سورة يونس | الآية ١٨

عرض السورة
التَّفسير

ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري

[الجزء السادس]

سورة يونس
ترتيبها ١٠ سورة يونس آياتها ١٠٩

[سورة يونس (١٠) : الآيات ١ الى ٢٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤)
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)
دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لَا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)
وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)
— 5 —
الْقَدَمُ: قَالَ اللَّيْثَ وَأَبُو الْهَيْثَمِ: الْقَدَمُ السَّابِقَةُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
وَأَنْتَ امْرُؤٌ من أهل بيت دؤابةلَهُمْ قَدَمٌ مَعْرُوفَةٌ وَمَفَاخِرُ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْكِسَائِيُّ: كُلُّ سَابِقٍ فِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ قَدَمٌ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: سَابِقَةُ إِخْلَاصٍ كَمَا فِي قَوْلِ حَسَّانَ:
لَنَا الْقَدَمُ الْعُلْيَا إِلَيْكَ وخلفنالا ولنا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَابِعُ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: كُلُّ مَا قَدَّمْتَ مِنْ خَيْرٍ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْعَمَلُ الَّذِي يُتَقَدَّمُ فِيهِ وَلَا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ وَلَا إِبْطَاءٌ.
الْمُرُورُ: مُجَاوَزَةُ الشَّيْءِ وَالْعُبُورُ عَلَيْهِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ جَاوَزْتُهُ. وَالْمِرَّةُ: الْقُوَّةُ، وَمِنْهُ ذُو مِرَّةٍ. وَمَرَرَ الْحَبْلَ قَوَّاهُ، وَمِنْهُ:
«لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»
العاصف الشديدة يُقَالُ: عَصَفَتِ الرِّيحُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
حَتَّى إِذَا عَصَفَتْ رِيحٌ مُزَعْزِعَةٌفِيهَا قِطَارٌ وَرَعْدٌ صَوْتُهُ زَجَلُ
وَأَعْصَفَ الرِّيحُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَهَتْ عَلَيْهِ كُلُّ مُعْصِفَةٍهَوْجَاءَ لَيْسَ للبهارير
وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ:
إِنَّ الرِّيَاحَ إِذَا مَا أَعْصَفَتْ قَصَفَتْعِيدَانَ نَجْدٍ وَلَا يَعْبَأْنَ بِالرَّتَمِ
الْمَوْجُ: مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْمَاءِ عِنْدَ هُبُوبِ الْهَوَاءِ، سُمِّيَ مَوْجًا لِاضْطِرَابِهِ.
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ
— 7 —
النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ مُبِينٌ
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ إِلَى آخِرِهِنَّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِلَّا قَوْلَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَ مِنْ أَوَّلِهَا نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِينَ آيَةً بِمَكَّةَ، وَنَزَلَ بَاقِيهَا بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَجَابِرٌ: هِيَ مَكِّيَّةٌ وَسَبَبُ نُزُولِهَا: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَالُوا: لَمْ يَجِدِ اللَّهُ رَسُولًا إِلَّا يَتِيمَ أَبِي طَالِبٍ فَنَزَلَتْ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَجِبَتْ قُرَيْشٌ أَنْ يُبْعَثَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَنَزَلَتْ. وَقِيلَ: لَمَّا حَدَّثَهُمْ عَنِ الْبَعْثِ وَالْمَعَادِ وَالنُّشُورِ تَعَجَّبُوا.
وَمُنَاسَبَتُهَا لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ «١» وَذَكَرَ تَكْذِيبَ الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ «٢» وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ، وَالنَّبِيِّ الَّذِي أَرْسَلَ، وَأَنَّ ديدن الضالين وأحد متابعيهم ومشركيهم فِي التَّكْذِيبِ بِالْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَبِمَنْ جَاءَ بِهَا، وَلَمَّا كَانَ ذِكْرُ الْقُرْآنِ مُقَدَّمًا عَلَى ذِكْرِ الرَّسُولِ فِي آخِرِ السُّورَةِ، جَاءَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ كَذَلِكَ فَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْكِتَابِ عَلَى ذِكْرِ الرَّسُولِ، وَتَقَدَّمَ مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْمُفْتَتَحَةِ بِحُرُوفِ الْمُعْجَمِ، وَذَكَرُوا هُنَا أَقْوَالًا عَنِ الْمُفَسِّرِينَ مِنْهَا: أَنَا اللَّهُ أَرَى، وَمِنْهَا أَنَا اللَّهُ الرَّحْمَنُ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَتَرَكَّبُ مِنْهَا وَمِنْ حم وَمِنْ نُونِ الرَّحْمَنِ. فَالرَّاءُ بَعْضُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ مُفَرَّقَةً، وَمِنْهَا أَنَا الرَّبُّ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ تِلْكَ بَاقِيَةٌ عَلَى مَوْضُوعِهَا مِنِ اسْتِعْمَالِهَا لِبُعْدِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ. فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: أَشَارَ بتلك إِلَى الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، فَيَكُونُ الْآيَاتُ الْقَصَصَ الَّتِي وُصِفَتْ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِشَارَةٌ إِلَى آيَاتِ الْقُرْآنِ الَّتِي جَرَى ذِكْرُهَا. وَقِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى الْكِتَابِ المحكم الذي هو محزون مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَمِنْهُ نُسِخَ كُلُّ كِتَابٍ كَمَا قَالَ:
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ «٣» وَقَالَ: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ «٤» وَقِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى الرَّاءِ وَأَخَوَاتِهَا مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، أَيْ تِلْكَ الْحُرُوفُ الْمُفْتَتَحُ بِهَا السُّوَرُ وَإِنْ قَرُبَتْ أَلْفَاظُهَا فَمَعَانِيهَا بَعِيدَةُ الْمَنَالِ. وَهِيَ آيَاتُ الْكِتَابِ أَيْ الْكِتَابُ بِهَا يُتْلَى، وَأَلْفَاظُهُ إِلَيْهَا تَرْجِعُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. وَقِيلَ: اسْتَعْمَلَ تِلْكَ بِمَعْنَى هَذِهِ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ حَاضِرٌ قَرِيبٌ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. فَقِيلَ: آيَاتُ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: آيَاتُ السُّوَرِ الَّتِي تقدّم ذكرها في
(١) سورة التوبة: ٩/ ١٢٤.
(٢) سورة التوبة: ٩/ ١٢٨.
(٣) سورة البروج: ٨٥/ ٢٢.
(٤) سورة الزخرف: ٤٣/ ٤.
— 8 —
قَوْلِهِ: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ «١» وَقِيلَ: الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ الرَّاءُ، فَإِنَّهَا كُنُوزُ الْقُرْآنِ، وَبِهَا الْعُلُومُ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهَا. وَقِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْكِتَابُ السُّورَةُ.
وَالْحَكِيمُ: الْحَاكِمُ، أَوْ ذُو الْحِكْمَةِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهَا وَتَعَلُّقِهِ بِهَا، أَوِ الْمُحْكَمُ، أَوِ الْمَحْكُومُ بِهِ، أَوِ الْمُحَكَّمُ أَقْوَالٌ. وَالْهَمْزَةُ فِي أَكَانَ لِلِاسْتِفْهَامِ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ لِوُقُوعِ الْعَجَبِ مِنَ الْإِيحَاءِ إِلَى بَشَرٍ مِنْهُمْ بِالْإِنْذَارِ وَالتَّبْشِيرِ، أَيْ: لَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ فَهِيَ عادة الله في الأمم السَّالِفَةِ، أَوْحَى إِلَى رُسُلِهِمُ الْكُتُبَ بِالتَّبْشِيرِ وَالْإِنْذَارِ عَلَى أَيْدِي مَنِ اصْطَفَاهُ مِنْهُمْ.
وَاسْمُ كَانَ أَنْ أَوْحَيْنَا، وعجبا الخبر، وللناس فَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ عَجَبًا لِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ صِفَةً، فَلَمَّا تَقَدَّمَ كَانَ حَالًا. وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: عَجَبًا وَلَيْسَ مَصْدَرًا، بَلْ هُوَ بِمَعْنَى مُعْجِبٍ. وَالْمَصْدَرُ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ جَازَ تَقَدُّمُ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ كَاسْمِ الْمَفْعُولِ. وَقِيلَ: هُوَ تَبْيِينٌ أَيْ أَعْنِي لِلنَّاسِ. وَقِيلَ: يتعلق بكان وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً، وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا إِذَا قُدِّرَتْ دَالَّةً عَلَى الْحَدَثِ فَإِنَّهَا إِنْ تَمَحَّضَتْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الزَّمَانِ لَمْ يَصِحُّ تَعَلُّقٌ بِهَا. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: عَجَبٌ، فَقِيلَ:
عَجَبٌ اسم كان، وأن أَوْحَيْنَا هُوَ الْخَبَرُ، فَيَكُونُ نَظِيرَ: يَكُونُ مِزَاجُهَا عَسَلٌ وَمَاءٌ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الشُّذُوذِ، وَهَذَا تَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ. وَقِيلَ: كَانَ تامة، وعجب فَاعِلٌ بِهَا، وَالْمَعْنَى: أَحَدَثَ لِلنَّاسِ عَجَبٌ لِأَنْ أَوْحَيْنَا، وَهَذَا التَّوْجِيهُ حَسَنٌ. وَمَعْنَى لِلنَّاسِ عَجَبًا: أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ لَهُمْ أُعْجُوبَةً يَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، وَنَصَبُوهُ عَلَمًا لَهُمْ يُوَجِّهُونَ نَحْوَهُ اسْتِهْزَاءَهُمْ وَإِنْكَارَهُمْ. وَقَرَأَ رُؤْبَةُ: إِلَى رَجُلٍ بِسُكُونِ الْجِيمِ وَهِيَ لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ يُسَكِّنُونَ فَعْلًا نَحْوُ سَبْعٌ وَعَضْدٌ فِي سَبُعٍ وَعَضُدٍ. وَلَمَّا كَانَ الْإِنْذَارُ عَامًّا كَانَ مُتَعَلَّقُهُ وَهُوَ النَّاسُ عَامًّا، وَالْبِشَارَةُ خَاصَّةً، فَكَانَ مُتَعَلَّقُهَا خَاصًّا وَهُوَ الَّذِينَ آمنوا. وأن أَنْذِرِ: أَنْ تَفْسِيرِيَّةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُ أَنْذَرَ النَّاسَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الشَّأْنَ قَوْلُنَا أَنْذِرِ النَّاسَ، قَالَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ:
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَنِ الْمَصْدَرِيَّةَ الثُّنَائِيَّةَ الْوَضْعِ، لَا الْمُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ لِأَنَّهَا تُوصَلُ بِالْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ وَالْأَمْرِ، فَوُصِلَتْ هُنَا بِالْأَمْرِ، وَيَنْسَبِكُ مِنْهَا مَعَهُ مَصْدَرٌ تَقْدِيرُهُ: بِإِنْذَارِ النَّاسِ.
وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْلَى مِنَ التَّفْسِيرِيَّةِ، لِأَنَّ الْكُوفِيِّينَ لَا يُثْبِتُونَ لأنّ أَنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً. وَمِنَ الْمَصْدَرِيَّةِ الْمُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ لِتَقْدِيرِ حَذْفِ اسْمِهَا وَإِضْمَارِ خَبَرِهَا، وَهُوَ الْقَوْلُ فَيَجْتَمِعُ فِيهَا حَذْفُ الِاسْمِ وَالْخَبَرِ، وَلِأَنَّ التَّأْصِيلَ خَيْرٌ مِنْ دَعْوَى الْحَذْفِ بِالتَّخْفِيفِ. وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ أَيْ: بِأَنَّ لَهُمْ، وَحُذِفَتِ الباء. وقدم صِدْقٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، مجاهد، والضحاك،
(١) سورة التوبة: ٩/ ١٢٤.
— 9 —
وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ مِنَ الْعِبَادَاتِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: هِيَ شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَغَيْرُهُ: هِيَ الْمُصِيبَةُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: هِيَ السَّعَادَةُ السَّابِقَةُ لَهُمْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: سَابِقَةُ خَيْرٍ عِنْدَ اللَّهِ قَدَّمُوهَا. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ وَضَّاحُ الْيَمَنِ في قوله:
مالك وَضَّاحُ دَائِمَ الْغَزَلْأَلَسْتَ تَخْشَى تَقَارُبَ الْأَجَلْ
صَلِّ لِذِي الْعَرْشِ وَاتَّخِذْ قَدَمَايُنْجِيكَ يَوْمَ الْعِثَارِ وَالزَّلَلْ
وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: سَلَفُ صِدْقٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَقَامُ صِدْقٍ. وَقَالَ يَمَانٌ: إِيمَانُ صِدْقٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: وَلَدٌ صَالِحٌ قَدَّمُوهُ. وَقِيلَ: تَقْدِيمُ اللَّهِ فِي الْبَعْثِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِي إِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ، كَمَا
قَالَ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَقِيلَ: تَقَدُّمُ شَرَفٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ:
ذَلَّ بَنِي الْعَوَّامِ مِنْ آلِ الْحَكَمْوَتَرَكُوا الْمُلْكَ لِمَلِكٍ ذِي قَدَمْ
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ وَعَنْهُ مَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
لَكُمْ قَدَمٌ لَا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّهَامَعَ الْحَسَبِ الْعَادِيِّ طَمَّتْ عَلَى الْبَحْرِ
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ سَابِقَةً وَفَضْلًا وَمَنْزِلَةً رَفِيعَةً، وَلَمَّا كَانَ السَّعْيُ وَالسَّبْقُ بِالْقَدَمِ سُمِّيَتِ الْمَسْعَاةُ الْجَمِيلَةُ وَالسَّابِقَةُ قَدَمًا، كَمَا سُمِّيَتِ النِّعْمَةُ يَدًا، لِأَنَّهَا تُعْطَى بِالْيَدِ وَبَاعًا لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَبُوعُ بِهَا فَقِيلَ لِفُلَانٍ: قَدَمٌ فِي الْخَيْرِ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى صِدْقٍ دَلَالَةٌ عَلَى زِيَادَةِ فَضْلٍ وَأَنَّهُ مِنَ السَّوَابِقِ الْعَظِيمَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالصِّدْقُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَعْنَى الصَّلَاحِ، كَمَا تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ. وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ: قِدَمَ بِكَسْرِ الْقَافِ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ قَالَ:
الْكَافِرُونَ. ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا يَدُلُّ الظَّاهِرُ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: فَلَمَّا أَنْذَرَ وَبَشَّرَ قَالَ الْكَافِرُونَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَالَ الْكَافِرُونَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ:
أَكَانَ لِلنَّاسِ وحينا إلى بشر عجبا قَالَ الْكَافِرُونَ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَالْعَرَبِيَّانِ وَنَافِعٌ: لَسِحْرٌ إِشَارَةٌ إِلَى الْوَحْيِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو رَزِينٍ، وَمَسْرُوقٌ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَابْنُ وَثَّابٍ، وَطَلْحَةُ، وَالْأَعْمَشُ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَعِيسَى بْنُ عَمْرٍو بِخِلَافٍ عَنْهُمَا لَسَاحِرٌ إِشَارَةٌ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ أَيْضًا: مَا هَذَا إِلَّا سَاحِرٌ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
— 10 —
وَقَوْلُهُمْ فِي الْإِنْذَارِ وَالْبِشَارَةِ سِحْرٌ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ أَنَّهُ فَرَّقَ كَلِمَتَهُمْ، وَحَالَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَقَرِيبِهِ، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ السَّاحِرُ، وَظَنُّوهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهَذَا دَلِيلٌ عَجْزِهِمْ وَاعْتِرَافِهِمْ بِهِ وَإِنْ كَانُوا كَاذِبِينَ فِي تَسْمِيَتِهِ سِحْرًا. وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُمْ فِيمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سِحْرًا ظَاهِرَ الْفَسَادِ، لَمْ يَحْتَجْ قَوْلُهُمْ إِلَى جَوَابٍ، لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ نَشْأَتَهُ مَعَهُمْ بِمَكَّةَ وَخِلْطَتَهُمْ لَهُ وَمَا كَانَتْ قِلَّةَ عِلْمٍ، ثم أَتَى بِهِ مِنَ الْوَحْيِ الْمُتَضَمِّنِ مَا لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتَابٌ إِلَهِيٌّ مِنْ قَصَصِ الْأَوَّلِينَ وَالْإِخْبَارِ بِالْغُيُوبِ وَالِاشْتِمَالِ عَلَى مَصَالِحَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مَعَ الْفَصَاحَةِ وَالْبَرَاعَةِ الَّتِي أَعْجَزَتْهُمْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَضَمَّنَهَا يَقْضِي بِفَسَادِ مَقَالَتِهِمْ، وَقَوْلُهُمْ ذَلِكَ هُوَ دَيْدَنُ الْكَفَرَةِ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ إِذْ أَتَوْهُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ كَمَا قَالَ: فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ فِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ عَلِيمٌ «١» قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا «٢» وَقَوْمُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ «٣» وَدَعْوَى السِّحْرِ إِنَّمَا هِيَ عَلَى سَبِيلِ الْعِنَادِ وَالْجَحْدِ.
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ «٤» وَجَاءَتَا عَقِبَ ذِكْرِ الْقُرْآنِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى الْمَعَادِ. فَفِي الْأَعْرَافِ: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ «٥» وَقَوْلُهُ: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ «٦» وَهُنَا تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ. وَذِكْرُ الْإِنْذَارِ وَالتَّبْشِيرِ وَثَمَرَتِهُمَا لَا تَظْهَرُ إِلَّا فِي الْمَعَادِ. وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى إِيجَادِ هَذَا الْخَلْقِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ الْعَظِيمَيْنِ وَهُوَ رَبُّكُمُ النَّاظِرُ فِي مَصَالِحِكُمْ، فَلَا يُتَعَجَّبُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى خَلْقِهِ مَنْ يُحَذِّرُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ وَيُبَشِّرُ عَلَى طَاعَتِهِ، إِذْ لَيْسَ خَلْقُهُمْ عَبَثًا بَلْ عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وَسَبَقَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ، إِذِ الْقَادِرُ الْعَظِيمُ قَادِرٌ عَلَى مَا دُونَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ: قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ يَقْضِيهِ وَحْدَهُ. وَالتَّدْبِيرُ تَنْزِيلُ الْأُمُورِ فِي مَرَاتِبِهَا وَالنَّظَرُ فِي أَدْبَارِهَا وَعَوَاقِبِهَا، وَالْأَمْرُ قِيلَ: الْخَلْقُ كُلُّهُ عُلْوِيُّهُ وَسُفْلِيُّهُ.
وَقِيلَ: يَبْعَثُ بِالْأَمْرِ مَلَائِكَةً، فَجِبْرِيلُ لِلْوَحْيِ، وَمِيكَائِيلُ لِلْقَطْرِ، وَعِزْرَائِيلُ لِلْقَبْضِ، وَإِسْرَافِيلُ لِلصُّورِ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِعَظِيمِ شَأْنِهِ وَمُلْكِهِ. وَلَمَّا ذَكَرَ الْإِيجَادَ ذَكَرَ مَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ، وَأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِهِ إِيجَادًا وَتَدْبِيرًا لا يشركه أحد فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يجترىء أحد على
(١) سورة الأعراف: ٧/ ١٠٩.
(٢) سورة القصص: ٢٨/ ٤٨.
(٣) سورة المائدة: ٥/ ١١٠.
(٤) سورة الأعراف: ٧/ ١١٦.
(٥) سورة الأعراف: ٧/ ٥٢.
(٦) سورة الأعراف: ٧/ ٥٣.
— 11 —
الشَّفَاعَةِ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، إِذْ هُوَ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَوْضِعِ الْحِكْمَةِ وَالصَّوَابِ. وَفِي هَذِهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ عِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ كَمَا قَالَ: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا «١» الْآيَةَ. وَلَمَّا كَانَ الْخِطَابُ عَامًّا وَكَانَ الْكُفَّارُ يَقُولُونَ عَنْ أَصْنَامِهِمْ: هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ، رَدَّ ذَلِكَ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَنَاسَبَ ذِكْرَ الشَّفَاعَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَبْدَأِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ:
الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ. وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: الشَّفِيعُ هُنَا مِنَ الشَّفْعِ الَّذِي يُخَالِفُ الْوَتْرَ، فَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُ أَوْجَدَ الْعَالَمَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ يُعِينُهُ، وَلَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ فِي الْوُجُودِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ قَالَ لَهُ: كُنْ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا وَخَبَرًا ثَانِيًا وَحَالًا.
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ: أَيِ الْمُتَّصِفُ بِالْإِيجَادِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِبْرِيَاءِ هُوَ رَبُّكُمُ النَّاظِرُ فِي مَصَالِحِكُمْ، فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ، إِذْ لَا يَصْلُحُ لِأَنْ يُعْبَدَ إِلَّا هُوَ تَعَالَى، فَلَا تُشْرِكُوا بِهِ بَعْضَ خَلْقِهِ.
أَفَلا تَذَكَّرُونَ: حَضٌّ عَلَى التَّدْبِيرِ وَالتَّفَكُّرِ فِي الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَإِمْحَاضِ الْعِبَادَةِ لَهُ.
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ: ذَكَرَ مَا يَقْتَضِي التَّذْكِيرَ وَهُوَ كَوْنُ مَرْجِعِ الْجَمِيعِ إِلَيْهِ، وَأَكَّدَ هَذَا الْإِخْبَارَ بِأَنَّهُ وَعْدُ اللَّهِ الَّذِي لَا شَكَّ فِي صِدْقِهِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْإِخْبَارَ وَفِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ بِابْتِدَاءِ الْخَلْقِ وَإِعَادَتِهِ وَأَنَّ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ بِذَلِكَ هُوَ جَزَاءُ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. وَانْتَصَبَ وَعْدَ الله وَحَقًّا عَلَى أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ مُؤَكِّدَانِ لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ وَالتَّقْدِيرُ: وَعَدَ اللَّهُ وَعْدًا، فَلَمَّا حَذَفَ النَّاصِبَ أَضَافَ الْمَصْدَرَ إِلَى الْفَاعِلِ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: صِبْغَةَ اللَّهِ «٢» وصُنْعَ اللَّهِ «٣» وَالتَّقْدِيرُ: فِي حَقًّا حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. وَقِيلَ: انتصب حقا بوعد عَلَى تَقْدِيرِ فِي أَيِّ وَعْدِ اللَّهِ فِي حَقٍّ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّقْدِيرُ: وَقْتَ حَقٍّ وَأَنْشَدَ:
أَحَقًّا عِبَادَ اللَّهِ أَنْ لَسْتُ خَارِجًاوَلَا وَالِجًا إِلَّا عَلَيَّ رَقِيبُ
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِالْفِعْلِ، أَيْ: وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى بَدْءَ الْخَلْقِ ثُمَّ إعادته، والمعنى:
(١) سورة النبأ: ٧٨/ ٣٨. [.....]
(٢) سورة البقرة: ٢/ ١٣٨.
(٣) سورة النمل: ٢٧/ ٨٨.
— 12 —
إِعَادَةُ الْخَلْقِ بَعْدَ بَدْئِهِ. وَعَدَ اللَّهُ عَلَى لَفْظِ الْفِعْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِمَا نَصَبَ حَقًّا أَيْ: حَقَّ حَقًّا بَدْءُ الْخَلْقِ كَقَوْلِهِ:
أَحَقًّا عِبَادَ اللَّهِ أَنْ لَسْتُ جَائِيًاوَلَا ذَاهِبًا إِلَّا عَلَيَّ رَقِيبُ
انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَوْضِعُهَا النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ أَحَقٌّ أَنَّهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَوْضِعُهَا رَفْعٌ عَلَى تَقْدِيرِ لَحَقٌّ أَنَّهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ أَنَّهُ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: وَعْدَ اللَّهِ.
قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: إِنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ لِأَنَّهُ يَبْدَأُ، فَمَنْ فِي قُدْرَتِهِ هَذَا فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ إِخْلَافِ الْوَعْدِ، وَإِنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ وعد الله حقا إنه يَبْدَأُ وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ الْمَصْدَرُ الَّذِي هُوَ وَعْدَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ قَدْ وَصَفَ ذَلِكَ بِتَمَامِهِ وَقَطَعَ عَمَلَهُ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: حَقٌّ بِالرَّفْعِ، فَهَذَا ابْتِدَاءٌ وَخَبَرُهُ أَنَّهُ انْتَهَى. وَكَوْنُ حق خبر مبتدأ، وأنه هُوَ الْمُبْتَدَأُ هُوَ الْوَجْهُ فِي الْإِعْرَابِ كَمَا تَقُولُ: صَحِيحٌ أَنَّكَ تَخْرُجُ، لِأَنَّ اسْمَ أَنَّ مَعْرِفَةٌ، وَالَّذِي تَقَدَّمَهَا فِي نَحْوِ هَذَا الْمِثَالِ نَكِرَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَدْءَ الْخَلْقِ هُوَ النَّشْأَةُ الْأُولَى، وَإِعَادَتُهُ هُوَ الْبَعْثُ من القبور، وليجزي متعلق بيعيده أَيْ: لِيَقَعَ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ. وَقِيلَ: الْبَدْءُ مِنَ التُّرَابِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إِلَى التُّرَابِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إِلَى الْبَعْثِ. وَقِيلَ: الْبَدْءُ نَشْأَتُهُ مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ. وَقِيلَ: يَبْدَؤُهُ مِنَ الْعَدَمِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يُوجِدُهُ. وَقِيلَ: يَبْدَؤُهُ فِي زُمْرَةِ الْأَشْقِيَاءِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ إِلَى زُمْرَةِ الْأَوْلِيَاءِ، وَبِعَكْسِ ذَلِكَ. وَقَرَأَ طلحة: يبدىء مِنْ أَبْدَأَ رُبَاعِيًّا، وَبَدَأَ وَأَبْدَأَ بِمَعْنًى، وَبِالْقِسْطِ مَعْنَاهُ بِالْعَدْلِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لِيَجْزِيَ أَيْ: لِيُثِيبَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ فِي جَزَائِهِمْ، فَيُوصِّلُ كُلًّا إِلَى جَزَائِهِ وَثَوَابِهِ عَلَى حَسَبِ تَفَاضُلِهِمْ فِي الْأَعْمَالِ، فَيُنْصِفُ بَيْنَهُمْ وَيَعْدِلُ، إِذْ لَيْسُوا كُلُّهُمْ متساوين فِي مَقَادِيرِ الثَّوَابِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ بِالْقِسْطِ مِنْهُ تَعَالَى. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ يقسطهم بما أقسطوا أو عدلوا وَلَمْ يَظْلِمُوا حِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لِأَنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «١» وَالْعُصَاةُ ظُلَّامٌ لِأَنْفُسِهِمْ، وَهَذَا أَوْجَهُ لِمُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ انْتَهَى. فَجَعَلَ الْقِسْطَ مِنْ فِعْلِ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الِاعْتِزَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَالَّذِينَ كَفَرُوا مُبْتَدَأً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ:
الَّذِينَ آمَنُوا، فَيَكُونُ الْجَزَاءُ بِالْعَدْلِ قَدْ شَمِلَ الْفَرِيقَيْنِ. وَلَمَّا كَانَ الْحَدِيثُ مَعَ الكفار مُفْتَتَحَ السُّورَةِ مَعَهُمْ، ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَنْوَاعِ عَذَابِهِمْ فَقَالَ: لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ «٢» وَتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ.
(١) سورة لقمان: ٣١/ ١٣.
(٢) سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ٦/ ٧٠.
— 13 —
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الدَّلَائِلَ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ مِنْ إِيجَادِ هَذَا الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، ذَكَرَ مَا أَوْدَعَ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ مِنْ هَذَيْنِ الْجَوْهَرَيْنِ النَّيِّرَيْنِ الْمُشْرِقَيْنِ، فَجَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً أَيْ: ذَاتَ ضِيَاءٍ أَوْ مُضِيئَةً، أَوْ نَفْسَ الضياء مبالغة. وجعل يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى صَيَّرَ، فَيَكُونُ ضِيَاءً مَفْعُولًا ثَانِيًا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى خَلَقَ فَيَكُونُ حَالًا، وَالْقَمَرَ نُورًا أَيْ: ذَا نور، أو منور، أَوْ نَفْسَ النُّورِ مُبَالَغَةً، أَوْ هُمَا مَصْدَرَانِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضِيَاءً جمع ضوء كَحَوْضٍ وَحِيَاضٍ، وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ. وَلَمَّا كَانَتِ الشَّمْسُ أَعْظَمَ جِرْمًا خُصَّتْ بِالضِّيَاءِ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَهُ سُطُوعٌ وَلَمَعَانٌ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ النُّورِ. قَالَ أَرْبَابُ عِلْمِ الْهَيْئَةِ: الشَّمْسَ قَدْرُ الْأَرْضِ مِائَةٍ مَرَّةٍ وَأَرْبَعًا وَسِتِّينَ مَرَّةً، وَالْقَمَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَخُصَّ الْأَعْظَمُ بِالْأَعْظَمِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الضِّيَاءِ وَالنُّورِ فِي قَوْلِهِ:
فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ «١» وَقَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٢» يَقْتَضِي أَنَّ النُّورَ أَعْظَمُ وَأَبْلَغُ فِي الشُّرُوقِ، وَإِلَّا فَلِمَ عَدَلَ إِلَى الْأَقَلِّ الَّذِي هُوَ النُّورُ. فَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظَةُ النور أحكم أبلغ، وَذَلِكَ أَنَّهُ شَبَّهَ هُدَاهُ وَلُطْفَهُ الَّذِي يُصِيبُهُ لِقَوْمٍ يَهْتَدُونَ، وَآخَرِينَ يَضِلُّونَ مَعَهُ بِالنُّورِ الَّذِي هُوَ أَبَدًا مَوْجُودٌ فِي اللَّيْلِ وَأَثْنَاءِ الظَّلَامِ. وَلَوْ شَبَّهَهُ بِالضِّيَاءِ لوجب أن لا يضل أَحَدًا، إِذْ كَانَ الْهُدَى يَكُونُ كَالشَّمْسِ الَّتِي لَا تَبْقَى مَعَهَا ظُلْمَةٌ.
فَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ هُدَاهُ فِي الْكُفْرِ كَالنُّورِ فِي الظَّلَامِ، فَيَهْتَدِي قَوْمٌ وَيَضِلُّ قَوْمٌ آخَرُونَ. وَلَوْ جَعَلَهُ كَالضِّيَاءِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَضِلَّ أَحَدٌ، وَبَقِيَ الضِّيَاءُ عَلَى هَذَا أَبْلَغَ فِي الشُّرُوقِ كَمَا اقْتَضَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَقَرَأَ قَنْبُلٌ: ضِيَاءً هُنَا، وَفِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْقَصَصِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الْأَلِفِ بَدَلَ الْيَاءِ. وَوُجِّهَتْ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْمَقْلُوبِ جُعِلَتْ لَامُهُ عَيْنًا، فَكَانَتْ هَمْزَةً. وَتَطَرَّفَتِ الْوَاوُ الَّتِي كَانَتْ عَيْنًا بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ فَانْقَلَبَتْ هَمْزَةً، وَضُعِّفَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ الْفِرَارُ مِنِ اجْتِمَاعِ هَمْزَتَيْنِ إِلَى تَخْفِيفِ إِحْدَاهُمَا، فَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ إِلَى تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ يُؤَدِّي إِلَى اجْتِمَاعِهِمَا وَلَمْ يَكُونَا فِي الْأَصْلِ، وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْقَمَرِ أَيْ: مَسِيرُهُ مَنَازِلَ، أَوْ قَدَّرَهُ ذَا مَنَازِلَ، أَوْ قَدَّرَ لَهُ مَنَازِلَ، فَحَذَفَ وَأَوْصَلَ الْفِعْلَ، فَانْتَصَبَ بِحَسَبِ هَذِهِ التَّقَادِيرِ عَلَى الظَّرْفِ أَوِ الْحَالِ أَوِ الْمَفْعُولِ كَقَوْلِهِ: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ «٣» وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُرَاعَى فِي مَعْرِفَةِ عَدَدِ
(١) سورة البقرة: ٢/ ١٧.
(٢) سورة النور: ٢٤/ ٣٥.
(٣) سورة يس: ٣٦/ ٣٩.
— 14 —
السِّنِينَ وَالْحِسَابِ عِنْدَ الْعَرَبِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَهُمَا مَعًا بِحَسَبِ أَنَّهُمَا مُصَرَّفَانِ فِي مَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ وَالْحِسَابِ، لَكِنَّهُ اجْتُزِئَ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا كَمَا قَالَ: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «١» وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِيبَرِيئًا وَمِنْ أَجْلِ الطَّوِيِّ رَمَانِي
وَالْمَنَازِلُ هِيَ الْبُرُوجُ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَنْسِبُ إِلَيْهَا الْأَنْوَاءَ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً: الشُّرَطَيْنُ، وَالْبُطَيْنُ، وَالثُّرَيَّا، وَالدَّبَرَانُ، وَالْهَقْعَةُ، وَالْهَنْعَةُ، وَالذِّرَاعُ، وَالنَّثْرَةُ، وَالطَّرْفُ، وَالْجَبْهَةُ، وَالدَّبْرَةُ، وَالصِّرْفَةُ، وَالْعَوَّاءُ، وَالسِّمَاكُ، وَالْغَفْرُ، وَالزِّبَانَانِ، وَالْإِكْلِيلُ، وَالْقَلْبُ، وَالشَّوْلَةُ، وَالنَّعَائِمُ، وَالْبَلْدَةُ، وسعد الذابح، وسعد بلغ، وَسَعْدُ السُّعُودِ، وَسَعْدُ الْأَخْبِيَةِ، وَالْفَرْعُ الْمُؤَخَّرُ، وَالرِّشَاءُ وَهُوَ الْحُوتُ. وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سُئِلَ أَبُو عَمْرٍو عَنِ الْحِسَابِ، أَفَبِنَصْبِهِ أَوْ بِجَرِّهِ؟ فَقَالَ. وَمَنْ يَدْرِي مَا عَدَدُ الْحِسَابِ؟ انْتَهَى. يُرِيدُ أَنَّ الْجَرَّ إِنَّمَا يَكُونُ مُقْتَضِيًا أَنَّ الْحِسَابَ يَكُونُ يُعْلَمُ عَدَدُهُ، وَالْحِسَابُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ مُنْتَهَى عَدَدِهِ وَالْحِسَابُ حِسَابُ الْأَوْقَاتِ مِنَ الْأَشْهُرِ وَالْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْمَعَاشِ وَالْإِجَارَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُضْطَرُّ فِيهِ إِلَى مَعْرِفَةِ التَّوَارِيخِ.
وَقِيلَ: اكْتَفَى بذكر عدد السنين عن عَدَدِ الشُّهُورِ، وَكَنَّى بِالْحِسَابِ عَنِ الْمُعَامَلَاتِ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى مَخْلُوقِهِ. وَذَلِكَ يُشَارُ بِهَا إِلَى الْوَاحِدِ، وَقَدْ يُشَارُ بِهَا إِلَى الْجَمْعِ. وَمَعْنَى بِالْحَقِّ مُتَلَبِّسًا بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَلَمْ يَخْلُقْهُ عَبَثًا كَمَا جَاءَ رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا باطِلًا «٢» وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ «٣» وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْحَقُّ هُنَا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمَعْنَى: مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ مَعَهُ انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ تَرْكِيبٌ قَلِقٌ، إِذْ يَصِيرُ مَا ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا إِلَّا بِزَيْدٍ. وَقِيلَ:
الْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ، أَيْ لِلْحَقِّ، وَهُوَ إِظْهَارُ صَنْعَتِهِ وَبَيَانُ قُدْرَتِهِ وَدَلَالَةٌ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُصَرِّفٍ: وَالْحَسَابِ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَرَوَاهُ أَبُو تَوْبَةٍ عَنِ الْعَرَبِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَفْصٌ: يُفَصِّلُ بِالْيَاءِ جَرْيًا عَلَى لَفْظَةِ اللَّهِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ وَالْإِخْبَارِ بِنُونِ الْعَظَمَةِ، وَخُصَّ مَنْ يَعْلَمُ بِتَفْصِيلِ الْآيَاتِ لَهُمْ، لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِتَفْصِيلِ الْآيَاتِ، وَيَتَدَبَّرُونَ بِهَا فِي الِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ الصَّحِيحِ. وَالْآيَاتُ الْعَلَامَاتُ الدَّالَّةُ أَوْ آيات القرآن.
(١) سورة التوبة: ٩/ ٦٢.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ١٩١.
(٣) سورة الدخان: ٤٤/ ٣٨- ٣٩.
— 15 —
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ وَالِاخْتِلَافُ تَعَاقُبُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَكَوْنُ أَحَدِهِمَا يَخْلُفُ الْآخَرَ. وَمَا خَلَقَ الله في السموات مِنَ الْأَجْرَامِ النَّيِّرَةِ الَّتِي فِيهَا، وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقِيمِينَ بِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْأَرْضِ مِنَ الْجَوَامِدِ وَالْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، وَخَصَّ الْمُتَّقِينَ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَوَاقِبَ فَيَحْمِلُهُمُ الْخَوْفُ عَلَى تَدَبُّرِهِمْ وَنَظَرِهِمْ.
إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ: الظَّاهِرُ أَنَّ الرَّجَاءَ هُوَ التَّأْمِيلُ وَالطَّمَعُ أَيْ:
لَا يُؤَمِّلُونَ لِقَاءَ ثَوَابِنَا وَعِقَابِنَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَخَافُونَ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْكُفَّارِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُكَذِّبَ بِالْبَعْثِ لَيْسَ يَرْجُو رَحْمَةً فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يُحْسِنُ ظَنًّا بِأَنَّهُ يَلْقَى اللَّهَ.
وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ أَيْ: وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ «١» وَالْمَعْنَى أَنَّ مُنْتَهَى غَرَضِهِمْ وَقُصَارَى آمَالِهِمْ إِنَّمَا هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. وَاطْمَأَنُّوا أَيْ سَكَنُوا إِلَيْهَا، وَقَنِعُوا بِهَا، وَرَفَضُوا مَا سِوَاهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ:
وَالَّذِينَ هُمْ، هُوَ قِسْمٌ مِنَ الْكُفَّارِ غَيْرُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ التَّكْرِيرُ الْمَوْصُولُ، فَيَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ، وَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى اسْمِ إِنَّ وَيَكُونُ أُولَئِكَ إِشَارَةً إِلَى صِنْفَيِ الْكُفَّارِ ذِي الدُّنْيَا الْمُتَوَسِّعِ فِيهَا النَّاظِرِ فِي الْآيَاتِ، فَلَمْ يُؤْثِرْ عِنْدَهُ رَجَاءَ لِقَاءِ اللَّهِ، بَلْ رَضِيَ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِتَكْذِيبِهِ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، وَالْعَادِمِ التَّوَسُّعَ الْغَافِلِ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى الْهِدَايَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَطْفِ الصفات، فيكون الذين هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَ اللَّهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَاطْمَأَنُّوا بِهَا عَطْفٌ عَلَى الصِّلَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَاوُ الْحَالِ أَيْ: وَقَدْ اطْمَأَنُّوا بِهَا. وَالْآيَاتُ قِيلَ: آيَاتُ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: الْعَلَامَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقُدْرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَا أَنْزَلْنَاهُ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَفَرْضٍ مِنْ حُدُودٍ وَشَرَائِعِ أحكام، وبما كَانُوا يَكْسِبُونَ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ السَّابِقَةَ يَكُونُ عَنْهَا الْعَذَابُ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى الْجَبْرِيَّةِ، وَنَصٌّ عَلَى تَعَلُّقِ الْعِقَابِ بِالْكَسْبِ. وَمَجِيئُهُ بِالْمُضَارِعِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلَى ذَلِكَ مَاضِيَ زَمَانِهِمْ وَمُسْتَقْبَلَهُ.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ
(١) سورة التوبة: ٩/ ٣٨.
— 16 —
لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ: أَيْ يزيد في هداهم بِسَبَبِ إِيمَانِهِمُ السَّابِقِ وَتَثَبُّتِهِمْ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ أَوْ يَهْدِيهِمْ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ بِنُورِ إِيمَانِهِمْ كَمَا قَالَ: يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ «١» قَالَ مُجَاهِدٌ: يَكُونُ لَهُمْ إِيمَانُهُمْ نُورًا يَمْشُونَ بِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا قَامَ مِنْ قَبْرِهِ يَمْثُلُ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الْوَجْهِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُودُهُ إِلَى الْجَنَّةِ»
وَبِعَكْسِ هَذَا فِي الْكَافِرِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: إِيمَانُهُمْ يَهْدِيهِمْ إِلَى خَصَائِصِ الْمَعْرِفَةِ، وَمَزَايَا فِي الْأَلْطَافِ تُسَرُّ بِهَا قُلُوبُهُمْ وَتَزُولُ بِهَا الشُّكُوكُ وَالشُّبَهَاتُ عَنْهُمْ كَقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً «٢» وَهَذِهِ الزَّوَائِدُ وَالْفَوَائِدُ يَجُوزُ حُصُولُهَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْمَوْتِ، وَيَجُوزُ حُصُولُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ. قَالَ الْقَفَّالُ: وَإِذَا حَمَلْنَا الْآيَةَ عَلَى هَذَا كَانَ الْمَعْنَى يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ، وَتَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ، إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ الْوَاوَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَقَدُّمُهُمْ إِلَى الثَّوَابِ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: الْقَدَمُ تَهْدِي السَّاقَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَرْحَمُهُمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَدْعُوهُمْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَجْرِي مُسْتَأْنَفًا فَيَكُونُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِخِبْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا هِدَايَةُ اللَّهِ لَهُمْ وَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخَرُ بِجَرَيَانِ الْأَنْهَارِ، وَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ. كَمَا تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ فِي الْكُفَّارِ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اتِّصَافُهُمْ بِانْتِفَاءِ رَجَاءِ لِقَاءِ اللَّهِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: مَقَرُّهُمْ وَمَأْوَاهُمْ وَذَلِكَ النَّارُ، فَصَارَ تَقْسِيمًا لِلْفَرِيقَيْنِ فِي الْمَعْنَى. وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْقَفَّالِ: أَنْ يَكُونَ تَجْرِي مَعْطُوفًا حُذِفَ مِنْهُ الْحَرْفُ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا وَمَعْنَى مِنْ تَحْتِهِمْ أَيْ:
مِنْ تَحْتِ مَنَازِلِهِمْ. وَقِيلَ: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَلَيْسَ التَّحْتُ الَّذِي هُوَ بِالْمَسَافَةِ، بَلْ يَكُونُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْإِنْسَانِ. وَمِنْهُ: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا «٣» وَقَالَ: وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعَبْدُ الْهِدَايَةَ وَالتَّوْفِيقَ وَالنُّورَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ الْإِيمَانُ الْمُقَيَّدُ، وَهُوَ الْإِيمَانُ الْمَقْرُونُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْإِيمَانُ الَّذِي لَمْ يَقْتَرِنُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ فَصَاحِبُهُ لَا تَوْفِيقَ لَهُ وَلَا نُورَ. (قُلْتُ) :
الْأَمْرُ كَذَلِكَ، أَلَا تَرَى كَيْفَ أَوْقَعَ الصِّلَةَ مَجْمُوعًا فِيهَا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ ثُمَّ قَالَ: بِإِيمَانِهِمْ، أَيْ بِإِيمَانِهِمُ الْمَضْمُومِ إِلَيْهِ هَذَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَهُوَ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ انْتَهَى. وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الِاعْتِزَالِ. وجوزوا
(١) سورة الحديد: ٥٧/ ١٢.
(٢) سورة محمد: ٤٧/ ١٧.
(٣) سورة مريم: ١٩/ ٢٤. [.....]
— 17 —
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ أَنْ يتعلق بتجري، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْأَنْهَارِ، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، لِإِنَّ وَمَعْنَى دَعْوَاهُمْ: دُعَاؤُهُمْ وَنِدَاؤُهُمْ، لِأَنَّ اللَّهُمَّ نِدَاءُ اللَّهِ، وَالْمَعْنَى: اللَّهُمَّ إِنَّا نُسَبِّحُكَ كَقَوْلِ الْقَانِتِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ: اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ. وَقِيلَ: عِبَادَتُهُمْ كَقَوْلِهِ: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ «١» وَلَا تَكْلِيفَ فِي الْجَنَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِابْتِهَاجِ وَالِالْتِذَاذِ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ الْعِبَادَةَ مَجَازًا. وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: فِعْلُهُمْ وَإِقْرَارُهُمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: طَرِيقُهُمْ فِي تَقْدِيسِ اللَّهِ وَتَحْمِيدِهِ. وَتَحِيَّتُهُمْ أَيْ مَا يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَيَكُونُ مَصْدَرًا مُضَافًا لِلْمَجْمُوعِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْعَمَلِ، بَلْ يَكُونُ كَقَوْلِهِ: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ «٢» وَقِيلَ: يَكُونَ مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُولِ، وَالْفَاعِلُ اللَّهُ تَعَالَى أَوِ الْمَلَائِكَةُ أَيْ: تَحِيَّةُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، أَوْ تَحِيَّةُ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُمْ. وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَيْ: خَاتِمَةُ دُعَائِهِمْ وَذِكْرِهِمْ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَعْلَمَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَبْتَدِئُونَ بِتَنْزِيهِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَيَخْتِمُونَ بِشُكْرِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: يَفْتَتِحُونَ بِالتَّوْحِيدِ، وَيَخْتِمُونَ بِالتَّحْمِيدِ. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: يَعْزُوهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُلْهَمُونَ التَّحْمِيدَ والتسبيح. وَإِنِ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ لَازِمُ الْحَذْفِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهَا خَبَرُ إن، وأن وَصِلَتُهَا خَبَرُ قَوْلِهِ: وَآخِرُ. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ يَعْمَرَ، وَبِلَالُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَأَبُو حَيْوَةَ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، ويعقوب: إن الحمد بالتشديد وَنَصْبِ الْحَمْدَ. قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ، وَرَفْعِ الْحَمْدُ هِيَ عَلَى أَنَّ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ كَقَوْلِ الْأَعْشَى:
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُواأَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ
يُرِيدُ أَنَّهُ هَالِكٌ إِذَا خُفِّفَتْ لَمْ تَعْمَلْ فِي غَيْرِ ضَمِيرِ أَمْرٍ مَحْذُوفٍ. وَأَجَازَ الْمُبَرِّدُ إِعْمَالَهَا كَحَالِهَا مُشَدَّدَةً، وَزَعَمَ صَاحِبُ النَّظْمِ أَنَّ أَنْ هُنَا زَائِدَةٌ، والحمد لِلَّهِ خَبَرُ، وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ سِيبَوَيْهِ وَالنَّحْوِيِّينَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَحَالِّ زِيَادَتِهَا.
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي دُعَاءُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ وَنَحْوِ هَذَا. فَأَخْبَرَ تَعَالَى لَوْ فَعَلَ مَعَ النَّاسِ فِي إِجَابَتِهِ إِلَى الْمَكْرُوهِ مِثْلَ مَا يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مِنْهُمْ فِي إِجَابَتِهِ إِلَى الْخَيْرِ لَأَهْلَكَهُمْ، ثُمَّ حَذَفَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ جُمْلَةً يَتَضَمَّنُهَا الظَّاهِرُ تَقْدِيرُهَا: فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ نَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ فَاقْتَضَبَ القول،
(١) سورة مريم: ١٩/ ٤٨.
(٢) سورة الأنبياء: ٢١/ ٧٨.
— 18 —
وَوَصَلَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ، فَتَأَمَّلْ هَذَا التَّقْدِيرَ تَجِدْهُ صَحِيحًا قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي قَوْلِهِمْ: ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا، وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
وَالْمُرَادُ أَهْلُ مَكَّةَ. وَقَوْلُهُمْ: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً «١» يَعْنِي: وَلَوْ عَجَّلْنَا لَهُمُ الشَّرَّ الَّذِي دَعَوْا بِهِ كَمَا نُعَجِّلُ لَهُمُ الْخَيْرَ لَأُمِيتُوا وَأُهْلِكُوا. قَالَ: (فَإِنْ قُلْتَ) : كَيْفَ اتَّصَلَ بِهِ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا، وَمَا مَعْنَاهُ؟ (قُلْتُ) : قَوْلُهُ: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى نَفْيِ التَّعْجِيلِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا نُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ وَلَا نَقْضِي إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ، فَنَذَرُهُمْ فِي طغيانهم، أو فنمهلهم، ونفيض عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ مَعَ طُغْيَانِهِمْ إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذكر عَجَبَ النَّاسِ مِنْ إِيحَاءِ اللَّهِ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ الإنذار والتبشير، وكانوا يستهزؤون بِذَلِكَ وَلَا يَعْتَقِدُونَ حُلُولَ مَا أَنْذَرُوهُ بِهِمْ فَقَالُوا: «فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً» «٢» وَقَالَ إِخْبَارًا عَنْهُمْ: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ «٣» وَقَالُوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا «٤» ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى وَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى، وَذَكَرَ إِيجَادَهُ الْعَالَمَ، ثُمَّ إِلَى تَقْسِيمِ النَّاسِ إِلَى مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، وَذَكَرَ مَنَازِلَ الْفَرِيقَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمُنْذَرَ بِهِ الَّذِي طَلَبُوا وُقُوعَهُ عَجَلًا لَوْ وَقَعَ لَهَلَكُوا، فَلَمْ يَكُنْ فِي إِهْلَاكِهِمْ رَجَاءُ إِيمَانِ بَعْضِهِمْ، وَإِخْرَاجُ مُؤْمِنٍ مِنْ صُلْبِهِمْ بَلِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنْ لَا يُعَجِّلَ لَهُمْ مَا طَلَبُوهُ، لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ. وَانْتَصَبَ اسْتِعْجَالَهُمْ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ بِهِ. فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَصْلُهُ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلَهُ لَهُمُ الْخَيْرَ، فَوَضَعَ اسْتِعْجَالَهُ لَهُمْ بِالْخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الْخَيْرَ إِشْعَارًا بِسُرْعَةِ إِجَابَتِهِ لَهُمْ وَإِسْعَافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، كَأَنَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُمْ. وَقَالَ الْحَوْفِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ: التَّقْدِيرُ مِثْلُ اسْتِعْجَالِهِمْ، وَكَذَا قَدَّرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ. وَمَدْلُولُ عَجَّلَ غَيْرُ مَدْلُولِ اسْتَعْجَلَ، لِأَنَّ عَجَّلَ يَدُلُّ عَلَى الْوُقُوعِ، وَاسْتَعْجَلَ يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ التَّعْجِيلِ، وَذَاكَ وَاقِعٌ مِنَ اللَّهِ، وَهَذَا مُضَافٌ إِلَيْهِمْ فَلَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلَى مَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجَالِهِمْ بِالْخَيْرِ، فَشَبَّهَ التَّعْجِيلَ بِالِاسْتِعْجَالِ، لِأَنَّ طَلَبَهُمْ لِلْخَيْرِ وَوُقُوعُ تَعْجِيلِهِ مُقَدَّمٌ عِنْدَهُمْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَصْدَرُ تَقْدِيرُهُ: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ إِذَا اسْتَعْجَلُوا بِهِ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالشَّرِّ وَوُقُوعِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَمَا كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالْخَيْرِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ:
لَقَضَى مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ أَجَلَهُمْ بِالنَّصْبِ، وَالْأَعْمَشُ لَقَضَيْنَا، وَبَاقِي السَّبْعَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ،
(١) سورة الأنفال: ٨/ ٣٢.
(٢) سورة الأنفال: ٨/ ٣٢.
(٣) سورة الحج: ٢٢/ ٤٧.
(٤) سورة الأعراف: ٧/ ٧٠.
— 19 —
وأجلهم بِالرَّفْعِ. وَقَضَى أَكْمَلُ، وَالْفَاءُ فِي فَنَذَرُ جَوَابُ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُمْ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ تَقْدِيرُهُ: فَنَحْنُ نَذَرُ قَالَهُ الْحَوْفِيُّ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: فَنَذَرُ مَعْطُوفٌ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَلَكِنْ نُمْهِلُهُمْ فَنَذَرُ.
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ: وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ لَمَّا اسْتَدْعَوْا حُلُولَ الشَّرِّ بِهِمْ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِطَلَبِهِمْ بَلْ يَتْرُكُ مَنْ يَرْجُو لِقَاءَهُ يعمه فِي طُغْيَانِهِ، بَيَّنَ شِدَّةَ افْتِقَارِ النَّاسِ إِلَيْهِ وَاضْطِرَارِهِمْ إِلَى اسْتِمْطَارِ إِحْسَانِهِ مُسِيئَهُمْ وَمُحْسِنَهُمْ، وَأَنَّ مَنْ لَا يَرْجُو لِقَاءَهُ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ حَالَةَ مَسِّ الضُّرِّ لَهُ، فَكَلٌّ يَلْجَأُ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ وَيُفْرِدُهُ بِأَنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى كَشْفِ الضُّرِّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِالْإِنْسَانِ هُنَا شَخْصٌ مُعَيَّنٌ كَمَا قِيلَ: إِنَّهُ أَبُو حُذَيْفَةَ هَاشِمُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَهُ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ.
وَقِيلَ: عُقْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. وَقِيلَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. وَقِيلَ: هُمَا قَالَهُ عَطَاءٌ. وَقِيلَ: النَّضْرُ بن الحرث، وَأَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهِ الْكَافِرُ، بَلِ، الْمُرَادُ الْإِنْسَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ، سَوَاءٌ كَانَ كَافِرًا أَمْ عَاصِيًا بِغَيْرِ الْكُفْرِ. وَاحْتَمَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ أَنْ تَكُونَ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ، وَاحْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ لِأَشْخَاصٍ، إِذِ الْإِنْسَانُ جِنْسٌ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِي أَصَابَهُ الضُّرُّ لَا يَزَالُ دَاعِيًا مُلْتَجِئًا رَاغِبًا إِلَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ كُلِّهَا. وَابْتَدَأَ بِالْحَالَةِ الشَّاقَّةِ وَهِيَ اضْطِجَاعُهُ وَعَجْزُهُ عَنِ النُّهُوضِ، وَهِيَ أَعْظَمُ فِي الدُّعَاءِ وَآكَدُ ثُمَّ بِمَا يَلِيهَا، وَهِيَ حَالَةُ الْقُعُودِ، وَهِيَ حَالَةُ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ، ثُمَّ بِمَا يَلِيهَا وَهِيَ حَالَةُ الْقِيَامِ وَهِيَ حَالَةُ الْعَجْزِ عَنِ الْمَشْيِ، فَتَرَاهُ يَضْطَرِبُ وَلَا يَنْهَضُ لِلْمَشْيِ كَحَالَةِ الشَّيْخِ الْهَرِمِ. ولجنبه حَالٌ أَيْ: مُضْطَجِعًا، وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ الْحَالَانِ، وَاللَّامُ عَلَى بَابِهَا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَالتَّقْدِيرُ: مَلْقِيًّا لِجَنْبِهِ، لَا بِمَعْنَى عَلَى خِلَافًا لِزَاعِمِهِ. وَذُو الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي دَعَانَا، وَالْعَامِلُ فِيهِ دَعَانَا أَيْ: دَعَانَا مُلْتَبِسًا بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْإِنْسَانِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَسَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ فِي دَعَانَا، وَالْعَامِلُ فِيهِ دَعَا وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَبَايِنَانِ. وَالضُّرُّ: لَفْظٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ. وَالرَّزَايَا فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْأَحِبَّةِ، هَذَا قَوْلُ اللُّغَوِيِّينَ. وَقِيلَ: هُوَ مُخْتَصٌّ بِرَزَايَا الْبَدَنِ الْهُزَالِ وَالْمَرَضِ انْتَهَى. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ قَوْلُ الزَّجَّاجِ. وَضَعَّفَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ يَكُونَ لِجَنْبِهِ فَمَا بَعْدَهُ أَحْوَالًا مِنَ الْإِنْسَانِ وَالْعَامِلُ فِيهَا مَسَّ، قَالَ: لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَالَ عَلَى هَذَا وَاقِعٌ بَعْدِ جَوَابِ إِذَا وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى كَثْرَةُ دُعَائِهِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، لَا عَلَى الضُّرِّ يُصِيبُهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، وَعَلَيْهِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ انتهى. وهذه
— 20 —
الثَّانِي يَلْزَمُ فِيهِ مَنْ مَسَّهُ الضُّرُّ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ دُعَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، لِأَنَّهُ جَوَابُ مَا ذُكِرَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَحْوَالُ، فَالْقَيْدُ فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ قَيْدٌ فِي الْجَوَابِ كَمَا تَقُولُ: إِذَا جَاءَنَا زَيْدٌ فَقِيرًا أَحْسَنَّا إِلَيْهِ، فَالْمَعْنَى: أَحْسَنَّا إِلَيْهِ فِي حَالِ فَقْرِهِ، فَالْقَيْدُ فِي الشَّرْطِ قَيْدٌ فِي الْجَزَاءِ. وَمَعْنَى كَشْفِ الضُّرِّ: رَفْعُهُ وَإِزَالَتُهُ، كَأَنَّهُ كَانَ غِطَاءً عَلَى الْإِنْسَانِ سَاتِرًا لَهُ. وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ:
وَإِذَا مَسَّ الإنسان وصفه للمستقبل، وفلما كَشَفْنَا لِلْمَاضِي فَهَذَا النَّظْمُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُ هَكَذَا كَانَ فِيمَا مَضَى وَهَكَذَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَدَلَّ مَا فِي الْآيَةِ مِنْ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْفِعْلِ الْمَاضِي عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْمَعْنَى الْمَاضِي انْتَهَى. وَالْمُرُورُ هُنَا مَجَازٌ عَنِ الْمُضِيِّ على طريقته الأول مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالضُّرِّ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَعْرَضَ عَنِ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ: مَرَّ عَنْ مَوْقِفِ الِابْتِهَالِ وَالتَّضَرُّعِ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، كَأَنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُ بِهِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَالْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ: كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ إِلَى كَشْفِ ضُرٍّ مَسَّهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلُهُ مَرَّ، يَقْتَضِي أَنَّ نُزُولَهَا فِي الْكُفَّارِ، ثُمَّ هِيَ بَعْدَ تَتَنَاوَلُ كُلِّ مَنْ دَخَلَ تَحْتَ مَعْنَاهَا مِنْ كَافِرٍ وَعَاصٍ يَعْنِي الْآيَةَ مَرَّ فِي إِشْرَاكِهِ بِاللَّهِ وَقِلَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَالْكَافُ مِنْ كَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ. وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى تَزْيِينِ الْإِعْرَاضِ عَنِ الِابْتِهَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ كَشْفِ الضُّرِّ وَعَدَمِ شُكْرِهِ وَذِكْرِهِ عَلَى ذلك، وزين مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ اللَّهَ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ خَلْقِ ذَلِكَ وَاخْتِرَاعِهِ فِي قُلُوبِهِمْ كَمَا يَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَإِمَّا بِتَخْلِيَتِهِ وَخِذْلَانِهِ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ، أَوِ الشَّيْطَانَ بِوَسْوَسَتِهِ وَمُخَادَعَتِهِ. قِيلَ: أَوِ النَّفْسَ.
وَفَسَّرَ الْمُسْرِفُونَ بِالْكَافِرِينَ وَالْكَافِرُ مُسْرِفٌ لِتَضْيِيعِهِ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ بِالشَّهْوَةِ الْخَسِيسَةِ الْمُنْقَضِيَةِ، كَمَا يُضَيِّعُ الْمُنْفِقُ مَالَهُ مُتَجَاوِزًا فِيهِ الْحَدَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنْ جَنَابِ اللَّهِ وَعَنِ اتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ.
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ: هَذَا إِخْبَارٌ لِمُعَاصِرِي الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخِطَابٌ لَهُمْ بِإِهْلَاكِ مَنْ سَلَفَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وَهُوَ الْكُفْرُ، عَلَى سَبِيلِ الرَّدْعِ لَهُمْ وَالتَّذْكِيرِ بِحَالِ مَنْ سَبَقَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَالْوَعِيدِ لَهُمْ، وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ. فَكَمَا فَعَلَ بِهَؤُلَاءِ، يَفْعَلُ بِكُمْ. وَلَفْظَةُ لَمَّا مُشْعِرَةٌ بِالْعِلِّيَّةِ، وَهِيَ حَرْفُ تَعْلِيقٍ فِي الْمَاضِي. وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا ظرف معمول لأهلكنا كَالزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّبِعًا لِغَيْرِهِ، فَإِنَّمَا يَدُلُّ إِذْ ذَاكَ عَلَى وُقُوعِ الْفِعْلِ فِي حِينِ الظُّلْمِ، فَلَا يَكُونُ لَهَا
— 21 —
إِشْعَارٌ إِذْ ذَاكَ بِالْعِلِّيَّةِ. لَوْ قُلْتَ: جِئْتُ حِينَ قَامَ زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ مجيئك مستببا عَنْ قِيَامِ زَيْدٍ، وَأَنْتَ تَرَى حَيْثُمَا جَاءَتْ لَمَّا كَانَ جَوَابُهَا أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ مُتَسَبِّبًا عَمَّا بَعْدَهَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مِنْ أَنَّهَا حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. وَجَاءَتْهُمْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى ظَلَمُوا أَيْ: لَمَّا حَصَلَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ: مَجِيءُ الرُّسُلِ بِالْبَيِّنَاتِ، وَظُلْمُهُمْ أُهْلِكُوا.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْوَاوُ فِي وَجَاءَتْهُمْ لِلْحَالِ أَيْ: ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ، وَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْحُجَجِ وَالشَّوَاهِدِ عَلَى صِدْقِهِمْ وَهِيَ الْمُعْجِزَاتُ انْتَهَى. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْبَيِّنَاتُ مُخَوِّفَاتُ الْعَذَابِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ وَمَا كَانُوا عَائِدًا عَلَى الْقُرُونَ، وَأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: ظَلَمُوا. وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَكُونَ اعْتِرَاضًا لَا مَعْطُوفًا قَالَ: وَاللَّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِمَعْنَى: وَمَا كانوا يؤمنون حقا تأكيدا لِنَفْيِ إِيمَانِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُصِرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ مُسْتَبْعَدٌ مِنْهُمْ وَالْمَعْنَى: أَنَّ السَّبَبَ فِي إِهْلَاكِهِمْ تَعْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ، وَعَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إِمْهَالِهِمْ بَعْدَ أَنْ أُلْزِمُوا الْحُجَّةَ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ انْتَهَى. وَقَالَ مُقَاتِلٌ:
الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا، عَائِدٌ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ الْتِفَاتًا، لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ ضَمِيرِ الْخِطَابِ إِلَى ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ، وَيَكُونُ مُتَّسِقًا مَعَ قَوْلِهِ: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ.
وَالْكَافُ فِي كَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الْجَزَاءِ، وَهُوَ الْإِهْلَاكُ. نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ فَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ أَجْرَمَ، يَدْخُلُ فِيهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ. وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ: يَجْزِي بِالْيَاءِ، أَيْ يَجْزِي اللَّهُ، وَهُوَ الْتِفَاتٌ. وَالْخِطَابُ فِي جَعَلْنَاكُمْ لِمَنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: خِطَابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ، وَالْمَعْنَى: اسْتَخْلَفْنَاكُمْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ الْقُرُونِ الْمُهْلَكَةِ لننظر أَتَعْمَلُونَ خَيْرًا أَمْ شَرًّا فَنُعَامِلُكُمْ عَلَى حَسَبِ عَمَلِكُمْ. وَمَعْنَى لِنَنْظُرَ:
لِنَتَبَيَّنَ فِي الْوُجُودِ مَا عَمِلْنَاهُ أَوَّلًا، فَالنَّظَرُ مَجَازٌ عَنْ هَذَا.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَازَ النَّظَرُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ مَعْنَى الْمُقَابَلَةِ؟
(قُلْتُ) : هُوَ مُسْتَعَارٌ لِلْعِلْمِ الْمُحَقَّقِ الَّذِي هُوَ عِلْمٌ بِالشَّيْءِ مَوْجُودٌ، أَشْبَهَ بِنَظَرِ النَّاظِرِ وَعِيَانِ الْمُعَايِنِ فِي حَقِيقَتِهِ انْتَهَى. وَفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزَالِ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ النَّظَرِ الْمُقَابَلَةُ، وَفِيهِ إِنْكَارُ وَصْفِهِ تَعَالَى بِالْبَصِيرِ وَرَدُّهُ إِلَى مَعْنَى الْعِلْمِ. وَقِيلَ: لِنَنْظُرَ، هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ:
لِيَنْظُرَ رُسُلُنَا وَأَوْلِيَاؤُنَا. وَأُسْنِدَ النَّظَرُ إِلَى اللَّهِ مَجَازًا، وَهُوَ لِغَيْرِهِ. وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ الحرث الزَّمَّارِيُّ: لِنَظَّرَ، بِنُونٍ وَاحِدَةٍ وَتَشْدِيدِ الظَّاءِ وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ الله عَنْهُ، وَيَعْنِي: أَنَّهُ رَآهَا بِنُونٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ النَّقْطَ وَالشَّكْلَ بِالْحَرَكَاتِ وَالتَّشْدِيدَاتِ
— 22 —
إِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ عُثْمَانَ، وَلَا يَدُلُّ كَتْبُهُ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ عَلَى حَذْفِ النُّونِ مِنَ اللَّفْظِ، وَلَا عَلَى إِدْغَامِهَا فِي الظَّاءِ، لِأَنَّ إِدْغَامَ النُّونِ فِي الظَّاءِ لَا يَجُوزُ، وَمُسَوِّغُ حَذْفِهَا أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْأَنْفِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ قِرَاءَةُ يَحْيَى عَلَى أَنَّهُ بَالَغَ فِي إِخْفَاءِ الْغُنَّةِ، فَتَوَهَّمُ السَّامِعُ أَنَّهُ إِدْغَامٌ، فَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَيْهِ. وكيف معموله لتعملون، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ لِنَنْظُرَ، لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ. وَجَازَ التَّعْلِيقُ فِي نَظَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، لِأَنَّهَا وَصْلَةُ فِعْلِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالْقُرْآنِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا فِيهِ مَا نَسْأَلُكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ مُشْرِكِي مَكَّةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: فِي خَمْسَةِ نَفَرٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ، وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَمِكْرَزِ بْنِ حَفْصٍ، وَعَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ الْعَامِرِيِّ، وَالْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ.
وقيل: الخمسة الوليد، والعاص، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، وَالْأَسْوَدُ بن عبد يغوث، والحرث بْنُ حَنْظَلَةَ، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَاظَهُمْ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَمِّ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ فَقَالُوا:
ائْتِ بِقُرْآنٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ مَا يَغِيظُنَا مِنْ ذَلِكَ نَتَّبِعْكَ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ لِأَنَّ بَعْضَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ عَلَى مَعْنَى: سَاهِلْنَا يَا مُحَمَّدُ، وَاجْعَلْ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي مِنْ قِبَلِكَ هُوَ بِاخْتِيَارِنَا، وَأَحِلَّ مَا حَرَّمَتْهُ، وَحَرِّمْ مَا أَحْلَلْتَهُ، لِيَكُونَ أَمْرُنَا حِينَئِذٍ وَاحِدًا وَكَلِمَتُنَا مُتَّصِلَةً انْتَهَى. وَنَبَّهَ تَعَالَى عَلَى الْوَصْفِ الْحَامِلِ لَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ عَلَى مَا اقْتَرَفُوهُ، وَالْمَعْنَى: وَإِذَا تَسْرِدُ عَلَيْهِمْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَاضِحَاتٍ نَيِّرَاتٍ لَا لَبْسَ فِيهَا قَالُوا كَيْتَ وَكَيْتَ، وَأُضِيفَتِ الْآيَاتِ إِلَيْهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا كَلَامُهُ جَلَّ وَعَزَّ، وَالتَّبْدِيلُ يَكُونُ فِي الذَّاتِ بِأَنْ يُجْعَلَ بَدَلُ ذات ذات أُخْرَى، وَيَكُونُ فِي الصِّفَةِ.
وَالتَّبْدِيلُ هُنَا هُوَ فِي الصِّفَةِ، وَهُوَ أَنْ يُزَالَ بَعْضُ نَظْمِهِ بِأَنْ يُجْعَلَ مَكَانَ آيَةِ الْعَذَابِ آيَةَ الرَّحْمَةِ، وَلَا يُرَادُ بِالتَّبْدِيلِ هُنَا أَنْ يَكُونَ فِي الذَّاتِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ جَعْلُ الشَّيْءِ الْمُقْتَضِي لِلتَّغَايُرِ هُوَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ التَّبْدِيلَ فِي الذَّاتِ هُوَ الْإِتْيَانُ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا. وَلَمَّا كَانَ الْإِتْيَانُ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا غَيْرَ مَقْدُورٍ لِلْإِنْسَانِ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى نَفْيِهِ وَنَفْيِ مَا هُوَ مَقْدُورٌ لِلْإِنْسَانِ، وَإِنْ كَانَ
— 23 —
مُسْتَحِيلًا ذَلِكَ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي. وَانْتِفَاءُ الْكَوْنِ هُنَا هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها «١» أَيْ يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّبْدِيلُ فِي الذَّاتِ عَلَى أَنْ يُلْحَظَ فِي قَوْلِهِ: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا، إبقاء هَذَا الْقُرْآنِ وَيُؤْتَى بِقُرْآنٍ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ أَوْ بَدِّلْهُ بِمَعْنَى أَزِلْهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَائْتِ بِبَدَلِهِ، فَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا إِزَالَتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ التَّبْدِيلُ فِي الذَّاتِ، أَوِ الْإِتْيَانُ بِغَيْرِهِ مَعَ بَقَائِهِ فَيَحْصُلُ التَّغَايُرُ بَيْنَ المطلوبين. وتلقاء مصدر كالبنيان، ولم يجيء مَصْدَرٌ عَلَى تِفْعَالٍ غَيْرُهُمَا، وَيُسْتَعْمَلُ ظَرْفًا لِلْمُقَابَلَةِ تَقُولُ: زيد تلقاءك. وقرىء بِفَتْحِ التَّاءِ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَصَادِرِ الَّتِي لِلْمُبَالَغَةِ كَالتَّطْوَافِ وَالتَّجْوَالِ وَالتَّرْدَادِ وَالْمَعْنَى: مِنْ قِبَلِ نَفْسِي أَنْ أَتَّبِعَ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ وَمَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نقصان، ولا تَبْدِيلٍ إِلَّا مَا يَجِيئُنِي خَبَرُهُ مِنَ السَّمَاءِ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ، وَعَلَى نَفْيِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا قَالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ، أَوْ أَنْ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ: لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا وَقَوْلِهِمْ: افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً «٢» وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُرِيدُوا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ لِقَوْلِهِ: إِنِّي أَخَافُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : فَمَا كَانَ غَرَضُهُمْ وَهُمْ أَدْهَى النَّاسِ وأمكرهم فِي هَذَا الِاقْتِرَاحِ؟ (قُلْتُ) : الْمَكْرُ وَالْكَيْدُ. أَمَّا اقْتِرَاحُ إِبْدَالِ قُرْآنٍ بِقُرْآنٍ فَفِيهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِكَ، وَأَنَّكَ لَقَادِرٌ عَلَى مِثْلِهِ، فَأَبْدِلْ مَكَانَهُ آخَرَ. وَأَمَّا اقْتِرَاحُ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ فَلِلطَّمَعِ وَلِاخْتِبَارِ الْحَالِ، وَأَنَّهُ إِنْ وُجِدَ مِنْهُ تَبْدِيلٌ فَإِمَّا أَنْ يُهْلِكَهُ اللَّهُ فَنَنْجُوَ مِنْهُ، أَوْ لَا يُهْلِكَهُ فَيَسْخَرُوا مِنْهُ، وَيَجْعَلُوا التَّبْدِيلَ حُجَّةً عَلَيْهِ وَتَصْحِيحًا لِافْتِرَائِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى. وَإِنْ عَصَيْتُ بِالتَّبْدِيلِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، وَتَقَدَّمَ اتِّبَاعُ الْوَحْيِ، وَتَرْكِي الْعَمَلَ بِهِ، وَهُوَ شَرْطٌ جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلُهُ.
وَالْيَوْمُ الْعَظِيمُ: هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَوُصِفَ بِالْعِظَمِ لِطُولِهِ، أَوْ لِكَثْرَةِ شَدَائِدِهِ، أَوْ لِلْمَجْمُوعِ.
وَانْظُرْ إِلَى حُسْنِ هَذَا الْجَوَابِ لَمَّا كَانَ أَحَدُ الْمَطْلُوبَيْنِ التَّبْدِيلَ بَدَأَ بِهِ فِي الْجَوَابِ، ثُمَّ أَتْبَعَ بِأَمْرٍ عَامٍّ يَشْمَلُ انْتِفَاءَ التَّبْدِيلِ وَغَيْرَهُ، ثُمَّ أَتَى بِالسَّبَبِ الْحَامِلِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الْخَوْفُ، وَعَلَّقَهُ بِمُطْلَقِ الْعِصْيَانِ، فَبِأَدْنَى عِصْيَانٍ تَرَتَّبَ الْخَوْفُ.
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
(١) سورة النمل: ٢٧/ ٦٠.
(٢) سورة الأنعام: ٦/ ٢١- ٩٣- ١٤٤. والأعراف: ٧/ ٧.
— 24 —
: هَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي التَّبْرِئَةِ مِمَّا طَلَبُوا مِنْهُ أَيْ: إِنَّ تِلَاوَتَهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْقُرْآنَ إِنَّمَا هُوَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِحْدَاثِهِ أَمْرًا عَجِيبًا خَارِجًا عَنِ الْعَادَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ رَجُلٌ أُمِّيٌّ لَمْ يَتَعَلَّمْ وَلَمْ يَسْتَمِعْ وَلَمْ يُشَاهِدِ الْعُلَمَاءَ سَاعَةً مِنْ عُمُرِهِ، وَلَا نَشَأَ فِي بَلْدَةٍ فِيهَا عُلَمَاءُ فَيَقْرَأُ عَلَيْكُمْ كِتَابًا فصيحا يبهر كلام كُلَّ فَصِيحٍ، وَيَعْلُو عَلَى كُلِّ مَنْثُورٍ وَمَنْظُومٍ، مَشْحُونًا بِعُلُومٍ مِنْ عُلُومِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَأَخْبَارِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، نَاطِقًا بِالْغُيُوبِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ بَلَغَ بَيْنَ ظَهْرَانِيكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً تَطَّلِعُونَ عَلَى أَحْوَالِهِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَسْرَارِهِ، وَمَا سَمِعْتُمْ مِنْهُ حَرْفًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا عَرَّفَهُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أقرب الناس إليه وألصقتم بِهِ.
وَمَفْعُولُ شَاءَ مَحْذُوفٌ أَيْ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لَا أَتْلُوَهُ. وَجَاءَ جَوَابُ لَوْ عَلَى الْفَصِيحِ مِنْ عَدَمِ إِتْيَانِ اللام، لكونه منفيا بما، وَيُقَالُ: دَرَيْتُ بِهِ، وَأَدْرَيْتُ زَيْدًا بِهِ، وَالْمَعْنَى: وَلَا أُعْلِمُكُمْ بِهِ عَلَى لِسَانِي. وَقَرَأَ قُنْبُلُ وَالْبَزِّيُّ مِنْ طَرِيقِ النَّقَّاشِ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْهُ: وَلَأَدْرَاكُمْ بِلَامٍ دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ مُثْبَتٍ مَعْطُوفٍ عَلَى مَنْفِيٍّ، وَالْمَعْنَى: وَلَأَعْلَمَكُمْ بِهِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِي وَعَلَى لِسَانِ غَيْرِي، وَلَكِنَّهُ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَخَصَّنِي بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ وَرَآنِي لَهَا أَهْلًا دُونَ النَّاسِ.
وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ: وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فلا مُؤَكِّدَةٌ، وَمُوَضِّحَةً أَنَّ الْفِعْلَ مَنْفِيٌّ لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلَى مَنْفِيٍّ، وَلَيْسَتْ لَا هِيَ الَّتِي نُفِيَ الْفِعْلُ بِهَا، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَفْيُ الفعل بِلَا إِذَا وَقَعَ جَوَابًا، وَالْمَعْطُوفُ عَلَى الْجَوَابِ جَوَابٌ. وَأَنْتَ لَا تَقُولُ: لَوْ كَانَ كَذَا لَا كَانَ كَذَا، إِنَّمَا يَكُونُ مَا كَانَ كَذَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو رَجَاءٍ: وَلَا أَدْرَأْتُكُمْ بِهِ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، وَخَرَجَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَصْلَ أَدْرَيْتُكُمْ بِالْيَاءِ فَقَلَبَهَا هَمْزَةً عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ: لَبَّأْتُ بِالْحَجِّ، وَرَثَأْتُ زَوْجِي بِأَبْيَاتٍ، يُرِيدُ: لَبَّيْتُ وَرَثَيْتُ. وَجَازَ هَذَا الْبَدَلُ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَالْهَمْزَةَ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ إِذَا حُرِّكَتِ الْأَلِفُ انْقَلَبَتْ هَمْزَةً كَمَا قَالُوا فِي الْعَالِمِ الْعَأْلِمُ، وَفِي الْمُشْتَاقِ الْمُشْتَأْقُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْهَمْزَةُ أَصْلٌ وَهُوَ مِنَ الدَّرْءِ، وَهُوَ الدَّفْعُ يُقَالُ: دَرَأْتُهُ دَفَعْتُهُ، كَمَا قال: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ «١» وَدَرَأْتُهُ جَعَلْتُهُ دَارِئًا، وَالْمَعْنَى:
وَلَأَجْعَلَنَّكُمْ بِتِلَاوَتِهِ خصماء تدرؤونني بِالْجِدَالِ وَتُكَذِّبُونَنِي. وَزَعَمَ أَبُو الْفَتْحِ إِنَّمَا هِيَ أَدْرَيْتُكُمْ، فقلب الياء ألفا لا نفتاح مَا قَبْلَهَا، وَهِيَ لُغَةٌ لِعَقِيلٍ حَكَاهَا قُطْرُبٌ يَقُولُونَ فِي أَعْطَيْتُكَ: أَعْطَأْتُكَ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: قَلَبَ الْحَسَنُ الْيَاءَ أَلِفًا كَمَا فِي لغة بني الحرث بن
(١) سورة النور: ٢٤/ ٨.
— 25 —
كَعْبٍ السَّلَامُ عَلَاكَ، قِيلَ: ثم همز عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ فِي الْعَالِمِ الْعَأْلِمُ. وَقَرَأَ شَهْرُ بْنُ خوشب وَالْأَعْمَشُ: وَلَا أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ بِالنُّونِ وَالذَّالِ مِنَ الْإِنْذَارِ، وَكَذَا هِيَ فِي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِإِقَامَتِهِ فِيهِمْ عُمُرًا وَهُوَ أَرْبَعُونَ سَنَةً مِنْ قَبْلِ ظُهُورِ الْقُرْآنِ عَلَى لِسَانِي يَافِعًا وَكَهْلًا، لَمْ تُجَرِّبُونِي فِي كَذِبٍ، وَلَا تَعَاطَيْتُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَلَا عَانَيْتُ اشْتِغَالًا، فَكَيْفَ أُتَّهَمُ بِاخْتِلَاقِهِ؟ أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَنَّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنْ مُكْثِهِ الْأَزْمَانَ الطَّوِيلَةَ مِنْ غَيْرِ تعلم، ولا تتلمذ، وَلَا مُطَالَعَةِ كِتَابٍ، وَلَا مِرَاسِ جِدَالٍ، ثُمَّ أَتَى بِمَا لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ أَحَدٌ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مُحِقًّا فِيمَا أَتَى بِهِ مُبَلِّغًا عَنْ رَبِّهِ مَا أَوْحَى إِلَيْهِ وَمَا اخْتَصَّهُ بِهِ؟ كَمَا
جَاءَ فِي حَدِيثِ هر قل: «هَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ كَذِبًا؟ قَالَ: لَا فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى الْخَلْقِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ».
وَأَدْغَمَ ثَاءَ لَبِثْتُ أَبُو عَمْرٍو، وَأَظْهَرَهَا بَاقِي السَّبْعَةِ.
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: عُمُرًا بِإِسْكَانِ الْمِيمِ، وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي مِنْ قَبْلِهِ عَلَى الْقُرْآنِ. وَأَجَازَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَعُودَ عَلَى التِّلَاوَةِ، وَعَلَى النُّزُولِ، وَعَلَى الْوَقْتِ يَعْنِي: وَقْتَ نُزُولِهِ.
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ، وَمَسَاقُهُ هُنَا بِاعْتِبَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا قَالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ، كَانَ فِي ضِمْنِهِ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَهُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَاقٌ، فَبُولِغَ فِي ظُلْمِ مَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا كما قال: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، أَوْ قَالَ:
أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَمَنْ قَالَ: سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقَدْ كَذَّبْتُمْ بِآيَاتِهِ، فَلَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْكُمْ. وَالِاعْتِبَارُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ تَوْطِئَةٌ لِمَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ أَيْ: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْكُمْ فِي افْتِرَائِكُمْ عَلَى اللَّهِ أَنَّ لَهُ شَرِيكًا، وَأَنَّ لَهُ وَلَدًا، وَفِيمَا نَسَبْتُمْ إِلَيْهِ مِنَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ.
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لَا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ:
الضَّمِيرُ فِي وَيَعْبُدُونَ عَائِدٌ عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحَاوَرَتُهُمْ. وما لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ هُوَ الْأَصْنَامُ، جَمَادٌ لَا تَقْدِرُ عَلَى نَفْعٍ وَلَا ضُرٍّ. قِيلَ: إِنْ عَبَدُوهَا لَمْ تَنْفَعْهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوا عِبَادَتَهَا لَمْ تَضُرَّهُمْ. وَمِنْ حَقِّ الْمَعْبُودِ أَنْ يَكُونَ مُثِيبًا عَلَى الطَّاعَةِ، مُعَاقِبًا عَلَى الْمَعْصِيَةِ. وَكَانَ أَهْلُ الطَّائِفِ يَعْبُدُونَ اللَّاتَ، وَأَهْلُ مَكَّةَ الْعُزَّى وَمَنَاةَ وَأَسَافَا وَنَائِلَةَ وَهُبْلَ، وَالْإِخْبَارُ بِهَذَا عَنِ الْكُفَّارِ هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّجْهِيلِ وَالتَّحْقِيرِ لَهُمْ وَلِمَعْبُودَاتِهِمْ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى
— 26 —
أَنَّهُمْ عَبَدُوا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ. وَفِي قَوْلِهِ: مِنْ دُونِ اللَّهِ، دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَلَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنُونَ فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ النضر بن الحرث: إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعْتُ فِي اللَّاتِ وَالْعُزَّى. وَقَالَ الْحَسَنُ: شُفَعَاؤُنَا فِي إِصْلَاحِ مَعَايِشِنَا فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ. وأ تنبئون اسْتِفْهَامٌ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِمَا ادَّعُوهُ مِنَ الْمُحَالِ الَّذِي هُوَ شَفَاعَةُ الْأَصْنَامِ، وَإِعْلَامٌ بِأَنَّ الَّذِي أَنْبَئُوا بِهِ بَاطِلٌ غَيْرُ مُنْطَوٍ تَحْتَ الصِّحَّةِ، فَكَأَنَّهُمْ يُخْبِرُونَهُ بِشَيْءٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ علمه، وَمَا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى الَّذِي.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ: بِكَوْنِهِمْ شُفَعَاءَ عِنْدَهُ، وَهُوَ إِنْبَاءُ مَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ وَهُوَ الْعَالِمُ الذَّاتَ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا لِأَنَّ الشَّيْءَ مَا يُعْلَمُ وَيُخْبَرُ عَنْهُ فَكَانَ خَبَرًا لَيْسَ لَهُ مُخْبِرٌ عَنْهُ انْتَهَى. فَتَكُونُ مَا وَاقِعَةً عَلَى الشَّفَاعَةِ، وَالْفَاعِلُ بيعلم هُوَ اللَّهُ، وَالْمَفْعُولُ الضَّمِيرُ الْمَحْذُوفُ الْعَائِدُ عَلَى ما. وقوله: في السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِهِ، لِأَنَّ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا فَهُوَ مُنْتَفٍ مَعْدُومٌ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَفِي التَّحْرِيرِ: أَتُنَبِّئُونَ، مَعْنَاهُ التَّهَكُّمُ وَالتَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ وَالْإِنْكَارُ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: أَتُخْبِرُونَ اللَّهَ بِمَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ فِي السموات وَالْأَرْضِ، فَإِنَّ صِفَاتِ الذَّاتِ لَا يَجْرِي فِيهَا النَّفْيُ. وَقِيلَ:
أَتُخْبِرُونَ اللَّهِ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ مَوْجُودًا فِي السموات وَالْأَرْضِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ وُجُودُ مَا لَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وَهُوَ كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: قَدْ قُلْتَ كَذَا، فَيَقُولُ: مَا عَلِمَ اللَّهُ هَذَا مِنِّي، أَيْ مَا كَانَ هَذَا قَطُّ، إِذْ لَوْ كَانَ لَعَلِمَهُ اللَّهُ انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَا مَوْصُولٌ يُرَادُ بِهِ الْأَصْنَامُ لَا الشَّفَاعَةُ الَّتِي ادَّعُوهَا، والفاعل بيعلم ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى مَا لَا عَلَى اللَّهِ، وَذَلِكَ عَلَى حَذْفٍ مُضَافٍ وَالْمَعْنَى: قُلْ أَتُعْلِمُونَ اللَّهَ بِشَفَاعَةِ الْأَصْنَامِ الَّتِي انْتَفَى عِلْمُهَا في السموات وَالْأَرْضِ أَيْ: لَيْسَتْ مُتَّصِفَةً بِعِلْمٍ أَلْبَتَّةَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا عَلَيْهِمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهَا تَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ الْعِلْمُ فَكَيْفَ يَشْفَعُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَنْ يَشْفَعُ فِيهِ، وَلَا مَا يَشْفَعُ فِيهِ، وَلَا مَنْ تَشْفَعُ عِنْدَهُ؟ كَمَا رَدَّ عَلَيْهِمْ فِي الْعِبَادَةِ بِقَوْلِهِ: مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ، فَانْتِفَاءُ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ قَادِحٌ فِي الْعِبَادَةِ، وَانْتِفَاءُ الْعِلْمِ قَادِحٌ فِي الشَّفَاعَةِ، فَتَبْطُلُ الْعِبَادَةُ وَدَعْوَى الشَّفَاعَةِ، ويكون قوله: في السموات وَالْأَرْضِ عَلَى هَذَا تَنْبِيهًا عَلَى مَحَالِّ الْمَعْبُودَاتِ الْمُدَّعَى شَفَاعَتُهُمْ، إِذْ مِنَ الْمَعْبُودَاتِ السَّمَاوِيَّةِ الْكَوَاكِبُ كَالشَّمْسِ وَالشِّعْرَى. وقرىء: أَتُنَبِّئُونَ بِالتَّخْفِيفِ مَنْ أَنْبَأَ. وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى عِبَادَتَهُمْ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَكَانَ ذَلِكَ إِشْرَاكًا، اسْتَأْنَفَ تَنْزِيهًا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وتعالى. وَمَا يُحْتَمَلُ أَنْ
— 27 —
تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي وَمَصْدَرِيَّةً أَيْ: شُرَكَائِهِمُ الَّذِينَ يُشْرِكُونَهُمْ بِهِ، أَوْ عَنْ إِشْرَاكِهِمْ. وَقَرَأَ الْعَرَبِيَّانِ وَالْحَرَمِيَّانِ وَعَاصِمٌ: يُشْرِكُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ هُنَا، وَفِي حَرْفَيِ النَّحْلِ، وَحَرْفٍ فِي الرُّومِ. وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَذَلِكَ الْحَسَنُ وَالْأَعْرَجُ وَابْنُ الْقَعْقَاعِ وَشَيْبَةُ وَحُمَيْدٌ وَطِلْحَةُ وَالْأَعْمَشُ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، فِي النَّمْلِ فَقَطْ بِالْيَاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَعَاصِمٌ وَأَبُو عَمْرٍو بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ. وَقَرَأَ حمزة والكسائي الخمسة بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَأَتَى بِالْمُضَارِعِ وَلَمْ يَأْتِ عَنْ مَا أَشْرَكُوا لِلدَّلَالَةِ عَلَى استمرار حالهم، كما جاؤوا يَعْبُدُونَ وَإِنَّهُمْ عَلَى الشِّرْكِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْمَاضِي.
وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الدَّلَالَةَ عَلَى فَسَادِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، ذَكَرَ الْحَامِلَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الِاخْتِلَافُ الْحَادِثُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالظَّاهِرُ عُمُومُ النَّاسِ. ويتصور في آدم وبينه إِلَى أَنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ قَتْلِ أَحَدِ ابْنَيْهِ الْآخَرَ، وَقَالَهُ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُرَادُ أَصْحَابُ سَفِينَةِ نُوحٍ، اتَّفَقُوا عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ وَدِينِ الْإِسْلَامِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلَى زَمَانِ إِبْرَاهِيمَ وَرُدَّ بِأَنَّهُ عُبِدَ فِي زَمَانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْأَصْنَامُ كَوَدٍّ، وَسُوَاعٍ. وَحَكَى ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ أَنَّ النَّاسَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى أَنْ غَيَّرَ الدِّينَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الَّذِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ يَوْمَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ «١» لَمْ يَكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَقَالَ الْأَصَمُّ: هُمُ الْأَطْفَالُ الْمَوْلُودُونَ كَانُوا عَلَى الْفِطْرَةِ فَاخْتَلَفُوا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَأَبْعَدُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هَنَا آدَمُ وَحْدَهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ: مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْأُمَّةِ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِأَنْوَاعِ الْخَيْرِ. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ هِيَ عَلَى أَنَّ المراد بأمة وَاحِدَةً فِي الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ. وَقِيلَ: فِي الشِّرْكِ. وَأُرِيدَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى الْكُفْرِ، فَآمَنَ بَعْضُهُمْ، وَاسْتَمَرَّ بَعْضُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ. أَوْ مَنْ كَانَ قَبْلَ الْبَعْثِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ، حَتَّى بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بَعْضُهُمْ، أَوِ الْعَرَبُ خَاصَّةً، أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا لِلزَّجَّاجِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: أُمَّةً وَاحِدَةً فِي الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ جَاءَ عَقِيبَ إِبْطَالِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يُقَوِّيَ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ. فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا عَلَى مِلَّةِ الْكُفْرِ، إِنَّمَا الْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَحْصُلَ النُّفْرَةُ مِنِ اتِّبَاعِ غَيْرِ مَا كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ، هُوَ وَعِيدٌ، فَصَرْفُهُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَهُوَ
(١) سورة الأعراف: ٧/ ١٧٢.
— 28 —
الِاخْتِلَافُ، هُوَ الْوَجْهُ وَالِاخْتِلَافُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ، هُوَ الْمُقْتَضِي لِلْوَعِيدِ، لَا الِاخْتِلَافُ الَّذِي هُوَ بِسَبَبِ الْإِيمَانِ، إِذْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْوَعِيدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَحْوِ هَذَا فِي الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً «١» وَلَكِنْ أَعَدْنَا الْكَلَامَ فِيهِ لِبُعْدِهِ.
وَالْكَلِمَةُ هُنَا هُوَ الْقَضَاءُ، وَالتَّقْدِيرُ: لِبَنِي آدَمَ بِالْآجَالِ الْمُؤَقَّتَةِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْكَلِمَةَ فِي أَمْرِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْعِقَابَ وَالثَّوَابَ إِنَّمَا يَكُونُ حِينَئِذٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ تَأْخِيرُ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَقْضِي بَيْنَهُمْ عَاجِلًا فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَتَمْيِيزُ الْمُحِقِّ مِنَ الْمُبْطِلِ. وَسَبَقَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ بِالتَّأْخِيرِ لِحِكْمَةٍ أَوْجَبَتْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الدَّارُ دَارَ تَكْلِيفٍ، وَتِلْكَ دَارَ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْكَلِمَةُ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا يُهْلِكُهُمْ بِالْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَوْلَا هَذَا التَّأْخِيرُ لَقَضَى بَيْنَهُمْ بِنُزُولِ الْعَذَابِ، أَوْ بِإِقَامَةِ السَّاعَةِ. وَقِيلَ: الْكَلِمَةُ السَّابِقَةُ أَنْ لَا يَأْخُذَ أَحَدًا إِلَّا بِحُجَّةٍ وَهُوَ إِرْسَالُ الرُّسُلِ. وَقِيلَ: الْكَلِمَةُ قَوْلُهُ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي «٢» وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا أَخَّرَ الْعُصَاةَ إِلَى التَّوْبَةِ.
وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ: هَذَا مِنِ اقْتِرَاحِهِمْ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَكَانُوا لَا يَعْتَدُّونَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ الْعِظَامِ الْمُتَكَاثِرَةِ الَّتِي لم ينزل عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُهَا، وَكَفَى بِالْقُرْآنِ وَحْدَهُ آيَةً بَاقِيَةً عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ بَدِيعَةً غَرِيبَةً فِي الْآيَاتِ، دَقِيقَةَ الْمَسْلَكِ مِنْ بَيْنِ الْمُعْجِزَاتِ. وَجَعَلُوا نُزُولَهَا كَلَا نُزُولٍ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قَطُّ حَتَّى قَالُوا: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ رَبِّهِ، وَذَلِكَ لِفَرْطِ عِنَادِهِمْ وَتَمَادِيهِمْ فِي التَّمَرُّدِ وَانْهِمَاكِهِمْ فِي الْغَيِّ فَقُلْ: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ أَيْ: هُوَ الْمُخْتَصُّ بِعِلْمِ الْغَيْبِ الْمُسْتَأْثِرُ بِهِ، لَا عِلْمَ لِي وَلَا لِأَحَدٍ بِهِ. يَعْنِي: أَنَّ الصَّارِفَ عَنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ الْمُقْتَرَحَةِ أَمْرٌ مُغَيَّبٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ، فَانْتَظِرُوا نُزُولَ مَا اقْتَرَحْتُمُوهُ إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ بِمَا يَفْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى بِكُمْ لِعِنَادِكُمْ وَجَحْدِكُمُ الْآيَاتِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: آيَةً مِنْ رَبِّهِ، آيَةً تَضْطَرُّ النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْآيَاتِ لَمْ يَأْتِ بِهَا نَبِيٌّ قَطُّ، وَلَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ اضْطِرَارِيَّةٌ، وإنما هي معرضة النظر لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ وَيَضِلَّ آخَرُونَ، فَقُلْ: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ إِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ، لَا يَطَّلِعُ عَلَى غَيْبِهِ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ. وَقَوْلُهُ:
فَانْتَظِرُوا، وعيد وَقَدْ صَدَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنُصْرَتِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: الْآيَةُ التي اقترحوا أن
(١) سورة البقرة: ٢/ ٢١٣.
(٢) سورة الإسراء: ١٧/ ٩٠.
— 29 —
يُنَزِّلَ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا «١» الْآيَةَ وَقِيلَ: آيَةٌ كَآيَةِ مُوسَى وَعِيسَى كَالْعَصَا وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، طَلَبُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ.
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ: لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى قَوْلَهُ: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ «٢». الْآيَةَ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلِهِ: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ «٣» وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ أَخْبَرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يصيرون لهذه المقالات عند ما يَكُونُونَ فِي رَخَاءٍ مِنَ الْعَيْشِ وَخُلُوِّ بَالٍ، وَأَنَّ إِحْسَانَ اللَّهِ تَعَالَى قَابَلُوهُ بِمَا لَا يَجُوزُ مِنِ ابْتِغَاءِ الْمَكْرِ لِآيَاتِهِ، وَكَانَ خَلِيقًا بِهِمْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ صَدَّقَ بِآيَاتِهِ. وَإِعْرَاضُهُمْ عَنِ الْآيَاتِ نَظِيرُ قَوْلِهِ: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ «٤». وَسَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّهُ لَمَّا دَعَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ الرَّسُولُ بِالْجَدْبِ قَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: ادْعُ لَنَا بِالْخِصْبِ، فَإِنْ أَخْصَبْنَا صَدَّقْنَا، فَسَأَلَ اللَّهَ لَهُمْ فَسَقُوا وَلَمْ يُؤْمِنُوا، وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْكُفَّارِ فَهِيَ تَتَنَاوَلُ مِنَ الْعَاصِينَ مَنْ لَا يُؤَدِّي شُكْرَ اللَّهِ عِنْدَ زَوَالِ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ، وَلَا يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ عَنْ مَعَاصِيهِ، وَذَلِكَ فِي النَّاسِ كَثِيرٌ.
تَجِدُ الْإِنْسَانَ يَعْقِدُ عِنْدَ مَسِّ الضُّرِّ التَّوْبَةَ وَالتَّنَصُّلَ مِنْ سَائِرِ الْمَعَاصِي، فَإِذَا زَالَ عَنْهُ رَجَعَ إِلَى أَقْبَحِ عَادَاتِهِ. وَالرَّحْمَةُ هُنَا الْغَيْثُ بَعْدَ الْقَحْطِ، وَالْأَمْنُ بَعْدَ الْخَوْفِ، وَالصِّحَّةُ بَعْدَ الْمَرَضِ، وَالْغِنَى بَعْدَ الْفَقْرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَمَعْنَى مَسَّتْهُمُ خَالَطَتْهُمْ حَتَّى أَحَسُّوا بِسُوءِ أَثَرِهَا فِيهِمْ، وَمَعْنَى مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا التَّكْذِيبُ بِالْقُرْآنِ، وَالشَّكُّ فِيهِ قَالَهُ جماعة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ:
الِاسْتِهْزَاءُ وَالتَّكْذِيبُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرَّدُّ وَالْجُحُودُ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ النِّفَاقَ لِأَنَّهُ إِظْهَارُ الْإِيمَانِ وَإِبِطَانُ الْكُفْرِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنَّ الْمَكْرَ أَخْفَى الْكَيْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْمَكْرُ الِاسْتِهْزَاءُ وَالطَّعْنُ عَلَيْهَا مِنَ الْكُفَّارِ، وَاطِّرَاحُ الشُّكْرِ وَالْخَوْفِ مِنَ الْعُصَاةِ انْتَهَى. وَالْإِذَاقَةُ وَالْمَسُّ هُنَا مَجَازَانِ، وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلَى سُرْعَةِ تَقَلُّبِ ابْنِ آدَمَ مِنْ حَالَةِ الْخَيْرِ إِلَى حَالَةِ الشَّرِّ، وَذَلِكَ بِلَفْظِ أَذَقْنَا، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَوَّلُ ذَوْقِهِ الرَّحْمَةُ قَبْلَ أَنْ يُدَاوِمَ اسْتِطْعَامَهَا مَكْرُوهٌ بِلَفْظِ مِنِ الْمُشْعِرَةِ بِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ أَيْ: ينشىء الْمَكْرَ إِثْرَ كَشْفِ الضَّرَّاءِ لَا يُمْهِلُ ذَلِكَ. وَبِلَفْظِ إِذَا الْفُجَائِيَّةِ الْوَاقِعَةِ جَوَابًا لإذا الشَّرْطِيَّةِ، أَيْ فِي وَقْتِ إذاقة الرحمة
(١) سورة الإسراء: ١٧/ ٩٠.
(٢) سورة يونس: ١٠/ ١٥. [.....]
(٣) سورة يونس: ١٠/ ٢٠. ويقولون. وفي الأنعام: ٦/ ٣٧. وَقَالُوا: لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آية. وفي الرعد: ١٣/ ٧.
ويقول: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ.
(٤) سورة يونس: ١٠/ ١٢.
— 30 —
فاجأوا بِالْمَكْرِ. وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ كَمَا قُلْنَا تَتَضَمَّنُ سُرْعَةَ الْمَكْرِ مِنْهُمْ قِيلَ: قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا فَجَاءَتْ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ. وَمَعْنَى وَصْفِ الْمَكْرِ بِالْأَسْرَعِيَّةِ: أَنَّهُ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يُدَبِّرُوا مَكَائِدَهُمْ قَضَى بِعِقَابِكُمْ، وَهُوَ مُوقِعُهُ بِكُمْ، وَاسْتَدْرَجَكُمْ بِإِمْهَالِهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
أَسْرَعَ مِنْ سَرَعَ، وَلَا يَكُونُ مِنْ أَسْرَعَ يُسْرِعُ، حَكَى ذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ. وَلَوْ كَانَ مِنْ أَسْرَعَ لَكَانَ شَاذًّا
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِي نَارِ جَهَنَّمَ لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ الْقَارِ»
وَمَا حُفِظَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ بِشَاذٍّ انْتَهَى. وَقِيلَ: أَسْرَعَ هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، وَحِكَايَةُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ هُوَ مَذْهَبٌ. وَفِي بِنَاءِ التَّعَجُّبِ وَأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِنْ أَفْعَلَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَمَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ شَاذٌّ، وَالْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ فِيهِ لِلنَّقْلِ فَيُمْنَعُ، أَوْ لِغَيْرِ النَّقْلِ فَيَجُوزُ، نَحْوُ: أَشْكَلَ الْأَمْرُ وَأَظْلَمَ اللَّيْلُ، وَتَقْرِيرُ الصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ هُوَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ.
وَأَمَّا تَنْظِيرُ أَسْوَدُ مِنَ الْقَارِ بِأَسْرَعَ فَفَاسِدٌ، لِأَنَّ أَسْوَدُ لَيْسَ فِعْلُهُ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَزْنِ فَعُلَ نَحْوُ سَوُدَ فَهُوَ أَسْوَدُ، وَلَمْ يَمْتَنِعِ التَّعَجُّبُ وَلَا بِنَاءُ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ نَحْوِ: سَوُدَ وَحَمُرَ وَأَدُمَ إِلَّا لِكَوْنِهِ لَوْنًا، وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ فِي الْأَلْوَانِ مُطْلَقًا، وَبَعْضُهُمْ فِي السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فَقَطْ.
وَالرُّسُلُ هُنَا الْحَفَظَةُ بِلَا خِلَافٍ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَا تَظُنُّونَهُ خَافِيًا مَطْوِيًّا عَنِ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ، وَهُوَ مُنْتَقِمٌ مِنْكُمْ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَبُو عَمْرٍو: رُسْلَنَا بِالتَّخْفِيفِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْأَعْرَجُ، وَرُوِيَتْ عَنْ نَافِعٍ: يَمْكُرُونَ عَلَى الْغَيْبَةِ جَرْيًا عَلَى مَا سَبَقَ. وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ، وَشَيْبَةُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَعِيسَى، وَطَلْحَةُ، وَالْأَعْمَشُ، وَالْجَحْدَرِيُّ، وَأَيُّوبُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَشِبْلٌ، وَأَهْلُ مَكَّةَ، وَالسَّبْعَةُ: بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ مُبَالَغَةً لَهُمْ فِي الْإِعْلَامِ بِحَالِ مَكْرِهِمْ، وَالْتِفَاتًا لِقَوْلِهِ: قُلِ اللَّهُ أَيْ: قُلْ لَهُمْ، فَنَاسَبَ الْخِطَابَ. وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّ رُسُلَنَا الْتِفَاتٌ أَيْضًا، إِذْ لَمْ يَأْتِ إِنَّ رُسُلَهُ.
وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ أَسْرَعُ مَكْرًا، وَإِنَّ رُسُلَهُ لَدَيْكُمْ يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى التَّفْسِيرِ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ سَوَادِ الْمُصْحَفِ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ أُبَيٍّ الْقِرَاءَةُ وَالْإِقْرَاءُ بِسَوَادِ الْمُصْحَفِ.
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ: مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا
— 31 —
قَبْلَهَا أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ النَّاسَ إِذَا أصابهم الضر لجأوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا أَذَاقَهُمُ الرَّحْمَةَ، عَادُوا إِلَى عَادَتِهِمْ مِنْ إِهْمَالِ جَانِبِ اللَّهِ وَالْمَكْرِ فِي آيَاتِهِ. وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ ذَكَرَ نَحْوًا مِنْ هَذَا فِي قَوْلِهِ: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ «١» الْآيَةَ. وَكَانَ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَتَيْنِ أَمْرًا كُلِّيًّا، أَوْضَحَ تَعَالَى ذَلِكَ الْأَمْرَ الْكُلِّيَّ بِمِثَالٍ جَلِيٍّ كَاشِفٍ عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ يَنْقَطِعُ فِيهِ رَجَاءُ الْإِنْسَانِ عَنْ كُلِّ مُتَعَلَّقٍ بِهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَيُخْلِصُ لَهُ الدُّعَاءَ وَحْدَهُ فِي كَشْفِ هَذِهِ النَّازِلَةِ الَّتِي لَا يَكْشِفُهَا إِلَّا هُوَ تَعَالَى، وَيَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ عِبَادَتِهِ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ شَفِيعُهُ عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ بَعْدَ كَشْفِ هَذِهِ النَّازِلَةِ عَادَ إِلَى عَادَتِهِ مِنْ بَغْيِهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِنْجَاؤُهُ تَعَالَى إِيَّاهُمْ هُوَ مِثَالُ مَنْ أَذَاقَهُ الرَّحْمَةَ وَمَا كَانُوا فِيهِ قَبْلُ مِنْ إِشْرَافِهِمْ عَلَى الْهَلَاكِ هُوَ مِثَالٌ مِنَ الضُّرِّ الَّذِي مَسَّهُمْ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَشَيْبَةُ، وَابْنُ عَامِرٍ: يَنْشُرُكُمْ مِنَ النَّشْرِ وَالْبَثِّ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ أَيْضًا: يَنْشُرُكُمْ مِنَ الْإِنْشَارِ وَهُوَ الْإِحْيَاءُ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَرَأَ بَعْضُ الشَّامِيِّينَ يُنَشِّرُكُمْ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ مِنَ النَّشْرِ الَّذِي هُوَ مُطَاوَعَةُ الِانْتِشَارِ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ وَالْجُمْهُورُ:
يسيركم من التسيير. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: هُوَ تَضْعِيفُ مُبَالَغَةٍ، لَا تَضْعِيفُ تَعْدِيَةٍ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: سِرْتُ الرَّجُلَ وَسَيَّرْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْهُذَلِيِّ:
فَلَا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَهَافَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَعَلَى هَذَا الْبَيْتِ اعْتِرَاضٌ حَتَّى لَا يَكُونَ شَاهِدًا فِي هَذَا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ كَالظَّرْفِ كَمَا تَقُولُ: سِرْتُ الطَّرِيقَ انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ لَا يَتَعَيَّنُ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، لِأَنَّ سَارَ الرَّجُلُ لَازِمًا أَكْثَرُ مِنْ سِرْتُ الرَّجُلَ مُتَعَدِّيًا فَجَعْلُهُ نَاشِئًا عَنِ الْأَكْثَرِ أَحْسَنُ مِنْ جَعْلِهِ نَاشِئًا عَنِ الْأَقَلِّ. وَأَمَّا جَعْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ الضَّمِيرَ كَالظَّرْفِ قَالَ كَمَا تَقُولُ: سِرْتُ الطَّرِيقَ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ عِنْدَهُمْ ظَرْفٌ مُخْتَصٌّ كَالدَّارِ وَالْمَسْجِدِ، فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْفِعْلُ غَيْرُهُ. دَخَلْتُ عند سيبويه، وانطلقت، وذهبت عِنْدَ الْفَرَّاءِ إِلَّا بِوَسَاطَةِ فِي إِلَّا فِي ضَرُورَةٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَضَمِيرُهُ أَحْرَى أَنْ لَا يَتَعَدَّى إِلَيْهِ الْفِعْلُ. وَإِذَا كَانَ ضَمِيرُ الظَّرْفِ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْهِ الْفِعْلُ بِنَفْسِهِ يَصِلُ إِلَيْهِ بِوَسَاطَةٍ فِي إِلَّا إِنِ اتَّسَعَ فِيهِ فَلَأَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الَّذِي يَصِلُ الفعل إلى ظاهره بفي أَوْلَى أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ
(١) سورة يونس: ١٠/ ١٢.
— 32 —
الْفِعْلُ بِوَسَاطَةِ فِي. وَزَعَمَ ابْنُ الطَّرَاوَةِ أَنَّ الطَّرِيقَ ظَرْفٌ غَيْرُ مُخْتَصٍّ، فَيَصِلُ إِلَيْهِ الْفِعْلُ بِغَيْرِ وَسَاطَةِ فِي، وَهُوَ زَعْمٌ مَرْدُودٌ فِي النَّحْوِ.
وَمَعْنَى يُسَيِّرُكُمْ: يَجْعَلُكُمْ تَسِيرُونَ، وَالسَّيْرُ مَعْرُوفٌ، وَفِي قَوْلِهِ: وَالْبَحْرِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ رُكُوبِ الْبَحْرِ. وَلَمَّا كَانَ الْخَوْفُ فِي الْبَحْرِ أَغْلَبَ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْهُ فِي الْبَرِّ وَقَعَ الْمِثَالُ بِهِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ بِهِ مِنَ الْتِجَاءِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ تَعَالَى حَالَةَ الشِّدَّةِ وَالْإِهْمَالِ لِجَانِبِهِ حَالَةَ الرَّخَاءِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : كَيْفَ جَعَلَ الْكَوْنَ فِي الْفُلْكِ غَايَةَ التَّسْيِيرِ فِي الْبَحْرِ، وَالتَّسْيِيرُ فِي الْبَحْرِ إِنَّمَا هُوَ بِالْكَوْنِ فِي الْفُلْكِ؟ (قُلْتُ) : لَمْ يَجْعَلِ الْكَوْنَ فِي الْفُلْكِ غَايَةَ التَّسْيِيرِ، وَلَكِنَّ مَضْمُونَ الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ حَتَّى بِمَا فِي خَبَرِهَا كَأَنَّهُ قَالَ:
يُسَيِّرُكُمْ حَتَّى إِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ فَكَانَ كَيْتَ وَكَيْتَ مِنْ مَجِيءِ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، وَتَرَاكُمِ الْأَمْوَاجِ، وَالظَّنِّ لِلْهَلَاكِ، وَالدُّعَاءِ لِلْإِنْجَاءِ انْتَهَى. وَهُوَ حَسَنٌ. وَقَرَأَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَأُمُّ الدَّرْدَاءِ:
فِي الْفُلْكِيِّ بِزِيَادَةِ يَاءِ النَّسَبِ، وَخَرَجَ ذَلِكَ عَلَى زِيَادَتِهَا، كَمَا زَادُوهَا فِي الصِّفَةِ فِي نَحْوِ:
أَحْمَرِيٍّ وَزَوَارِيٍّ، وَفِي الْعَلَمِ كَقَوْلِ الصَّلْتَانِ: أَنَا الصَّلْتَانِيُّ الَّذِي قَدْ عَلِمْتُمْ. وَعَلَى إِرَادَةِ النَّسَبِ مُرَادًا بِهِ اللُّجُّ كَأَنَّهُ قِيلَ فِي اللُّجِّ الْفُلْكِيِّ وَهُوَ الْمَاءُ الْغَمْرُ الَّذِي لَا تَجْرِي الْفُلْكُ إِلَّا فِيهِ، وَالضَّمِيرُ فِي وَجَرَيْنَ عَائِدٌ عَلَى الْفُلْكِ عَلَى مَعْنَى الْجَمْعِ، إِذِ الْفُلْكُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ يَكُونُ مُفْرَدًا وَجَمْعًا، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِمْ عَائِدٌ عَلَى الْكَائِنِينَ فِي الْفُلْكِ. وَهُوَ الْتِفَاتٌ، إِذْ هُوَ خُرُوجٌ مِنْ خِطَابٍ إِلَى غَيْبَةٍ. وَفَائِدَةُ صَرْفِ الْكَلَامِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْمُبَالَغَةُ، كَأَنَّهُ يَذْكُرُ لِغَيْرِهِمْ حَالَهُمْ لِيُعَجِّبَهُمْ مِنْهَا، وَيَسْتَدْعِيَ مِنْهُمُ الْإِنْكَارَ وَالتَّقْبِيحَ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ حِكْمَةَ الِالْتِفَاتِ هُنَا هِيَ أَنَّ قَوْلَهُ: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، خِطَابٌ فِيهِ امْتِنَانٌ وَإِظْهَارُ نِعْمَةٍ لِلْمُخَاطَبِينَ، وَالْمُسَيَّرُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مُؤْمِنُونَ وَكُفَّارٌ، وَالْخِطَابُ شَامِلٌ، فَحَسُنَ خِطَابُهُمْ بِذَلِكَ لِيَسْتَدِيمَ الصَّالِحُ عَلَى الشُّكْرِ. وَلَعَلَّ الطَّالِحَ يَتَذَكَّرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ فَيَرْجِعُ، فَلَمَّا ذُكِرَتْ حَالَةٌ آلَ الْأَمْرُ فِي آخِرِهَا إِلَى أَنَّ الْمُلْتَبِسَ بِهَا هُوَ بَاغٍ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، عَدَلَ عَنِ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ حَتَّى لَا يَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ يُخَاطَبُونَ بِصُدُورِ مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي آخِرُهَا الْبَغْيُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِهِمْ خُرُوجٌ مِنَ الْحُضُورِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَحَسُنَ ذلك لأنه قَوْلَهُ: كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ، هُوَ بِالْمَعْنَى الْمَعْقُولِ، حَتَّى إِذَا حَصَلَ بَعْضُكُمْ فِي السُّفُنِ انْتَهَى. فَكَأَنَّهُ قَدَّرَ مُفْرَدًا غَائِبًا يُعَادُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ «١» أَيْ، أَوْ كَذِي ظُلُمَاتٍ، فَعَادَ الضَّمِيرُ
(١) سورة النور: ٢٤/ ٤٠.
— 33 —
غَائِبًا عَلَى اسْمٍ غَائِبٍ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ. وَالْبَاءُ فِي بهم وبريح قَالَ الْعُكْبُرِيُّ: تَتَعَلَّقُ الْبَاءَانِ بجرين انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبَاءَ فِي بِهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بجرين تَعَلُّقَهَا بِالْمَفْعُولِ نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ. وَأَنَّ الْبَاءَ فِي بِرِيحٍ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُسَبِّبِ، فَاخْتَلَفَ الْمَدْلُولُ فِي الْبَاءَيْنِ، فَجَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَا بِفِعْلٍ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلْحَالِ أَيْ: وَجَرَيْنَ بِهِمْ مُلْتَبِسَةً بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ كَمَا تَقُولُ: جَاءَ زَيْدٌ بِثِيَابِهِ أي ملتبسا بها. وفرحوا بِهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَجَرَيْنَ بِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا أَيْ: وَقَدْ فَرِحُوا بِهَا. كَمَا احْتَمَلَ قَوْلُهُ: وَجَرَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى كُنْتُمْ، وَأَنْ يَكُونَ حالا أي: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ، هُوَ جَوَابُ إِذَا. وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي جَاءَتْهَا عَلَى الْفُلْكِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَجَرَيْنَ بِهِمْ، وَقَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَجَوَّزُوا أَنْ يَعُودَ عَلَى الرِّيحِ الطَّيِّبَةِ وَقَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَبَدَأَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَمَعْنَى طِيبِ الرِّيحِ لِينُ هُبُوبِهَا وَكَوْنِهَا مُوَافِقَةً.
وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: جَاءَتْهُمْ، وَمَعْنَى مِنْ كُلِّ مَكَانٍ مِنْ أَمْكِنَةِ الْمَوْجِ. وَالظَّنُّ هُنَا عَلَى بَابِهِ الْأَصْلِيِّ مِنْ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْجَائِزَيْنِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهَا التَّيَقُّنُ، وَمَعْنَى أُحِيطَ بِهِمْ أَيْ لِلْهَلَاكِ، كَمَا يُحِيطُ الْعَدُوُّ بِمَنْ يُرِيدُ إِهْلَاكَهُ، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ اسْتِيلَاءِ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: حِيطَ بِهِمْ ثُلَاثِيًّا وَالْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ: دَعَوُا اللَّهَ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هِيَ جَوَابُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْمَعْنَى مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: لَمَّا ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ انْتَهَى، وَهُوَ كَلَامٌ لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: جَوَابُ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ، وَجَوَابُ قَوْلِهِ: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ انْتَهَى. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَظَنُّوا ظَاهِرُهُ الْعَطْفُ على جواب إذا، لا أنه مَعْطُوفٌ عَلَى كُنْتُمْ، لَكِنَّهُ مُحْتَمِلٌ. كَمَا تَقُولُ: إِذَا زَارَكَ فُلَانٌ فَأَكْرِمْهُ، وَجَاءَكَ خَالِدٌ فَأَحْسِنْ إِلَيْهِ، وَكَأَنَّ أَدَاةَ الشَّرْطِ مَذْكُورَةٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هِيَ بَدَلٌ مِنْ ظَنُّوا لِادِّعَائِهِمْ مِنْ لَوَازِمِ ظَنِّهِمُ الْهَلَاكَ، فَهُوَ مُلْتَبِسٌ بِهِ انْتَهَى. وَكَانَ أُسْتَاذُنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ يُخَرِّجُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرُوا وَيَقُولُ: هُوَ جَوَابِ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَا كَانَ حَالُهُمْ إِذْ ذَاكَ؟ فَقِيلَ: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ انْتَهَى. وَمَعْنَى الْإِخْلَاصِ إِفْرَادُهُ بِالدُّعَاءِ مِنْ غَيْرِ إِشْرَاكِ أَصْنَامٍ وَلَا غَيْرِهَا، قَالَ مَعْنَاهُ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مُخْلِصِينَ لَا إِخْلَاصَ إِيمَانٍ، لَكِنْ لِأَجْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يُنْجِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَارِيًا مَجْرَى الْإِيمَانِ الِاضْطِرَارِيِّ انْتَهَى. وَالِاعْتِرَافُ بِاللَّهِ مَرْكُوزٌ فِي طَبَائِعِ الْعَالَمِ، وَهُمْ مَجْبُولُونَ عَلَى أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْأَشْيَاءِ، وَلِذَلِكَ إِذَا حَقَّتِ الْحَقَائِقُ رَجَعُوا إِلَيْهِ كُلُّهُمْ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا ثَمَّ قَسَمٌ مَحْذُوفٌ، وَذَلِكَ الْقَسَمُ وَمَا بَعْدَهُ مَحْكِيٌّ بِقَوْلٍ
— 34 —
أَيْ: قَائِلِينَ. أَوْ أُجْرِيَ دَعَوْا مَجْرَى قَالُوا، لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْقَوْلِ، وَالْإِشَارَةُ بِهَذِهِ إِلَى الشَّدَائِدِ الَّتِي هُمْ فِيهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِلَى الرِّيحِ الْعَاصِفِ.
فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
يَبْغُونَ بِالدُّعَاءِ إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وَالْعَمَلِ بِالْمَعَاصِي وَالْفَسَادِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) :
مَا مَعْنَى قَوْلِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالْبَغْيُ لَا يَكُونُ بِحَقٍّ؟ (قُلْتُ) : بَلَى وَهُوَ اسْتِيلَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَرْضِ الْكَفَرَةِ، وَهَدْمُ دُورِهِمْ، وَإِحْرَاقُ زُرُوعِهِمْ، وَقَطْعُ أَشْجَارِهِمْ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ قَدْ شَرَحَ قَوْلَهُ: يَبْغُونَ بِأَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ، وَيُبْعَثُونَ مُتَرَقِّينَ فِي ذَلِكَ مُمْعِنِينَ فِيهِ مِنْ بَغَى الْجُرْحُ إِذَا تَرَقَّى لِلْفَسَادِ انْتَهَى. قَالَ الزَّجَّاجُ: الْبَغْيُ التَّرَقِّي فِي الْفَسَادِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: بَغَى الْجُرْحُ تَرَقَّى إِلَى الْفَسَادِ، وَبَغَتِ الْمَرْأَةُ فَجَرَتْ انْتَهَى. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي الْمُسْلِمِينَ إِنَّهُمْ بَاغُونَ عَلَى الْكَفَرَةِ، إِلَّا إِنْ ذُكِرَ أَنَّ أَصْلَ الْبَغْيِ هُوَ الطَّلَبُ مُطْلَقًا وَلَا يَتَضَمَّنُ الْفَسَادَ، فَحِينَئِذٍ يَنْقَسِمُ إِلَى طَلَبٍ بِحَقٍّ، وَطَلَبٍ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَلَمَّا حَمَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ الْبَغْيَ هُنَا عَلَى الْفَسَادِ قَالَ: أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. وَجَوَابُ لَمَّا إِذَا الْفُجَائِيَّةُ وَمَا بَعْدَهَا، وَمَجِيءُ إِذَا وَمَا بَعْدَهَا جَوَابًا لَهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا حَرْفٌ يَتَرَتَّبُ مَا بَعْدَهَا مِنَ الْجَوَابِ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ لَمَّا، وَأَنَّهَا تُفِيدُ التَّرَتُّبَ وَالتَّعْلِيقَ فِي الْمُضِيِّ، وَأَنَّهَا كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهِ: حَرْفٌ. وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ أَنَّهَا ظَرْفٌ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِيمَا كَتَبْنَاهُ فِي عِلْمِ النَّحْوِ.
والجواب بإذا الْفُجَائِيَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَأَخَّرْ بَغْيُهُمْ عَنْ إِنْجَائِهِمْ، بَلْ بِنَفْسِ مَا وَقَعَ الْإِنْجَاءُ وَقَعَ الْبَغْيُ، والخطاب بيا أيها النَّاسُ، قَالَ الْجُمْهُورُ: لِأَهْلِ مَكَّةَ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ خِطَابٌ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْجَاهُمُ اللَّهُ وَبَغَوْا، وَيَحْتَمِلُ كَمَا قَالُوا: الْعُمُومَ، فَيَنْدَرِجُ أُولَئِكَ فِيهِمْ، وَهَذَا ذَمٌّ لِلْبَغْيِ فِي أَوْجَزِ لَفْظٍ. وَمَعْنَى عَلَى أَنْفُسِكُمْ. وَبَالُ الْبَغْيِ عَلَيْكُمْ، وَلَا يَجْنِي ثَمَرَتَهُ إِلَّا أَنْتُمْ. فَقَوْلُهُ: عَلَى أَنْفُسِكُمْ، خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ بَغْيُكُمْ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وَعَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ انْتَصَبَ مَتَاعَ فِي قِرَاءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَحَفْصٍ، وَابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَهَارُونَ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ فِي موضع الحال أَيْ: مُتَمَتِّعِينَ، أَوْ بَاقِيًا عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ أَيْ:
يَتَمَتَّعُونَ بِهِ مَتَاعَ، أَوْ نَصْبًا عَلَى الظَّرْفِ نَحْوُ: مَقْدِمَ الْحَاجِّ أَيْ وَقْتَ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. وَكُلُّ هَذِهِ التَّوْجِيهَاتِ مَنْقُولَةٌ. وَالْعَامِلُ فِي مَتَاعَ إِذَا كَانَ حَالًا أَوْ ظَرْفًا مَا تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ بَغْيُكُمْ أَيْ:
كَائِنٌ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا ينتصبان ببغيكم، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِالْخَبَرِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَارْتَفَعَ مَتَاعُ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَأَجَازَ
— 35 —

البحر المحيط في التفسير

أبو حيان الأندلسي

عرض الكتاب