٧].
قَالَ تَعَالَى: (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ) (٨٧).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَعَ الْخَوَالِفِ) : هُوَ جَمْعُ خَالِفَةٍ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ، وَقَدْ يُقَالُ لِلرَّجُلِ خَالِفٌ وَخَالِفَةٌ، وَلَا يُجْمَعُ الْمُذَكَّرُ عَلَى خَوَالِفَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٩٠).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ) : يُقْرَأُ عَلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي قَوْلِهِ: (بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) [الْأَنْفَالِ: ٩].
قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٩١).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا نَصَحُوا) : الْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الْكَلَامِ؛ أَيْ: لَا يَخْرُجُونَ حِينَئِذٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (٩٢).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضُّعَفَاءِ، فَيَدْخُلُ فِي خَبَرِ لَيْسَ، وَإِنْ شِئْتَ عَطَفْتَهُ عَلَى الْمُحْسِنِينَ، فَيَكُونُ الْمُبْتَدَأُ مِنْ سَبِيلٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفًا؛ أَيْ: وَلَا عَلَى الَّذِينَ... إِلَى تَمَامِ الصِّلَةِ حَرَجٌ أَوْ سَبِيلٌ، وَجَوَابُ إِذَا: «تَوَلَّوْا»، وَفِيهِ كَلَامٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا) [آلِ عِمْرَانَ: ٣٧].
— 654 —