سورة هود | الآية ٨٢

عرض السورة
التَّفسير

ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ

التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح إسحاق والحالة هذه، فتعين أن يكون الذبيح إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه: «١» ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عما دار بين لوط وبين الملائكة وبينه وبين قومه من حوار وجدال فقال- تعالى-:

[سورة هود (١١) : الآيات ٧٧ الى ٨٣]

وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)
(١) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٢٦٦.
— 245 —
- تلك هي قصة لوط مع الرسل الذين جاءوا لإهلاك قومه ومع قومه المجرمين، كما حكتها سورة هود.
- وقد وردت هذه القصة في سور أخرى وبأساليب متنوعة، ومنها سورة الأعراف، والحجر، والشعراء، والنمل، والعنكبوت، والصافات، والذاريات، والقمر..
قال الإمام ابن كثير: ولوط هو ابن هاران بن آزر، فهو ابن أخى إبراهيم، وكان قد آمن مع عمه إبراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل بلدة سدوم وما حولها يدعوهم إلى وحدانية الله- تعالى-، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها دون أن يسبقهم بها أحد من بنى آدم ولا من غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم يكن أحد من بنى آدم يعهده ولا يألفه ولا يخطر بباله، حتى صنع ذلك أهل سدوم- وهم قرية بوادي الأردن عليهم لعائن الله» «١».
- وقد بدأ- سبحانه- القصة هنا بتصوير ما اعترى لوطا- عليه السلام- من ضيق وغم عند ما جاءته الرسل فقال: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ....
- أى: وحين جاء الملائكة إلى لوط- عليه السلام- بعد مفارقتهم لإبراهيم، ساءه وأحزنه مجيئهم، لأنه كان لا يعرفهم، ويعرف أن قومه قوم سوء، فخشي أن يعتدى قومه عليهم، بعادتهم الشنيعة، وهو عاجز عن الدفاع عنهم...
قال ابن كثير ما ملخصه: «يخبر الله- تعالى- عن قدوم رسله من الملائكة إلى لوط- عليه السلام- بعد مفارقتهم لإبراهيم... فأتوا لوطا- عليه السلام- وهو على ما قيل في أرض له. وقيل في منزله، ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون، على هيئة شبان حسان الوجوه، ابتلاء من الله، وله الحكمة والحجة البالغة، فساءه شأنهم... » «٢».
- وقوله: وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً تصوير بديع لنفاد حيلته، واغتمام نفسه وعجزه عن وجود حيلة للخروج من المكروه الذي حل بهم.
قال القرطبي: والذرع مصدر ذرع. وأصله: أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن ذلك وضعف ومد عنقه. فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع. وقيل هو من ذرعه القيء أى غلبه.
أى: ضاق عن حبسه المكروه في نفسه.
(١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٢٣٠. [.....]
(٢) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٢٦٦.
— 246 —
وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم، وما يعلمه من فسوق قومه... » «١».
- وذَرْعاً تمييز محول عن الفاعل. أى: ضاق بأمرهم ذرعه.
وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ: أى وقال لوط- عليه السلام- في ضجر وألم: هذا اليوم الذي جاءني فيه هؤلاء الضيوف، يوم «عصيب» أى: شديد هوله وكربه.
وأصل العصب: الشد والضغط، فكأن هذا اليوم لشدة وقعه على نفسه قد عصب به الشر والبلاء، أى: شد به.
قال صاحب تفسير التحرير والتنوير: ومن بديع ترتيب هذه الجمل أنها جاءت على ترتيب حصولها في الوجود، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يساء به ويتطلب المخلص منه، فإذا علم أنه لا مخلص له منه ضاق به ذرعا. ثم يصدر تعبيرا عن المعاني يريح به نفسه» «٢».
- ثم بين- سبحانه- ما كان من قوم لوط- عليه السلام- عند ما علموا بوجود هؤلاء الضيوف عنده فقال: وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ....
- ويهرعون- بضم الياء وفتح الراء على صيغة المبنى للمفعول- أى: يدفع بعضهم بعضا بشدة، كأن سائقا يسوقهم إلى المكان الذي فيه لوط وضيوفه.
يقال: هرع الرجل وأهرع- بالبناء للمفعول فيهما- إذا أعجل وأسرع لدافع يدفعه إلى ذلك.
قال الآلوسى: والعامة على قراءته مبنيا للمفعول، وقرأ جماعة يهرعون- بفتح الياء مع البناء للفاعل- من هرع- بفتح الهاء والراء- وأصله من الهرع وهو الدم الشديد السيلان، كأن بعضه يدفع بعضا «٣».
أى: وبعد أن علم قوم لوط بوجود هؤلاء الضيوف عند نبيهم، جاءوا إليه مسرعين يسوق بعضهم بعضا إلى بيته من شدة الفرح، ومن قبل هذا المجيء، كان هؤلاء القوم الفجرة، يرتكبون السيئات الكثيرة، التي من أقبحها إتيانهم الرجال شهوة من دون النساء.
وقد طوى القرآن الكريم ذكر الغرض الذي جاءوا من أجله، وأشار إليه بقوله:
(١) تفسير القرطبي ج ٩ ص ٧٤.
(٢) تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور ج ١٢ ص ١٣٥.
(٣) تفسير الآلوسى ج ١٢ ص ٩٥.
— 247 —
وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ للإشعار بأن تلك الفاحشة صارت عادة من العادات المتأصلة في نفوسهم الشاذة، فلا يسعون إلا من أجل قضائها.
ثم حكى القرآن بعد ذلك ما بادرهم به نبيهم بعد أن رأى هياجهم وتدافعهم نحو داره فقال: قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ...
والمراد ببناته هنا: زوجاتهم ونساؤهم اللائي يصلحن للزواج، وأضافهن إلى نفسه لأن كل نبي أب لأمته من حيث الشفقة وحسن التربية والتوجيه.
قال ابن كثير: قوله- تعالى- قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ... يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم، كما قال لهم في آية أخرى: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ. وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ...
قال مجاهد: لم يكن بناته، ولكن كن من أمته، وكل نبي أبو أمته...
وقال سعيد بن جبير: يعنى نساؤهم، هن بناته وهو أب لهم... «١».
ومنهم من يرى أن المراد ببناته هنا: بناته من صلبه، وأنه عرض عليهم الزواج بهن...
ويضعف هذا الرأى أن لوطا- عليه السلام- كان له بنتان أو ثلاثة- كما جاء في بعض الروايات- وعدد المتدافعين من قومه إلى بيته كان كثيرا، فكيف تكفيهم بنتان أو ثلاثة للزواج... ؟
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، وقد رجحه الإمام الرازي بأن قال ما ملخصه: «وهذا القول عندي هو المختار، ويدل عليه وجوه. منها: أنه قال هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ وبناته اللاتي من صلبه لا تكفى للجمع العظيم، أما نساء أمته ففيهن كفاية للكل..
ومنها: أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان وهما: زنتا وزعورا، وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز، لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة... »
«٢».
والمعنى: أن لوطا- عليه السلام- عند ما رأى تدافعهم نحو بيته لارتكاب الفاحشة التي ما سبقهم بها من أحد من العالمين، قال لهم: برجاء ورفق يا قَوْمِ هؤلاء نساؤكم اللائي بمنزلة بناتي ارجعوا إليهن فاقضوا شهوتكم معهن فهن أطهر لكم نفسيا وحسيا من التلوث
(١) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٢٦٨.
(٢) تفسير الفخر الرازي ج ١٨ ص ٣٢.
— 248 —
برجس اللواط، وأفعل التفضيل هنا وهو أَطْهَرُ ليس على بابه، بل هو للمبالغة في الطهر.
قال القرطبي: وليس ألف أطهر للتفضيل، حتى يتوهم أن في نكاح الرجال طهارة، بل هو كقولك الله أكبر- أى كبير-... ولم يكابر الله- تعالى- أحد حتى يكون الله- تعالى- أكبر منه... » «١».
ثم أضاف إلى هذا الإرشاد لهم إرشادا آخر فقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي....
قال الجمل: ولفظ الضيف في الأصل مصدر، ثم أطلق على الطارق ليلا إلى المضيف، ولذا يقع على المفرد والمذكر وضديهما بلفظ واحد، وقد يثنى فيقال: ضيفان، ويجمع فيقال:
«أضياف وضيوف... » «٢».
وتخزون: من الخزي وهو الإهانة والمذلة. يقال:
خزي الرجل يخزى خزياإذا وقع في بلية فذل بذلك.
أى: بعد أن أرشدهم إلى نسائهم، أمرهم بتقوى الله ومراقبته، فقال لهم: فاتقوا الله.
ولا تجعلوني مخزيا مفضوحا أمام ضيوفى بسبب اعتدائكم عليهم، فإن الاعتداء على الضيف كأنه اعتداء على المضيف.
ويبدو أن لوطا- عليه السلام- قد قال هذه الجملة ليلمس بها نخوتهم إن كان قد بقي فيهم بقية من نخوة، ولكنه لما رأى إصرارهم على فجورهم وبخهم بقوله:
أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يهدى إلى الرشد والفضيلة. وينهى عن الباطل والرذيلة.
فيقف إلى جانبي، ويصرفكم عن ضيوفى؟
ولكن هذا النصح الحكيم من لوط لهم لم يحرك قلوبهم الميتة الآسنة. ولا فطرتهم الشاذة المنكوسة. بل ردوا عليه بقولهم:
قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ.
أى: قال قوم لوط له بسفاهة ووقاحة: لقد علمت يا لوط علما لا شك معه، أننا لا رغبة لنا في النساء، لا عن طريق الزواج ولا عن أى طريق آخر، فالمراد بالحق هنا: الرغبة والشهوة.
(١) تفسير القرطبي ج ٩ ص ٨٦.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٤١٣.
— 249 —
قال الشوكانى: قوله ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ أى: ما لنا فيهن من شهوة ولا حاجة، لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق، ومعنى ما نسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم المكالبة على إتيان الذكور وشدة الشهوة إليهم، فهم من هذه الحيثية كأنهم لا حاجة لهم إلى النساء. ويمكن أن يريدوا: أنه لا حق لنا في نكاحهن... » «١».
وقولهم: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ إشارة خبيثة منهم إلى العمل الخبيث الذي ألفوه، وهو إتيان الذكور دون النساء أى: وإنك لتعلم علما يقينيا الشيء الذي نريده فلماذا ترجعنا؟! وقولهم هذا الذي حكته الآية الكريمة عنهم، يدل دلالة واضحة على أنهم قد بلغوا النهاية في الخبث والوقاحة وتبلد الشعور..
لذا رد عليهم لوط- عليه السلام- رد اليائس من ارعوائهم عن غيهم، المتمنى لوجود قوة إلى جانبه تردعهم وتكف فجورهم... قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
والقوة: ما يتقوى به الإنسان على غيره.
وآوى: أى ألجأ وأنضوى تقول: أويت إلى فلان فأنا آوى إليه أويّا أى: انضممت إليه.
والركن في الأصل: القطعة من البيت أو الجبل، والمراد به هنا الشخص القوى الذي يلجأ إليه غيره لينتصر به...
ولو شرطية وجوابها محذوف، والتقدير: قال لوط- عليه السلام- بعد أن رأى من قومه الاستمرار في غيهم، ولم يقدر على دفعهم- على سبيل التفجع والتحسر: لو أن معى قوة أدفعكم بها لبطشت بكم.
ويجوز أن تكون لو للتمني فلا تحتاج إلى جواب أى: ليت معى قوة أستطيع بمناصرتها لي دفع شركم.
وقوله أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ معطوف على ما قبله، أو ليتني أستطيع أن أجد شخصا قويا من ذوى المنعة والسلطان أحتمى به منكم ومن تهديدكم لي...
قالوا: وإنما قال لوط- عليه السلام- ذلك لأنه كان غريبا عنهم، ولم يكن له نسب أو عشيرة فيهم.
وهنا- وبعد أن بلغ الضيق بلوط ما بلغ- كشف له الملائكة عن حقيقتهم، وبشروه بما يدخل الطمأنينة على قلبه قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ أى: إنا رسل
(١) تفسير فتح القدير ج ٢ ص ٥١٤.
— 250 —
ربك أرسلنا إليك لنخبرك بهلاكهم، فاطمئن فإنهم لن يصلوا إليك بسوء في نفسك أو فينا.
روى أن الملائكة لما رأوا ما لقيه لوط- عليه السلام- من الهم والكرب بسببهم قالوا له: يا لوط إن ركنك لشديد... ثم ضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، فارتدوا على أدبارهم يقولون النجاء، وإليه الإشارة بقوله- تعالى- في سورة القمر: وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ.
وقوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أى: فاخرج من هذه القرية مصحوبا بالمؤمنين من أهلك في جزء من الليل يكفى لابتعادك عن هؤلاء المجرمين.
قال القرطبي: قرئ «فاسر وفأسر بوصل الهمزة وقطعها لغتان فصيحتان. قال- تعالى- وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ وقال سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ... وقيل «فأسر» بالقطع تقال لمن سار من أول الليل.. وسرى لمن سار في آخره، ولا يقال في النهار إلا سار... » «١».
وقوله: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ... معطوف على ما قبله وهو قوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ....
أى: فأسر بأهلك في جزء من الليل، ولا يلتفت منكم أحد إلى ما وراءه، اتقاء لرؤية العذاب، إِلَّا امْرَأَتَكَ يا لوط فاتركها ولا تأخذها معك لأنها كافرة خائنة، ولأنها سيصيبها العذاب الذي سينزل بهؤلاء المجرمين. فيهلكها معهم.
قال الإمام الرازي ما ملخصه: قوله إِلَّا امْرَأَتَكَ قرأ ابن كثير وأبو عمرو إِلَّا امْرَأَتَكَ بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب.
قال الواحدي: من نصب فقد جعلها مستثناة من الأهل، على معنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك أى فلا تأخذها معك...
وأما الذين رفعوا فالتقدير: ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم.
روى عن قتادة أنه قال: إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت العذاب التفتت وقالت وا قوماه فأصابها حجر فأهلكها» «٢».
(١) تفسير القرطبي ج ٩ ص ٧٩.
(٢) تفسير الفخر الرازي ج ١٨ ص ٣٦.
— 251 —
وقوله- سبحانه- إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ بشارة أخرى للوط- عليه السلام- الذي تمنى النصرة على قومه.
أى: إن موعد هلاك هؤلاء المجرمين يبتدئ من طلوع الفجر وينتهى مع طلوع الشمس، أليس الصبح بقريب من هذا الوقت الذي نحدثك فيه؟
قال- تعالى- في سورة الحجر: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ أى: وهم داخلون في وقت الشروق. فكان ابتداء العذاب عند طلوع الصبح وانتهاؤه وقت الشروق.
والجملة الكريمة إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ... كالتعليل للأمر بالإسراء بأهله بسرعة، أو جواب عما جاش بصدره من استعجاله العذاب لهؤلاء المجرمين.
والاستفهام في قوله- سبحانه- أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ للتقرير أى: بلى إنه لقريب.
قال الآلوسى: روى أنه- عليه السلام- سأل الملائكة عن موعد هلاك قومه فقالوا له موعدهم الصبح. فقال: أريد أسرع من ذلك. فقالوا له أليس الصبح بقريب. ولعله إنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول العذاب حينئذ أفظع، ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين «١».
ثم حكى- سبحانه- في نهاية القصة ما حل بهؤلاء المجرمين من عذاب فقال: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ.
أى: «فلما أمرنا» بإهلاك هؤلاء القوم المفسدين جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها أى: جعلنا أعلى بيوتهم أسفلها، بأن قلبناها عليهم، وهي عقوبة مناسبة لجريمتهم حيث قلبوا فطرتهم، فأتوا الذكران من العالمين وتركوا ما خلق لهم ربهم من أزواجهم...
وقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ زيادة في عقوبتهم ولعنهم.
أى: جعلنا أعلى قراهم أسفلها، وأمطرنا عليها حجارة مِنْ سِجِّيلٍ أى: من حجر وطين مختلط، قد تجحر وتصلب مَنْضُودٍ أى: متتابع في النزول بدون انقطاع موضوع بعض على بعض، من النضد وهو وضع الأشياء بعضها إلى بعض.
مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ أى: معلمة بعلامات من عند ربك لا يعلمها إلا هو، ومعدة إعدادا خاصا لإهلاك هؤلاء القوم.
(١) تفسير الآلوسى ج ١٢ ص ١٠١.
— 252 —
وَما هِيَ أى تلك القرى المهلكة مِنَ الظَّالِمِينَ وهم مشركو مكة بِبَعِيدٍ أى: ببعيدة عنهم، بل هي قريبة منهم، ويمرون عليها في أسفارهم إلى الشام.
قال- تعالى- وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
«١».
أى: وإنكم يا أهل مكة لتمرون على هؤلاء القوم المهلكين من قوم لوط في وقت الصباح أى النهار، وتمرون عليهم بالليل أفلا تعقلون ذلك فتعتبروا وتتعظوا؟؟
ويجوز أن يكون الضمير في قوله وَما هِيَ يعود إلى الحجارة التي أهلك الله بها هؤلاء القوم.
أى: وما هي تلك الحجارة الموصوفة بما ذكر من الظالمين ببعيد، بل هي حاضرة مهيئة بقدرة الله- تعالى- لإهلاك الظالمين بها.
والمراد بالظالمين ما يشمل قوم لوط، ويشمل كل من عصى الله وتجاوز حدوده، ولم يتبع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهكذا كانت نهاية قوم لوط، فقد انطوت صفحتهم كما انطوت من قبلهم صفحات قوم نوح وهود وصالح- عليهم الصلاة والسلام- هذا ومن العبر والأحكام التي نأخذها من هذه الآيات الكريمة، أنه لا بأس على المسلم من أن يستعين بغيره لنصرة الحق الذي يدعو إليه، ولخذلان الباطل الذي ينهى عنه.
فلوط- عليه السلام- عند ما رأى من قومه الإصرار على غوايتهم ومفاسدهم تمنى لو كانت معه قوة تزجرهم وتردعهم وتمنعهم عن فسادهم.
وقد علق الإمام ابن حزم على ما جاء في الحديث الشريف بشأن لوط- عليه السلام- فقال ما ملخصه:
وظن بعض الفرق أن ما جاء في الحديث الصحيح من قوله ﷺ «رحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد» إنما هو من باب الإنكار على لوط- عليه السلام- في قوله لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
والحق أنه لا تخالف بين القولين، بل كلاهما حق، لأن لوطا- عليه السلام- إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش. من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين، وما جهل قط لوط- عليه السلام- أنه يأوى من ربه- تعالى- إلى أمنع قوة، وأشد ركن.
(١) سورة الصافات الآيتان ١٣٧- ١٣٨.
— 253 —

التفسير الوسيط

محمد سيد طنطاوي

عرض الكتاب