سورة التوبة | الآية ١٠٧

عرض السورة
التَّفسير

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ

التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
وأما الطائفة الثانية فهي التي سارعت إلى الاعتذار والاعتراف بالذنب، فقبل الله توبتهم، وقد عبر عنها- سبحانه- بقوله: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً.
وأما الطائفة الثالثة فهي التي لم تجد عذرا تعتذر به، فأوقف الله أمرهم إلى أن حكم بقبول توبتهم بعد خمسين ليلة، وقد عبر عنها- سبحانه- بقوله: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ، إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ...
ثم ختمت السورة الكريمة حديثها الطويل المتنوع عن النفاق والمنافقين، بالحديث عن مسجد الضرار الذي بناه المنافقون ليكون مكانا للإضرار بالإسلام والمسلمين، فقال- تعالى-.

[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٧ الى ١١٠]

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)
قال الإمام ابن كثير: سبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها، رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في
— 401 —
الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله ﷺ مهاجرا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه وصار للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز العداوة، وظاهر بها، وخرج فارا إلى كفار مكة ليمالئهم على حرب المسلمين فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام «أحد» فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله- تعالى- وكانت العاقبة للمتقين.
وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله ﷺ وأصيب في ذلك اليوم، فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى والسفلى وشج رأسه. وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار، فخاطبهم، واستمالهم إلى نصره وموافقته. فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله لك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه.
وكان رسول الله ﷺ قد دعاه إلى الله قبل فراره- إلى مكة- وقرأ عليه القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد. فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يموت بعيدا طريدا فنالته هذه الدعوة.
وذلك أنه لما فرغ الناس من «أحد» ورأى أمر الرسول ﷺ في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم، فوعده ومناه، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم، أنه سيقدم بجيش ليقاتل به النبي ﷺ ويغلبه، ويرده عما هو فيه. وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصدا له إذا قدم عليه بعد ذلك.
فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه قبل خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك، وجاءوا فسألوه أن يأتى إليهم فيصلى في مسجدهم، ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم، وأهل العلة في الليلة الشاتية!! فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: «إنا على سفر ولكنا إذا رجعنا- إن شاء الله- أتيناكم فصلينا لكم فيه».
فلما قفل راجعا إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر، والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم. مسجد قباء. الذي أسس من أول يوم على التقوى فبعث رسول الله ﷺ إلى مسجد الضرار من هدمه قبل مقدمه إلى المدينة «١».
(١) راجع تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٧٨٢.
— 402 —
وقوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ منصوب على الذم.
أى: وأذم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا.. أو معطوف على ما سبق من أحوال المنافقين، والتقدير: ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا.
وقوله «ضرارا» مفعول لأجله أى: اتخذوا هذا المسجد لا من أجل العبادة والطاعة لله تعالى. وإنما اتخذوه من أجل الإضرار بالمؤمنين. وإيقاع الأذى بهم.
وقوله «وكفرا» معطوف على «ضرارا» وهو علة ثانية لاتخاذ هذا المسجد.
أى: اتخذوه للإضرار بالمؤمنين، وللازدياد من الكفر الذي يضمرونه ومن الغل الذي يخفونه.
وقوله: وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ علة ثالثة.
أى: واتخذوه أيضا للتفريق بين جماعة المؤمنين الذين كانوا يصلون في مسجد واحد هو مسجد قباء، فأراد هؤلاء المنافقون من بناء مسجد الضرار إلى جوار مسجد قباء، أن يفرقوا وحدة المؤمنين، بأن يجعلوهم يصلون في أماكن متفرقة. حسدا لهم على نعمة الإخاء والتآلف والاتحاد التي غرسها الإسلام في قلوب أتباعه.
وقوله: وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ علة رابعة لاتخاذ هذا المسجد.
أى: واتخذوه ليكون مكانا يرقبون فيه قدوم «من حارب الله ورسوله» وهو أبو عامر الراهب، الذي أعلن عداوته لدعوة الإسلام «من قبل» بناء مسجد الضرار.
فقد سبق أن ذكرنا في أسباب نزول هذه الآيات، أن أبا عامر هذا، كتب إلى جماعة من قومه. وهو عند هرقل. يعدهم ويمنيهم، ويطلب منهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه فشرعوا في بناء هذا المسجد.
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، قد ذكرت أربعة من الأغراض الخبيثة التي حملت المنافقين على بناء هذا المسجد، وهي: مضارة المؤمنين، وتقوية الكفر، وتفريق كلمة أهل الحق وجعله معقلا لالتقاء المحاربين لله ولرسوله.
وقد خيب الله تعالى مسعاهم وأبطل كيدهم، بأن أمر نبيه ﷺ بهدمه وإزالته.
وقوله: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى ذم لهم على أيمانهم الفاجرة، وأقوالهم الكاذبة.
أى: أن هؤلاء المنافقين قد بنوا مسجد الضرار لتلك المقاصد الخبيثة. ومع ذلك فهم يقسمون بأغلظ الأيمان بأنهم ما أرادوا ببنائه إلا الخصلة الحسنى التي عبروا عنها قبل ذلك.
— 403 —
كذبا. بقولهم: «إننا بنيناه للضعفاء، وأهل العلة في الليلة الشاتية».
وقوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ زيادة في مذمتهم وتحقيرهم.
أى: والله- تعالى- يعلم ويشهد أن هؤلاء المنافقين لكاذبون في أيمانهم بأنهم ما أرادوا من بناء مسجدهم إلا الحسنى، فإنهم في الحقيقة لم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا تلك الأغراض القبيحة السابقة، وهي مضارة المؤمنين، وتفريق كلمتهم.
ثم نهى الله- تعالى- رسوله والمؤمنين عن الصلاة في هذا المسجد نهيا مؤكدا فقال- سبحانه-: لا تَقُمْ فِيهِ، أَبَداً.
أى: لا تصل. أيها الرسول الكريم. في هذا المسجد في أى وقت من الأوقات لأنه لمن يبن لعبادة الله، وإنما بنى للشقاق والنفاق.
قال القرطبي: قوله- تعالى- لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً يعنى مسجد الضرار. لا تقم فيه للصلاة، وقد يعبر عن الصلاة بالقيام. يقال: فلان يقوم الليل أى: يصلى، ومنه الحديث الصحيح: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
وقد روى أن رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية كان لا يمر بالطريق التي فيها هذا المسجد، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف والأقذار... » «١».
وقوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ جملة مسوقة لمدح مسجد قباء وتشريفه.
أى: لمسجد بنى أساسه، ووضعت قواعده على تقوى الله وإخلاص العبادة له منذ أول يوم بدئ في بنائه. أحق أن تقوم للصلاة فيه من غيره.
قال الآلوسى ما ملخصه: واللام في قوله «لمسجد» إما للابتداء أو للقسم، أى: والله لمسجد، وعلى التقديرين فمسجد مبتدأ، والجملة بعده صفته، وقوله «أحق أن تقوم فيه» خبر المبتدأ: «وأحق» أفعل تفضيل، والمفضل عليه كل مسجد. أو مسجد الضرار على الفرض والتقدير، أو على زعمهم، وقيل إنه بمعنى حقيق، أى: ذلك المسجد بأن تصلى فيه..» «٢».
وقوله: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ جملة مسوقة لتكريم رواد هذا المسجد ومديحهم.
أى: في هذا المسجد رجال أتقياء الظاهر والباطن، إذ هم يحبون الطهارة من كل رجس
(١) تفسير القرطبي ج ٨ ص ٢٥٨.
(٢) تفسير الآلوسى ج ١١ ص ١٩.
— 404 —
حسى ومعنوي، ومن كان كذلك أحبه الله ورضى عنه.
ثم بين- سبحانه- أنه لا يستوي من أسس بنيانه على الحق، ومن أسس بنيانه على الباطل فقال: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ، أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ...
قال صاحب الكشاف: قرئ أسّس بنيانه، وأسّس بنيانه على البناء للفاعل والمفعول.
والشفا: الحرف والشفير. وحرف الوادي: جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول، فيبقى واهيا، والهار وهو المتصدع الذي أوشك على التهدم- وهار صفة لجرف، أى جرف موصوف بأنه هائر أى متساقط.
والمعنى: أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة، وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه «خير أم من» أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل «شفا جرف هار» في قلة الثبات والاستمساك. وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى، لأنه جعل مجازا عما ينافي التقوى.
فإن قلت: فما معنى قوله: «فانهار به في نار جهنم».
قلت: لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل، قيل: فانهار به في نار جهنم، على معنى:
فطاح به الباطل في نار جهنم، إلا أنه رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف، وليتصور أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا جرف من أودية جهنم. فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها، ولا ترى أبلغ من هذا الكلام، ولا أدل منه على حقيقة الباطل وكنه أمره» «١».
وقال صاحب المنار ما ملخصه: والمراد بالمثل هنا بيان ثبات الحق الذي هو دين الإسلام وقوته، ودوامه، وسعادة أهله به، وذكره بأثره وثمرته في عمل أهله وجماعها التقوى، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله وقرب زواله، وخيبة صاحبه، وسرعة انقطاع آماله.
وقد ذكر في وصف بنيان الفريق الأول وهم المؤمنون المشبه دون المشبه به لأنه هو المقصود بالذات وذكر من وصف الفريق الثاني- وهم المنافقون- الهيئة المشبه بها دون المشبه، لأنه ذكر قبل ذلك مقاصدهم الخبيثة من بناء مسجد الضرار. وهذا من دقائق إيجاز القرآن» «٢».
وقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أى مضت سنة الله- تعالى- في خلقه أنه- سبحانه- لا يهدى إلى طريق الخير أولئك الذين استحبوا العمى على الهدى وظلموا
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ١١٠- بتصرف وتلخيص.
(٢) تفسير المنار ج ١١ ص ٤٥.
— 405 —
أنفسهم بوضعهم الأمور في غير مواضعها.
ثم بين- سبحانه- الآثار التي ترتبت على هدم مسجد الضرار، في نفوس هؤلاء المنافقين الأشرار فقال- تعالى- لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ، إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
الريبة: اسم من الريب بمعنى الشك والقلق والحيرة، وتقطع- بفتح التاء- أصلها تتقطع فحذفت إحدى التاءين، من التقطع بمعنى التمزق. وقرأ بعضهم. «تقطع» - بضم التاء- من التقطيع بمعنى التفريق والتمزيق.
والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات والأحوال، والمستثنى منه محذوف، والتقدير: لا يزال ما بناه هؤلاء المنافقون موضع ريبة وقلق في نفوسهم في كل وقت وحال إلا في وقت واحد وهو وقت أن تتمزق قلوبهم بالموت والهلاك أى: أنهم لا يزالون في قلق وحيرة ما داموا أحياء، أما بعد موتهم فستتكشف لهم الحقائق، ويجدون مصيرهم الأليم.
والسبب في أن هذا البناء كان مثار ريبتهم وقلقهم حتى بعد هدمه، أنهم بنوه بنية سيئة، ولتلك المقاصد الأربعة الخبيثة التي بينتها الآية الأولى... فكانوا يخشون أن يطلع الله نبيهم على مقاصدهم الذميمة، فهذه الخشية أورثتهم القلق والريبة، فلما أطلع الله- تعالى- نبيه على أغراضهم، وتم هدم مسجد الضرار، وانهار الجرف المتداعي المتساقط، استمر قلقهم وريبهم لأنهم لا يدرون بعد ذلك ماذا سيفعل المؤمنون بهم.
وهكذا شأن الماكرين في كل زمان ومكان، إنهم يعيشون طول حياتهم في فزع وقلق وخوف من أن ينكشف مكرهم، ويظهر خداعهم.
وقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تذييل قصد به تهديدهم وزجرهم.
أى: والله- تعالى- عليم بكل شيء في هذا الكون، وبكل ما يقوله ويفعله هؤلاء المنافقون سرا وجهرا: حكيم في كل تصرفاته وأفعاله وفي صنعه بهم، وسيجازيهم يوم القيام بما يستحقونه من عقاب.
هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:
١- وجوب بناء المساجد على تقوى من الله ورضوان، لأنها إذا بنيت على هذا الأساس، كانت محل القبول والثواب من الله، أما إذا بنيت لأى مقصد يتنافى مع آداب الإسلام وأحكامه وتشريعاته، فإنها تكون بعيدة عن رضا الله- تعالى- وقبوله.
قال بعض العلماء، دلت الآيات على أن كل مسجد بنى على ما بنى عليه مسجد الضرار، أنه لا حكم له ولا حركة، ولا يصح الوقف عليه. وقد حرق الراضي بالله- الخليفة
— 406 —
العباسي- كثيرا من مساجد الباطنية والمشبهة والمجبرة «١».
وقال الزمخشري: قيل كل مسجد بنى مباهاة أو رياء وسمعة، أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب، فهو لاحق بمسجد الضرار.
وعن عطاء: لما فتح الله. تعالى. الأمصار على عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وألا يتخذوا في مدينة مسجدين، يضار أحدهما صاحبه «٢».
٢- أن مسجد قباء هو المقصود بقوله- تعالى-:
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِوذلك لأن سياق الآيات في الحديث عنه، وفي بيان أحقية الصلاة فيه، وقد كان رسول الله ﷺ يزوره راكبا وماشيا ويصلى فيه ركعتين.
ولا منافاة بين كون مسجد قباء هو المقصود هنا، وبين الأحاديث التي وردت في أن المسجد الذي أسس من أول يوم على تقوى من الله ورضوان، هو المسجد النبوي، لأن كليهما قد أسس على ذلك.
قال الإمام ابن كثير: وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف منهم ابن عباس، وعروة بن الزبير، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وقتادة.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله ﷺ الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح.
ولا منافاة بين الآية وبين هذا، أنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى» «٣».
٣- أن المحافظة على الطهارة من الصفات التي يحبها الله- تعالى- فقد قال- تعالى-: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ.
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها: ما جاء عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية، بعث رسول الله ﷺ إلى عويم بن مساعدة فقال له: «ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به» ؟.
فقال: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه.
فقال صلى الله عليه وسلم: «هو هذا» «٤» ».
(١) تفسير القاسمى ج ٨ ص ٣٢٦٧.
(٢) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٣١٠.
(٣) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٣٧٩.
(٤) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٣٨٩.
— 407 —

التفسير الوسيط

محمد سيد طنطاوي

عرض الكتاب