سورة يونس | الآية ٦١

عرض السورة
التَّفسير

ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑ

التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
والحسرة في القلوب، كما ترى المقدم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخطب ويغلب، حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامدا مبهوتا.
وقيل: أسر رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم، حياء منهم وخوفا من توبيخهم..
وقيل أسروا الندامة: أظهروها من قولهم أسر الشيء إذا أظهره وليس هناك تجلد» «١».
وقوله: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بيان لعدالة الله في أحكامه بين عباده.
أى: وقضى الله- تعالى- بين هؤلاء الظالمين وبين غيرهم بالعدل دون أن يظلم أحدا.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك ما يدل على كمال قدرته، وسعة رحمته، وعلى أنه وحده الذي يملك التحليل والتحريم، ويعلم السر وأخفى فقال- تعالى-:

[سورة يونس (١٠) : الآيات ٥٥ الى ٦١]

أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)
وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠) وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٤١.
— 86 —
أى: ألا إن لله وحده لا لغيره، ملك ما في السموات وما في الأرض من مخلوقات، وهو- سبحانه- يتصرف فيها وفق إرادته ومشيئته كما يتصرف المالك فيما يملكه، فهو يعطى من يشاء ويغفر لمن يشاء، ويتوب على من يشاء لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ.
وقوله: أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أى: ألا إن كل ما وعد الله به الناس من ثواب وعقاب وغيرهما، ثابت ثبوتا لا ريب فيه، وواقع وقوعا لا محيص عنه.
وصدرت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح أَلا الدالة على التنبيه، لحض الغافلين عن هذه الحقيقة على التذكر والاعتبار والعودة إلى طريق الحق.
وأعيد حرف التنبيه في جملة أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ لتمييزها بهذا التنبيه عن سابقتها، لأنها مقصودة بذاتها: إذ أن المشركين كانوا يظنون أن ما وعدهم به الرسول ﷺ هو من باب الترغيب والترهيب وليس من باب الحقائق الثابتة.
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أى ولكن أكثر هؤلاء الناس الذين بعثت إليهم يا محمد، لا يعلمون ما جئت به علما نافعا لسوء استعدادهم، وضعف عقولهم، وخبث نفوسهم.
وقال أَكْثَرَهُمْ: إنصافا للقلة المؤمنة التي علمت الحق فاتبعته وصدقته، ووقفت إلى جانب الرسول ﷺ تؤيده وتفتدى دعوته بالنفس والمال.
وقوله: هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بيان لكمال قدرته، إثر بيان عظم ملكوته، ونفاذ وعده.
أى: هو- سبحانه- الذي يحيى من يريد إحياءه ويميت من يريد إماتته وإليه وحده ترجعون جميعا، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
ثم وجه- سبحانه- نداء إلى الناس، أمرهم فيه بالانتفاع بما اشتمل عليه القرآن الكريم، من خيرات وبركات فقال- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ
— 87 —
رَبِّكُمْ، وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
والموعظة معناها: التذكير بالتزام الحق والخير، واجتناب الباطل والشر، بأسلوب يلين القلوب، ويرقق النفوس.
والشفاء: هو الدواء الشافي من كل ما يؤذى، ويجمع على أشفيه.
والهدى: هو الإرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المقصد والبغية، والرحمة معناها الإحسان، أو إرادة الإحسان.
والمعنى: يا أيها الناس قد جاءكم من الله- تعالى- كتاب جامع لكل ما تحتاجون اليه من موعظة حسنة ترق لها القلوب، وتخشع لها النفوس. وتصلح بها الأخلاق ومن شفاء لأمراض صدوركم. ومن هداية لكم إلى طريق الحق والخير، ومن رحمة للمؤمنين ترفعهم الى أعلى الدرجات وتكفر ما حدث منهم من سيئات.
وجاء هذا الإرشاد والتوجيه عن طريق النداء، استمالة لهم إلى الحق بألطف أسلوب، وأكمل بيان، حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويتنبهوا من غفلتهم.
ووصفت الموعظة بأنها من ربكم. لتذكيرهم بما يزيدها تعظيما وقبولا، لأنها لم تصدر عن مخلوق تحتمل توجيهاته الخطأ والصواب، وإنما هي صادرة من خالق النفوس ومربيها، العليم بما يصلحها ويشفيها.
وقيد الرحمة بأنها للمؤمنين، لأنهم هم المستحقون لها، بسبب إيمانهم وتقواهم.
قال الآلوسى ما ملخصه: «واستدل بالآية على أن القرآن يشفى من الأمراض البدنية كما يشفى من الأمراض القلبية، فقد أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إنى اشتكى صدري، فقال- عليه الصلاة والسلام-: «اقرأ القرآن، يقول الله- تعالى- شفاء لما في الصدور».
وأخرج البيهقي في الشعب عن وائلة بن الأسفع أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ وجع حلقه، فقال له: «عليك بقراءة القرآن».
وأنت تعلم أن الاستدلال بهذه الآية على ذلك مما لا يكاد يسلم، والخبر الثاني لا يدل عليه، إذ ليس فيه أكثر من أمره ﷺ الشاكي بقراءة القرآن إرشادا له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه.
ونحن لا ننكر أن لقراءة القرآن بركة، قد يذهب الله بسببها الأمراض والأوجاع، وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك.
— 88 —
والخبر الأول وإن كان ظاهرا في المقصود، لكن ينبغي تأويله، كأن يقال: لعله ﷺ اطلع على أن في صدر الرجل مرضا معنويا قلبيا، قد صار سببا للمرض الحسى البدني، فأمره ﷺ بقراءة القرآن ليزول عنه الأول فيزول الثاني.
والحسن البصري ينكر كون القرآن شفاء للأمراض، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال:
إن الله- تعالى- جعل القرآن شفاء لما في الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم، والحق ما ذكرنا» «١».
وقوله: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ حض للناس على اغتنام ما في تعاليم الإسلام من خيرات، وإيثارها على ما في الدنيا من شهوات.
أى: قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة: اجعلوا فرحكم الأكبر، وسروركم الأعظم، بفضل الله الذي شرع لكم هذا الدين على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبرحمته التي وسعت كل شيء وهي بالمؤمنين أوسع، لا بما تجمعون في هذه الدنيا من أموال زائلة ومتع فانية.
وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن، ومنهم من فسر فضل الله بالقرآن، ورحمته بالإسلام. ومنهم من فسرهما بالجنة والنجاة من النار.
ولعل تفسير هما بما يشمل كل ذلك أولى: لأنه لم يرد نص صحيح عن الصادق المصدوق ﷺ يحدد المراد منهما، وما دام الأمر كذلك فحملهما على ما يشمل الإسلام والقرآن والجنة أولى.
قال ابن كثير: قوله- تعالى- قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا أى:
بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة.
فعن أيفع بن عبد الكلاعى قال: لما قدم خراج العراق إلى عمر- رضى الله عنه- خرج عمر ومولى له، فجعل يعد الإبل، فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله- تعالى- ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت ليس هذا هو الذي يقول الله- تعالى- قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ «٢».
(١) تفسير الآلوسى ج ١١ ص ١٤٠.
(٢) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٤٢١.
— 89 —
أى: ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيما جاءهم من الله- تعالى- من دين قويم، ورسول كريم، وقرآن مبين.
ودخلت الباء على كل من الفضل والرحمة، للإشعار باستقلال كل منهما بالفرح به.
والجار والمجرور في كل منهما متعلق بمحذوف، وأصل الكلام: قل لهم يا محمد ليفرحوا بفضل الله وبرحمته، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإفادة الاختصاص، وأدخلت الفاء لإفادة السببية، فكأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليكن بسبب ما أعطاهم الله- تعالى- من فضل ورحمة، لا بسبب ما يجمعون من زينة الحياة الدنيا.
قال القرطبي: «والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب. وقد ذم الله الفرح في مواضع، كقوله- سبحانه- إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وكقوله إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما، لقوله- تعالى- فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وكقوله- سبحانه- هنا فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا أى بالقرآن والإسلام فليفرحوا... » «١».
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يرد أيضا على أولئك الذين أحلوا وحرموا على حسب أهوائهم دون أن يأذن الله لهم بذلك فقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا، قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ أى: قل لهم يا محمد- أيضا- أخبرونى أيها المبدلون لشرع الله على حسب أهوائكم: إن الله- تعالى- قد أفاض عليكم ألوانا من الرزق الحلال فجئتم أنتم، وقسمتم هذا الرزق الحلال، فجعلتم منه حلالا وجعلتم منه حراما.
وقد حكى الله- تعالى- فعلهم هذا في آيات متعددة، منها قوله- تعالى-: وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا «٢».
قال الإمام ابن كثير: «قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل كقوله- تعالى-: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً... الآيات.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق، سمعت أبا الأحوص وهو عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا رث الهيئة فقال: هل لك مال؟ قلت: نعم. قال: من أى المال؟ قال: قلت: من كل
(١) تفسير القرطبي ج ٨ ص ٣٥٤.
(٢) سورة الأنعام الآية ص ١٣٩.
— 90 —
المال. من الإبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: إذا آتاك الله مالا فلير عليك ثم قال: هل تنتج إبلك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول: هذه بحر. وتشق جلودها وتقول هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك. قال: نعم. قال: فإن ما آتاك الله لك حل.
ساعد الله أشد من ساعدك. وموسى الله أحد من موساك» «١».
وقوله: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ استفهام قصد به التوبيخ والزجر أى:
قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والزجر: إن الله وحده هو الذي يملك التحليل والتحريم، فهل هو- سبحانه- أذن لكم في ذلك، أو إنما أنتم الذين حللتم وحرمتم على حسب أهوائكم. لأنه لو أذن لكم في ذلك لبينه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال صاحب الكشاف: «وقوله: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ متعلق بأرأيتم، وقل تكرير للتوكيد. والمعنى أخبرونى آلله أذن لكم في التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه. ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار وأم منقطعة، بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء.
ثم قال: وكفى بهذه الآية زاجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله»
«٢».
ثم توعدهم- سبحانه- بسوء المصير على جرأتهم وكذبهم فقال وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ....
أى: هؤلاء الذين أحلوا وحرموا افتراء على الله ماذا يظنون أن الله سيفعل بهم يوم القيامة؟ أيظنون أن الله سيتركهم بدون عقاب؟ كلا إن عقابهم لشديد بسبب افترائهم عليه الكذب.
وأبهم- سبحانه- هذا العقاب للتهويل والتعظيم، حيث أباحوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله- تعالى-:
وقال- سبحانه- وَما ظَنُّ... بصيغة الماضي لتحقيق الوقوع، وأكثر أحوال القيامة يعبر عنها بهذه الصيغة لهذا الغرض.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ تذييل قصد به حض الناس على شكر خالقهم، واتباع شريعته فيما أحل وحرم.
(١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٤٢٣.
(٢) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٤٢.
— 91 —
أى: إن الله لذو فضل عظيم على عباده، حيث خلقهم ورزقهم، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على هذه النعم، لأنهم يستعملونها في غير ما خلقت له.
وبعد أن ذكر- سبحانه- عباده بفضله، وما يجب عليهم من شكره، عطف على ذلك تذكيره إياهم بإحاطة علمه بكل صغير وكبير في هذا الكون فقال: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ. وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ، وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً....
أى: وما تكون- أيها الرسول الكريم- في شأن من الشئون أو في حال من الأحوال.
وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن يهدى الى الرشد.
ولا تعملون- أيها الناس- عملا ما صغيرا أو كبيرا، إلا كنا عليكم مطلعين.
ومن في قوله مِنْهُ للتعليل، والضمير يعود إلى الشأن، إذ التلاوة أعظم شئونه ﷺ ولذا خصت بالذكر. ويجوز أن يعود للقرآن الكريم، ويكون الإضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه، وتعظيم أمره.
ومن في قوله مِنْ قُرْآنٍ مزيدة لتأكيد النفي.
وقال الآلوسى: «والخطاب الأول خاص برأس النوع الإنسانى، وسيد المخاطبين ﷺ هذا. وقوله وَلا تَعْمَلُونَ... عام يشمل سائر العباد برهم وفاجرهم وقد روعي في كل من المقامين ما يليق به، فعبر في مقام الخصوص في الأول بالشأن، لأن عمل العظيم عظيم، وفي الثاني بالعمل العام للجليل والحقير. وقيل: الخطاب الأول عام للأمة أيضا كما في قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ.
وقوله: إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة. أى: وما تلابسون بشيء منها في حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه، حافظين له»
«١».
وقوله: إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ أى: تخوضون وتندفعون في ذلك العمل، لأن الإفاضة في الشيء معناها الاندفاع فيه بكثرة وقوة.
وقوله: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ بيان لشمول علمه- سبحانه- لكل شيء.
(١) تفسير الآلوسى ج ١١ ص ١٤٤. [.....]
— 92 —
ويعزب: أى يبعد ويغيب، وأصله من قولهم: عزب الرجل يعزب بإبله إذا أبعد بها وغاب في طلب الكلأ والعشب. والكلام على حذف مضاف.
أى: وما يغيب ويخفى عن علم ربك مثقال ذرة في الوجود علويه وسفليه ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا وهو معلوم ومسجل عنده في كتاب عظيم الشأن، تام البيان.
وقوله: مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ تمثيل لقلة الشيء ودقته، ومن فيه لتأكيد النفي وقدمت الأرض على السماء هنا، لأن الكلام في حال أهلها، والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه- سبحانه- بتفاصيلها. فكأنه- سبحانه- يقول: إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شيء من أحوال أهل الأرض مع نبيهم صلى الله عليه وسلم.
وقوله: وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ جملة مستقلة ليست معطوفة على ما قبلها.
ولا نافية للجنس وأَصْغَرَ اسمها منصوب لشبهه بالمضاف، وأَكْبَرَ معطوف عليه. وفِي كِتابٍ مُبِينٍ متعلق بمحذوف خبرها.
وقدم ذكر الأصغر على الأكبر، لأنه هو الأهم في سياق العلم بما خفى من الأمور.
وقرأ حمزة ويعقوب وخلف وَلا أَصْغَرَ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى:
ولا ما هو أصغر من ذلك.
والمراد بالكتاب المبين: علم الله الذي وسع كل شيء، أو اللوح المحفوظ الذي حفظ الله فيه كل شيء.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله- تعالى- لكل شيء، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن من خيرات وبركات، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه- سبحانه- وعلى إحاطة علمه بما ظهر وبطن من الأمور.
وبعد أن وجه- سبحانه- نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بما جاء في القرآن من خيرات، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها الله، وأقام الأدلة على نفاذ قدرته، وشمول علمه.
بعد كل ذلك، بشر أولياءه بحسن العاقبة، وأنذر أعداءه بسوء المصير، ورد على الذين قالوا اتخذ الله ولدا بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال- تعالى-:
— 93 —

التفسير الوسيط

محمد سيد طنطاوي

عرض الكتاب