سورة يونس | الآية ١٠٢

عرض السورة
التَّفسير

ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المراغي
المراغي
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
دروزة
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
توبيخ للكافرين على إصرارهم على الكفر، وجحودهم للحق.
والمراد بكلمة ربك: حكمه النافذ، وقضاؤه الذي لا يرد، وسنته التي لا تتغير ولا تتبدل في الهداية والإضلال.
والمراد بالآية: المعجزات والبراهين الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم.
أى: إن الذين حكم الله- تعالى- عليهم بعدم الإيمان- لأنهم استحبوا العمى على الهدى- لا يؤمنون بالحق الذي جئت به- أيها الرسول الكريم.. مهما سفت لهم من معجزات وبراهين دالة على صدقك..
ولكنهم سيؤمنون بأن ما جئت به هو الحق، حين يرون العذاب الأليم وقد نزل بهم من كل جانب.
وهنا سيكون إيمانهم كلا إيمان، لأنه جاء في غير وقته، وصدق الله إذ يقول: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا.. «١».
وسيكون حالهم كحال فرعون، الذي عند ما أدركه الغرق قال آمنت.
وبذلك ترى الآيات الكريمة قد نهت عن الشك والافتراء في شأن الحق الذي جاء به الرسول ﷺ بأبلغ أسلوب، وأقوى بيان، كما بينت سنة من سنن الله في خلقه، وهي أن من لا يأخذ بأسباب الهدى لا يهتدى، ومن لا يفتح بصيرته للنور لا يراه، فتكون نهايته إلى الضلال، مهما تكن الآيات والبينات الدالة على طريق الحق.
ثم فتحت السورة الكريمة للمكذبين باب الأمل والنجاة، فذكرتهم بقوم يونس- عليه السلام- الذين نجوا من العذاب بسبب إيمانهم، كما ذكرتهم بإرادة الله التامة، وقدرته النافذة، ودعتهم إلى الاعتبار والاتعاظ بما اشتمل عليه هذا الكون.
استمع إلى السورة الكريمة وهي تسوق كل ذلك وغيره بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول:

[سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٨ الى ١٠٣]

فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)
(١) سورة غافر الآية ٨٥.
— 133 —
قال القرطبي ما ملخصه: «روى في قصة يونس- عليه السلام- عن جماعة من المفسرين، أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل- بالعراق- وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم يونس يدعوهم إلى الإسلام، وترك ما هم عليه فأبوا، فقيل: إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم. فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل. وقالوا: هو رجل لا يكذب فارقبوه، فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم، وإن ارتحل عنكم، فهو نزول العذاب لا شك...
فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم، فأصبحوا فلم يجدوه، فآمنوا وتابوا، ودعوا الله ولبسوا المسوح، وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم، وردوا المظالم..
قال الزجاج: إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا العذاب لما نفعهم الإيمان» «١».
وكلمة فَلَوْلا في قوله- سبحانه- فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْللحث والتحضيض، فهي بمعنى هلا.
(١) تفسير القرطبي ج ٨ ص ٣٨٧.
— 134 —
والمقصود بالقرية أهلها وهم أقوام الأنبياء السابقين، وهي اسم كان. وقوله آمَنَتْ خبرها. وقوله فَنَفَعَها إِيمانُها معطوف على آمَنَتْ.
والمعنى: فهلا عاد المكذبون إلى رشدهم وصوابهم، فآمنوا بالحق الذي جاءتهم به رسلهم، فنجوا بذلك من عذاب الاستئصال الذي حل بهم فقطع دابرهم، كما نجا منه قوم يونس- عليه السلام- فإنهم عند ما رأوا أمارات العذاب الذي أنذرهم به نبيهم آمنوا وصدقوا، فكشف الله عنهم هذا العذاب الذي كاد ينزل بهم، ومتعهم بالحياة المقدرة لهم، إلى حين انقضاء آجالهم في هذه الدنيا.
قال الإمام الشوكانى: والاستثناء بقوله: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ.. منقطع، وهو استثناء من القرية لأن المراد أهلها.
والمعنى: فهلا قرية واحدة من القرى التي أهلكناها آمنت إيمانا معتدا به- وذلك بأن يكون خالصا لله- قبل معاينة العذاب، ولم تؤخره كما أخره فرعون، لكن قوم يونس «لما آمنوا» إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب، أو عند أول المعاينة قبل حلوله بهم «كشفنا عنهم عذاب الخزي» أى: الذل والهوان.
وقيل يجوز أن يكون متصلا، والجملة في معنى النفي، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس..» «١».
وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه: «وما يرويه بعض المفسرين هنا من أن العذاب نزل عليهم، وجعل يدور على رءوسهم.. ونحو هذا، ليس له أصل لا في القرآن ولا في السنة...
وفي الآية إشارة إلى أنه لم توجد قرية آمنت بأجمعها بنبيها المرسل إليها من سائر القرى، سوى قوم يونس.
والبقية دأبهم التكذيب، كلهم أو أكثرهم، كما قال- تعالى- وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ.
وفي الحديث الصحيح: «عرض على الأنبياء، فجعل النبي يمر ومعه الفئام من الناس- أى العدد القليل- والنبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي ليس معه أحد»
«٢».
وفي الآية الكريمة- أيضا- تسلية الرسول ﷺ عما أصابه من حزن بسبب إعراض
(١) تفسير فتح القدير ج ٢ ص ٤٧٣. [.....]
(٢) تفسير القاسمى ج ٦ ص ٣٤٠٠.
— 135 —
قومه عن دعوته، وفيها كذلك تعريض بأهل مكة، وإنذارهم من سوء عاقبة الإصرار على الكفر والجحود، وحض لهم على أن يكونوا كقوم يونس- عليه السلام- الذين آمنوا قبل نزول العذاب فنفعهم إيمانهم.
ثم أضاف- سبحانه- إلى هذه التسلية لرسوله ﷺ تسلية أخرى فقال: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً... ومفعول المشيئة محذوف والتقدير:
ولو شاء ربك- يا محمد- إيمان أهل الأرض كلهم جميعا لآمنوا دون أن يتخلف منهم أحد، ولكنه- سبحانه- لم يشأ ذلك، لأنه مخالف للحكمة التي عليها أساس التكوين والتشريع، والإثابة والمعاقبة، فقد اقتضت حكمته- سبحانه- أن يخلق الكفر والإيمان، وأن يحذر من الكفر ويحض على الإيمان، ثم بعد ذلك من كفر فعليه تقع عقوبة كفره، ومن آمن فله ثواب إيمانه.
والهمزة في قوله- سبحانه- أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ للاستفهام الإنكارى، والفاء للتفريع.
والمراد بالناس: المصرين على كفرهم وعنادهم.
والمعنى: تلك هي مشيئتنا لو أردنا إنفاذها لنفذناها، ولكننا لم نشأ ذلك فهل أنت يا محمد في وسعك أن تكره الناس الذين لم يرد الله هدايتهم على الإيمان؟.
لا، ليس ذلك في وسعك ولا في وسع الخلق جميعا، بل الذي في وسعك هو التبليغ لما أمرناك بتبليغه.
وفي هذه الجملة الكريمة تسلية أخرى للرسول ﷺ ودفع لما يضيق به صدره، من إعراض بعض الناس عن دعوته.
وقوله- سبحانه- وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ... تأكيد لما اشتملت عليه الآية السابقة من قدرة نافذة لله- تعالى- أى: وما صح وما استقام لنفس من الأنفس، أن تؤمن في حال من الأحوال، إلا بإذن الله» أى: إلا بإرادته ومشيئته وتوفيقه وهدايته.
وقوله: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ. معطوف على محذوف يدل عليه الكلام السابق دلالة الضد على الضد، والرجس: يطلق على الشيء القبيح المستقذر.
والمعنى: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله، فيأذن لمن يشاء من تلك الأنفس بالإيمان، ويجعل الرجس أى الكفر وما يترتب عليه من عذاب على القوم الذين لم يستعملوا عقولهم فيما يهدى إلى الحق والخير، بل استعملوها فيما يوصل إلى الأباطيل والشرور.
— 136 —
ولما كان التأمل في ملكوت السموات والأرض، يعين على التفكير السليم، وعلى استعمال العقل فيما يهدى إلى الحق والخير، أمر الله- تعالى- الناس بالنظر والاعتبار فقال- سبحانه-: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ....
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لقومك: انظروا وتأملوا وتفكروا فيما اشتملت عليه السموات من شموس وأقمار، وكواكب ونجوم، وسحاب وأمطار...
وفيما اشتملت عليه الأرض من زروع وأنهار، ومن جبال وأشجار، ومن حيوانات ودواب متنوعة.
انظروا إلى كل ذلك وتفكروا، فإن هذا التفكر يهدى أصحاب العقول السليمة إلى أن لهذا الكون إلها واحدا عليما قديرا، هو وحده المستحق للعبادة والطاعة.
وقوله: وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ توبيخ للغافلين عن النظر السليم الذي يؤدى إلى الهداية.
وما نافية، والمراد بالآيات: ما أشار إليه- سبحانه- قبل ذلك بقوله: ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والنذر: جمع نذير، وهو من يخبر غيره بأمر مخوف حتى يحذره.
والمعنى: انظروا وتفكروا واعتبروا بما في السموات والأرض من آيات بينات دالة على وحدانية الخالق وقدرته..
ومع ذلك فإن الآيات مهما اتضحت، والنذر مهما تعددت، لا تجدى شيئا، بالنسبة لمن تركوا الإيمان، وأصروا على الجحود والعناد.
ويجوز أن تكون ما للاستفهام الإنكارى، فيكون المعنى وأى شيء تجدى الآيات السماوية والأرضية، والنذر بحججها وبراهينها، أمام قوم جاحدين معاندين، قد استحبوا الكفر على الإيمان؟.
ثم ساق- سبحانه- للمكذبين برسوله ﷺ تهديدا يخلع قلوبهم فقال: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ، قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ.
قال القرطبي: «الأيام هنا بمعنى الوقائع، يقال فلان عالم بأيام العرب أى بوقائعهم قال قتادة: يعنى وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، والعرب تسمى العذاب أياما والنعم أياما، كقوله- تعالى- وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ، وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام» «١».
(١) تفسير القرطبي ج ٨ ص ٣٨٦.
— 137 —
والمعنى: إذا كان الأمر كما قصصنا عليك من إثابتنا للمؤمنين، وجعل الرجس على الذين لا يعقلون، فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لدعوتك، إلا العذاب الذي نزل بالمكذبين لدعوة الرسل من قبلك؟ فالاستفهام للتهكم والتقريع.
وقوله: قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ أمر من الله- تعالى- لنبيه ﷺ بأن يستمر في تهديدهم ووعيدهم.
أى: قل- يا محمد- لهؤلاء الجاحدين للحق الذي جئت به: إذا فانتظروا العذاب الذي نزل بالسابقين من أمثالكم، إنى معكم من المنتظرين لوعد ربي لي، ولوعيده لكم.
ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات الكريمة ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف ولا تتبدل فقال: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا، كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ.
والجملة الكريمة عطف على محذوف، والتقدير: تلك سنتنا في خلقنا نهلك الأمم المكذبة ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا الذين أرسلناهم لإخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وننجي- أيضا- الذين آمنوا برسلنا وصدقوهم وقوله كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ الكاف في كَذلِكَ بمعنى: مثل، وهي صفة لمصدر محذوف، واسم الإشارة يعود على الإنجاء الذي تكفل الله به للرسل السابقين ولمن آمن بهم ولفظ حَقًّا منصوب بفعل مقدر أى: حق ذلك علينا حقا أى: مثل ذلك الإنجاء الذي تكفلنا به لرسلنا ولمن آمن بهم، ننج المؤمنين بك- أيها الرسول الكريم-، ونعذب المصرين على تكذيبك، وهذا وعد أخذناه على ذاتنا فضلا منا وكرما.
سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا «١» وبذلك ترى الآيات الكريمة قد حضت الضالين على الاقتداء بقوم يونس- عليه السلام- لكي ينجوا من العذاب، وذكرتهم بنفاذ إرادة الله وقدرته، ودعتهم إلى التفكر في ملكوت السموات والأرض، وأخبرتهم بأن سنة الله ماضية في إنجاء المؤمنين، وفي إهلاك المكذبين.
وبعد هذا الحديث المتنوع الذي زخرت به سورة يونس- عليه السلام- عن وحدانية الله وقدرته، وعن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن النفس الإنسانية وأحوالها، وعن يوم القيامة وأهوالها...
بعد كل ذلك وجهت في ختامها نداءين إلى الناس أمرتهم فيهما بإخلاص العبادة لله- تعالى- وبالاعتماد عليه وحده، وبتزكية نفوسهم...
(١) سورة الإسراء الآية ٧٧.
— 138 —

التفسير الوسيط

محمد سيد طنطاوي

عرض الكتاب