سورة يونس | الآية ٣٧

عرض السورة
التَّفسير

ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري

[سورة يونس (١٠) : الآيات ٣٧ الى ٤٤]

وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)
قال الإمام ابن كثير «هذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من عند الله- تعالى- الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله ولا في أقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين، ولهذا قال- تعالى-: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ «١».
(١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٤١٧.
— 70 —
والنفي هنا للشأن الذي هو أبلغ في النفي، وأعمق في الدلالة على أن هذا القرآن من عند الله، من نفى الشيء في ذاته مباشرة.
أى: وليس من شأن هذا القرآن المعجز، أن يخترعه أو يختلقه أحد من الإنس أو الجن أو غيرهما لأن ما اشتمل عليه من إعجاز وبلاغة وتشريعات حكيمة، وآداب قويمة، وهدايات جامعة... يشهد بأنه من كلام خالق القوى والقدر.
وقوله: وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ بيان لكمال هداية القرآن الكريم، وهيمنته على الكتب السماوية السابقة.
والمراد بالذي بين يديه: الكتب السابقة على القرآن كالتوراة والإنجيل والزبور.
وقوله بَيْنَ يَدَيْهِ فيه نوع مجاز لأن ما بين يدي الشيء يكون أمامه، فوصف- سبحانه- ما مضى من الكتب بأنها بين يدي القرآن لشدة ظهورها واشتهارها، ومعنى تصديق القرآن للكتب السابقة: تأييده لما اشتملت عليه من دعوة إلى وحدانية الله- تعالى-، ومن أمر باتباع الرسول ﷺ عند ظهوره.
وأل في الْكِتابِ للجنس، فالمراد به جنس الكتب السماوية التي أنزلها- سبحانه- على بعض أنبيائه.
والمعنى: ليس من شأن هذا الكتاب في إعجازه وهدايته أن يكون من عند غير الله، لأن غيره- سبحانه- لا يقدر على ذلك، ولكن من شأنه أن يكون مؤيدا للكتب السماوية السابقة فيما دعت إليه من إخلاص العبودية لله- تعالى- ومن اتباع لرسله، وأن يكون مفصلا وموضحا لما اشتملت عليه هذه الكتب من تشريعات وآداب وأحكام.
وقوله تَصْدِيقَ منصوب على أنه معطوف على خبر كان، أو على أنه خبر لكان المقدرة أى: ولكن كان تصديق.
وقوله لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ بيان لمصدره.
أى: هذا الكتاب لا ريب ولا شك في كونه منزلا على رسوله محمد ﷺ من الله- تعالى- رب العالمين.
وفصلت جملة لا رَيْبَ فِيهِ عما قبلها لأنها مؤكدة له، ومقررة لمضمونه.
ونفى- سبحانه- عن القرآن الريب على سبيل الاستغراق: مع وقوع الريب فيه من المشركين، حيث وصفوه بأنه أساطير الأولين، لأنه لروعة بيانه، وسطوع حجته، ووضوح دلائله، لا يرتاب ذو عقل متدبر في كونه وحيا سماويا، ومصدر هداية وإصلاح.
— 71 —
فجملة لا رَيْبَ فِيهِ تنفى الريب في القرآن عمن شأنهم أن يتدبروه، ويقبلوا على النظر فيه بروية ومن ارتاب فيه فلأنه لم يقبل عليه بأذن واعية، أو بصيرة نافذة أو قلب سليم.
وقوله- سبحانه أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ انتقال من بيان كون القرآن من عند الله، إلى بيان مزاعمهم فيه.
وأم هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة للاستفهام، أى: بل أيقولون إن محمدا ﷺ هو الذي أتى بهذا القرآن من عند نفسه لا من عند الله.
وقوله قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ. أمر من الله- تعالى- لنبيه ﷺ بأن يرد عليهم بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم.
أى: قل لهم: يا محمد على سبيل التبكيت والتحدي: إن كان الأمر كما زعمتم من أنى أنا الذي اختلقت هذا القرآن، فأتوا أنتم يا فصحاء العرب بسورة مثل سوره في البلاغة والهداية وقوة التأثير، وقد أبحت لكم مع ذلك أن تدعوا لمعاونتكم ومساعدتكم في بلوغ غايتكم كل من تستطيعون دعوته سوى الله- تعالى- وجاءت كلمة «سورة» منكرة، للإشارة إلى أنه لا يطالبهم بسورة معينة، وإنما أباح لهم أن يأتوا بأية سورة من مثل سور القرآن، حتى ولو كانت كأصغر سورة منه.
والضمير في مِثْلِهِ يعود إلى القرآن الكريم، والمراد بمثله هنا: ما يشابهه في حسن النظم، وجمال الأسلوب، وسداد المعنى، وقوة التأثير.
وقوله: وَادْعُوا من الدعاء، والمراد به هنا: طلب حضور المدعو أى نادوهم.
وكلمة مَنِ في قوله: مَنِ اسْتَطَعْتُمْ تشمل آلهتهم وبلغاءهم وشعراءهم وكل من يتوسمون فيه العون والمساعدة.
وكلمة دُونِ هنا بمعنى غير أى: ادعوا لمساعدتكم كل من تستطيعون دعوته غير الله- تعالى- فإنه وحده القادر على أن يأتى بمثله.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ جملة شرطية، وجوابها محذوف لدلالة الكلام السابق عليه، أى: إن كنتم صادقين في دعواكم أنى افتريت هذا القرآن، فهاتوا سورة مثله مفتراة، فإنكم مثلي في العربية والفصاحة.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد تحدتهم وأثارت حماستهم، وأرخت لهم الحبل، وعرضت بعدم صدقهم، حتى تتوافر دواعيهم على المعارضة التي زعموا أنهم أهل لها.
— 72 —
قال الآلوسى: «هذه الآية دلالة على إعجاز القرآن، لأنه ﷺ تحدى مصاقع العرب بسورة ما منه، فلم يأتوا بذلك، وإلا فلو أتوا بذلك لنقل إلينا، لتوفر الدواعي على نقله» «١».
هذا وقد عقد صاحب الظلال فصلا طويلا للحديث عن إعجاز القرآن فقال: «وقد ثبت هذا التحدي، وثبت العجز عنه، وما يزال ثابتا ولن يزال، والذين يدركون بلاغة هذه اللغة، ويتذوقون الجمال الفنى والتناسق فيها، يدركون أن هذا النسق من القول لا يستطيعه إنسان، وكذلك الذين يدرسون النظم الاجتماعية، والأصول التشريعية، ويدرسون النظام الذي جاء به هذا القرآن، يدركون أن النظرة فيه إلى تنظيم الحاجة الإنسانية ومقتضيات حياتها من جميع جوانبها، والفرص المدخرة فيه لمواجهة الأطوار والتقلبات في يسر ومرونة كل أولئك أكبر من أن يحيط به عقل بشرى واحد، أو مجموعة من العقول في جيل واحد أو في جميع الأجيال، ومثلهم الذين يدرسون النفس الإنسانية ووسائل الوصول إلى التأثير فيها وتوجيهها، ثم يدرسون وسائل القرآن وأساليبه.
فليس هو إعجاز اللفظ والتعبير وأسلوب الأداء وحده، ولكنه الإعجاز المطلق الذي يلمسه الخبراء في هذا وفي النظم والتشريعات والتقسيمات وما إليها... » «٢».
ثم انتقلت السورة الكريمة من توبيخهم على كذبهم وجحودهم، إلى توبيخهم على جهلهم وغباوتهم فقال- تعالى-: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ....
أى: أن هؤلاء الأشقياء لم يكتفوا بما قالوه في شأن القرآن الكريم من أقاويل فاسدة، بل هرولوا إلى تكذيب ما فيه من هدايات سامية، وآداب عالية، وأخبار صادقة، بدون فهم أو تدبر، وبدون انتظار لتفسير معانيه وأخباره التي لم يهتدوا إلى معرفتها بعد.
قال صاحب الكشاف قوله بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أى: بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم كالناشئ على التقليد من الحشوية، إذا أحس بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه، وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة وبيان الاستقامة أنكرها في أول وهلة، واشمأز منها قبل أن يحسن إدراكها بحاسة سمعه من غير فكر في صحة أو فساد، لأنه لم يشعر قلبه إلا صحة مذهبه، وفساد ما عداه من المذاهب..
(١) تفسير الآلوسى ج ١١ ص ١١٩. [.....]
(٢) راجع تفسير في ظلال القرآن ج ١١ ص ١٧٨٥ وما بعدها طبعة دار الشروق.
— 73 —
فإن قلت: فما معنى التوقع في قوله: وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ؟ قلت: معناه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل، تقليدا للآباء، وكذبوه بعد التدبر تمردا، وعنادا فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم.
ويجوز أن يكون معنى وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب، يعنى أنه كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقبل أن يخبروا إخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه» «١».
وقال الآلوسى: وعبر- سبحانه- بقوله: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ دون أن يقال. بل كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه أو نحوه للإيذان بكمال جهلهم به، وأنهم لم يعلموه إلا بعنوان عدم العلم به، وبأن تكذيبهم به إنما هو بسبب عدم إحاطتهم بعلمه، لما أن تعليق الحكم بالموصول مشعر بعلية ما في حيز الصلة له، وأصل الكلام بما لم يحيطوا به علما، إلا أنه عدل منه إلى ما في النظم الكريم لأنه أبلغ.
ونفى إتيان التأويل بكلمة لَمَّا الدالة على توقع منفيها بعد نفى الإحاطة بعلمه بكلمة «لم» لتأكيد الذم، وتشديد التشنيع، فإن الشناعة في تكذيب الشيء، قبل علمه المتوقع إتيانه أفحش منها في تكذيبه قبل علمه مطلقا» «٢».
وقوله كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ تهديد لهم ووعيد على التمادي في العناد.
أى: كما كذب المشركون نبيهم محمدا ﷺ عن جهل وجحود: كذب الذين من قبلهم أنبياءهم، كقوم نوح وعاد وثمود، فكانت نتيجة هذا التكذيب أن أخذهم الله- تعالى- أخذ عزيز مقتدر.
قال- تعالى-: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «٣».
ثم فصل- سبحانه- أحوالهم ومواقفهم من القرآن الكريم فقال: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ.
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٣٨.
(٢) تفسير الآلوسى ج ١١ ص ١٢٠.
(٣) سورة العنكبوت الآية ٤٠.
— 74 —
أى: ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن، ويتبعك وينتفع بما أرسلت به، ومنهم من لا يؤمن به أبدا لاستحبابه العمى على الهدى.
وعليه يكون المراد بمن يؤمن به، أولئك الذين وفقهم الله لا تباع الحق عن يقين وإذعان.
وقيل إن المعنى: ومن قومك يا محمد أناس يؤمنون في قرارة نفوسهم بأن هذا القرآن من عند الله، ولكنهم يكذبونك جحودا وعنادا ومنهم من لا يؤمن به أصلا لانطماس بصيرته، وإيثاره الغي على الرشد.
وعلى هذا التفسير يكون المراد بمن يؤمن به: أولئك الذين يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولكن الغرور والجهل والحسد حال بينهم وبين اتباعه.
وقوله: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ أى: وربك أعلم بالمفسدين في الأرض بالشرك والظلم والفجور، وسيحاسبهم على ذلك يوم الدين حسابا عسيرا، ويذيقهم العذاب الذي يستحقونه، فالمراد بالعلم هنا لازمه وهو الحساب والعقاب.
وقوله: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ إرشاد من الله- تعالى- لنبيه ﷺ إذا ما لج أعداؤه في طغيانهم.
أى: وإن تمادى هؤلاء الأشرار في طغيانهم وفي تكذيبهم لك يا محمد، فقل لهم: أنا مسئول عن عملي أمام الله، وأنتم مسئولون عن أعمالكم أمامه- سبحانه- وأنتم بريئون مما أعمله فلا تؤاخذونى عليه، وأنا برىء كذلك من أعمالكم فلا يؤاخذنى الله عليها.
فالآية الكريمة تسلية للرسول ﷺ عما أصابه من قومه. وإعلام له بأن وظيفته البلاغ، أما حسابهم على أعمالهم فعلى الله- تعالى-.
ثم صور- سبحانه- ما عليه أولئك الجاحدون من جهالات مطبقة، وغباء مستحكم فقال- تعالى-: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ.
أى: ومن هؤلاء المشركين- يا محمد- من يستمعون إليك وأنت تقرأ عليهم القرآن وترشدهم إلى ما ينفعهم، ولكنهم يستمعون بلا تدبر أو فهم، فهل أنت- يا محمد- في إمكانك أن تسمع الصم، ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم، لأن الأصم العاقل- كما يقول صاحب الكشاف- ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دوى الصوت، فإذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعا فقد تم الأمر.
ومنهم- أيضا- من ينظر إليك، ويشاهد البراهين الدالة على صدقك، فإن وجهك ليس بوجه كذاب، ولكنه لا يتبع دعوتك جحودا وعنادا، فهل أنت في إمكانك أن تهدى العمى ولو
— 75 —
انضم إلى فقدان بصرهم فقدان بصيرتهم فأنت ترى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد نعتا على المشركين جهالاتهم، وانطماس بصيرتهم، بحيث صاروا لا ينتفعون بنعم الله التي أنعم بها عليهم.
فقد وصمهم- سبحانه- يفقدان السمع والبصر والعقل، مع أنهم يسمعون ويبصرون ويعقلون، لأنهم لما لم يستعملوا نعم الله فيما خلقت له، صارت هي والعدم سواء.
والاستفهام في الآيتين للإنكار والاستبعاد.
وجواب لو في الآيتين محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة معطوفة على جملة مقدرة مقابلة لها. أى: أفأنت تسمع الصم لو كانوا يعقلون ولو كانوا لا يعقلون، على معنى أفأنت تستطيع إسماعهم في الحالتين؟ كلا لا تستطيع ذلك وإنما القادر على ذلك هو الله وحده.
ثم بين- سبحانه- سنة من سننه التي لا تتخلف فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
أى: إن الله- تعالى- قد اقتضت سننه في خلقه، أن لا يظلمهم شيئا، كأن يعذبهم- مثلا- مع إيمانهم وطاعتهم له، أو كأن ينقصهم شيئا من الأسباب التي يهتدون باستعمالها إلى ما فيه خيرهم.. ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم، بإيرادها موارد المهالك عن طريق اجتراح السيئات، واقتراف الموبقات، الموجبة للعقوبات في الدنيا والآخرة.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد نفت تصور أن يكون هذا القرآن من عند غير الله، وتحدت المشركين أن يأتوا بسورة مثله، ووصمتهم بالتسرع في الحكم على شيء لم يحيطوا بعلمه، وأمرت النبي ﷺ أن يثبت على دعوة الحق، سواء استجاب له الناس أم لم يستجيبوا، وأن الله- تعالى- قد اقتضت حكمته ألا يعذب الناس إلا إذا فعلوا ما يوجب العقوبة، وصدق الله إذ يقول: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً.
وبعد أن بينت السورة الكريمة أحوال أولئك المشركين في الدنيا، ومواقفهم من الدعوة الإسلامية، أتبعت ذلك بالحديث عن أحوالهم يوم الحشر، ومن استعجالهم للعذاب، وعن رد الرسول ﷺ عليهم، فقال- تعالى-:
— 76 —

التفسير الوسيط

محمد سيد طنطاوي

عرض الكتاب